لجنة التحقيق النيابية العراقية في قضية فلسطين*../ د.محمد عقل**

لجنة التحقيق النيابية العراقية في قضية فلسطين*../ د.محمد عقل**

هزت نكبة فلسطين الجماهير العربية من الأعماق. هذه الجماهير الهائجة ما انفكت تطالب بتوضيح الأسباب التي أدت إلى هزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل.

في بعض الدول جرت انقلابات ضد السلطة، وفي أُخرى جرت اغتيالات للحكام، ولكن فقط في العراق أُقيمت لجنة تحقيق نيابية أُنيطت بها مهمة بحث ظروف الفشل في فلسطين والإسقاطات الناتجة عنه. يقول عارف العارف إن الشعب العراقي هاج وماج عندما سمع أن جيشه لم يقم بأي عمل يذكر، وبلغه ما بلغه عن المهازل التي قام بها في فلسطين... وسرت أنباء هذه المهازل إلى أروقة البرلمان العراقي فعقد المجلس النيابي جلسة سرية بحث فيها الموضوع.

يبدو لنا أن أصحاب الحل والعقد في العراق أرادوا امتصاص النقمة الشعبية من خلال مجلس النواب، ففي الجلسة التي عقدها هذا المجلس بتاريخ 12شباط 1949 تقرر انتداب لجنة من النواب للتحقيق والاطلاع على ما جرى، وفي مساء 14 شباط 1949 انتخب المجلس النيابي اللجنة من عشرة أعضاء وهم: عبدالله الدملوجي- رئيساً، حسين جميل – نائباً للرئيس، حسن عبد الرحمن، عبد الرحمن الجليل، أحمد العامر، جميل أورفهلي، أحمد حافظ، منى سرسم، علي كمال، سعد عمر – مقرراً وهو محاضر.

بسبب ظهور خلافات بين أعضاء اللجنة، وذلك في بداية عملها، استقال حسين جميل، حسن عبد الرحمن وعبد الرحمن الجليل، بينما واصلت اللجنة المصغرة القيام بمهمتها بعد أن اختارت جميل أورفهلي نائباً للرئيس.

بعد إطلاع اللجنة النيابية على الوثائق اللازمة في الوزارات المختلفة أعدت تقريراً مفصلاً عن موقف العراق من قضية فلسطين بدءاً بثورة 1936 وانتهاء بحرب 1948 مدعمة أقوالها بوثائق أثبتتها في الملاحق، وحيث أن أهم صفحة من صفحات القضية الفلسطينية هي التي تتعلق بالحركات العسكرية وما يتصل بها من البداية إلى النهاية فقد توجهت اللجنة بتاريخ 21/4/1949 إلى وزير الدفاع العراقي بطلب الإجابة عن 12 سؤالاً حول الحرب في فلسطين.

بتاريخ 25/7/1949 أجاب وزير الدفاع عن الأسئلة المذكورة في تقرير امتد على 108 صفحات. هذا التقرير أعدته لجنة خاصة أُنشئت خصيصاً لهذا الأمر برئاسة أمير اللواء، الركن إسماعيل صفوت، وهي التي دققت في الأضابير والوثائق المتراكمة في وزارة الدفاع واستناداً على ذلك أعدت أجوبتها.

بتاريخ 4/9/1949 رفعت اللجنة النيابية إلى رئيس المجلس النيابي تقريرها الذي أسمته "تقرير لجنة التحقيق النيابية في قضية فلسطين"، وقد جاء التقرير في أربع وخمسين صفحة، وله ملاحق عديدة، جاءت في 184 صفحة، ورغم أنه تقرير سري لا يجوز نشره، فقد وصلت نسخة مطبوعة منه إلى الجيش الإسرائيلي حيث قام النقيب شموئيل سيغف (صباغ)، وهو يهودي عراقي، عام 1955 بترجمته إلى العبرية ونشره الجيش الإسرائيلي على نفقته لما له من أهمية سياسية وعسكرية، بينما لم نجد في العربية من هذا التقرير سوى شذرات مبتورة قام باقتباسها عارف العارف في كتابه نكبة فلسطين الصادر عام 1959 رغم أن المجلس النيابي طبعه في مطبعة الحكومة ببغداد عام1949 وتسربت منه نسخ إلى أيدي الساسة.

وللأسف نحن اليوم نعتمد في دراساتنا على الترجمة العبرية لأن النسخة العربية غيرة متوفرة، وحبذا لو قامت العراق بإعادة طبعه كاملاً مع تحقيق علمي ملائم. من الواضح أن الحكومة العراقية قصدت تحميل الدول العربية مسؤولية الفشل في حرب 1948 وامتصاص النقمة الشعبية على عدم قيام الجيش العراقي بعمل جدي في فلسطين، كما أنه من غير الصحيح أن هذه الحكومة فتحت أبواب وزارة الدفاع العراقية أمام اللجنة النيابية للاطلاع على الملفات السرية، بل شكلت لجنة خاصة للإجابة عن الأسئلة التي وجهتها اللجنة النيابية إلى وزير الدفاع العراقي، فصارت هناك لجنة في داخل لجنة، والمدقق في تقرير اللجنة النيابية يكتشف أنها استقت معظم معلوماتها من جلسات مجلس الجامعة العربية ومؤتمراته التي عقدت في لبنان ومصر، كما أن اللجنة لم تنشر شيئاً خلال فترة تواجد الجيش العراقي في فلسطين، وبالتالي لم يكن لتوصياتها أي تأثير على مجريات الأحداث.

من الوثائق النادرة في التقرير اخترنا اثنتين: الأولى كتاب رفعه أمير اللواء الركن، العراقي، إسماعيل صفوت، القائد العام لقوات فلسطين إلى لجنة فلسطين التابعة للجامعة العربية يشكو فيها من تدخلات المفتي، الحاج أمين الحسيني، ومن عدم انضباط قادة الفصائل الفلسطينية تحت راية عربية موحدة، وبناء عليه استخلصت اللجنة النيابية أن ذلك أضر بالجهد العربي المشتركK وهو استنتاج خاطئ إذ لو سَلَّحَت الدول العربية أبناء فلسطين لتمكن هؤلاء من الدفاع عن بلادهم، زد على ذلك لماذا قام الجيش العراقي خلال تواجده في فلسطين بتجنيد المئات من المجاهدين الفلسطينيين وأنشأ لهم أفواجاً خاصة بهم وأوكلهم بحماية الخط الأول من الجبهة!

أما الوثيقة الثانية فهي المقدمة التي صاغها وزير الدفاع العراقي في رده على أسئلة اللجنة النيابة وفيها شرح لأسباب الفشل في حرب 1948.
الرقم-7/خاص التاريخ: 11/3/1948
دولة رئيس لجنة فلسطين
بالرغم من أن الفقرة الخامسة للمادة الثالثة من المقررات السّرية نصّت بصراحة ووضوح على تخويل القائد العام السلطة المطلقة في توجيه وإدارة الحركات العسكرية في فلسطين وجعل جميع القوات المقاتلة تابعة له وتحت سيطرته، فإن الرجال المرتبطين بسماحة المفتي لم يعترفوا بالقيادة العامة، ولم يرضخوا لأوامرها، ولا يزالون دائبين على أعمالهم الانفرادية وحركاتهم الفوضوية بدون اكتراث، أو إذعان لتلك المقررات، وعلى سبيل المثال نورد الوقائع التالية:

1- رعاية لشعور سماحة المفتي وتطمينه لقد عَيَّننا السيد عبد القادر الحسيني قائداً لمنطقة القدس بدون النظر لكفاءته العسكرية، وخوّلناه تسجيل (300) مجاهد دائمين من رجاله تدفع رواتبهم من قبلنا، وكذلك وضعنا حامية القدس المؤلفة من 128 متطوعاً نظامياً و(250) مجاهداً محلياً تحت إمرته مع أن آمرها من خيرة الضباط وأكفئهم (كذا)، وأظهرنا له استعدادنا لتأمين جميع احتياجاته غير أنه لم يعترف بالقيادة العامة، ولا يذعن لأوامرها حتى الآن، وهو لا يزال يُعلن نفسه أنه هو القائد العام، أو القائد الأعلى ويعبث في هذه المنطقة حسب رغائبه وأهوائه.

2- أعلن العقيد المتقاعد طارق الإفريقي أنه عُيَّنَ قائداً عاماً من قبل سماحة المفتي لمنطقة غزة، وقد سافر فعلاً ولم ير لزوماً للاتصال بنا، أو إخبارنا بمهمته.

3- لقد وصل المدعو إبراهيم الصغير مع (200) مسلح إلى الناصرة معلناً أنه عُيِّنَ قائداً لها من قبل سماحة المفتي، وأخذ يحاول السيطرة على هذه المنطقة، ويجبر الناس على الانصياع إليه بدون أن يتصل بقائد الجبهة الشمالية مع أن الناصرة واقعة ضمن جبهته وداخل منطقة حركاته، وهو لا يزال يعبث هناك بدون أن يعترف بسلطةٍ ما، وقد جاءني نهار أمس أربعة ذوات من وجهاء الناصرة ويشكون من هذه الحالة ويطلبون إرسال ضابط يسيطر على مدينتهم.

4- يَدّعي كل من فوزي الجرار ونجيب المصطفى في منطقة جنين أنه عُيِّنَ قائداً من قبل المفتي، وأخذا يجمعان الناس ويحاولان السيطرة عليهم بالقوة، وبدون الاتصال بقائد الجبهة الوسطى السيد فوزي القاوقجي مع أن جنين واقعة في وسط جبهته وتعتبر ضمن منطقة تحشد قواته.

5- أتى الشيخ محمد أبو جنب إلى قباطية وعبد الرحمن مسعود إلى بنا(؟) والسيد أحمد نسيبة إلى طولكرم ومعهم سيارة مشحونة بالأسلحة والعتاد، وأخذوا يقومون بأعمال انفرادية، ويجمعون الناس حولهم بالرغم من أن قائد الجبهة الشمالية طلب منهم الاتصال به ومواجهته، ولم يتصلوا به ولم يكترثوا لإنذاره، وهم لا يزالون دائبين على أعمالهم الانفرادية وبث الشغب بين الناس.

6- قام شخص يدعى عبد الرحمن زيدان بتوزيع مناشير يدعو فيها إلى الانضمام إليه باعتباره قائداً من أفراد المفتي، وينتحل عنوان قائد فرقة إعلاء كلمة الله.

7- ذهب شخص إلى مدينة الخليل مُدّعياً أنه أُرسل من قبلنا ليقود المجاهدين، وأخذ يهدد الأهلين ويتوّعدهم مُعلناً سخطه عليهم لأنهم اتصلوا بنا.

8- إن منسوبي المفتي في نابلس وجنين وطولكرم يعملون كل ما (كذا) في وسعهم لبث الدعايات السيئة ضد قوات الجبهة الوسطى ويحاولون عرقلة أعمال هذه القوات.

9- لم تردنا حتى الآن القوائم التي طلبناها من سماحة المفتي بأسماء المجاهدين الذين يجب تسجيلهم للنظر في أمر استخدامهم وصرف رواتبهم، وبالرغم من هذا لقد أصدرنا الأوامر لجميع آمري الحاميات بوجوب تسجيل المجاهدين الذين كانوا تابعين إلى الهيئة العربية العليا وترجيحهم على سواهم.

إن ما ذكر أعلاه هو قليل من كثير، وإنني أترك إلى لجنة فلسطين المحترمة تقدير النتائج السيئة والعواقب الوخيمة التي تنتج من هذه الحالة التي أخذت تتسع يوماً فيوماً، وأقول بصراحة إنه إذا لم يقض على هذه الحالة المؤلمة فستصبح القيادة العامة أشبه بمهزلة منها بقيادة، وإنني غير مستعد لمقاومة هؤلاء الناس بالقوة وضربهم بالوقت الذي نحن أحوج ما يكون لجمع الصفوف وتوحيد المساعي والجهود.
إسماعيل صفوت
(القائد العام لقوات فلسطين)
"وزارة الدفاع العراقية- رقم د/202/4أ/448- التاريخ: 25/7/1949
هناك سببان رئيسان هما مفتاح لفهم القضية الفلسطينية. ولو راعى العرب هذين السببين لكانت نتائج الحرب مختلفة، ولكان بالإمكان الحصول على نتائج مرضية قبل أن يتقوى الصهاينة وقبل أن يكون بمقدور الدول الكبرى التدخل، وهذان السببان هما:

1- عدم حصول الجيش العراقي على كميات كافية من السلاح والعتاد:

لم يحصل الجيش العراقي على طلباته من الأسلحة والأعتدة، رغم ما بذله الوفدان العراقيان اللذان أرسلا إلى بريطانيا في تشرين الأول سنة 1947، وفي كانون الثاني 1948، فقد ماطلت بريطانيا في تزويد العراق بما طلبه من أسلحة وطائرات، حتى أن الطلبات السنوية المعتادة لم تُلب، ولم يجهز منها سوى قسم ضئيل، وما حجز منها بقي بعضه عاطلاً، كالمدرعات التي لم يجهز عتادها، وكذلك الطائرات التي لم يجهز عتادها وصواريخها، وظلت بريطانيا هكذا تماطل إلى أن فُرِضَ الحظر على تصدير الأسلحة... وكان الجيش العراقي في أمس الحاجة لهذه الأسلحة، ولا سيما للطائرات، وأعتدتها، وعجلات القتال المتنوعة، والأسلحة المقاومة للطائرات، وهكذا لم يتمكن الجيش من الاستفادة حتى من المدرعات والطائرات والأسلحة الأخرى الموجودة لديه، لعدم توفر الأعتدة اللازمة لها.

2- عدم وجود قيادة موحدة للجيوش العربية:

كانت الحكومة العراقية الوحيدة من بين جميع دول الجامعة العربية السبع التي أقرت بحيوية القيادة الموحدة وأهميتها كشرط لنجاح أي عمل عربي، وحتى أنها اقترحت إنشاء قيادة كهذه قبل اندلاع الأحداث بوقت طويل، كي تستطيع هذه القيادة إعداد تخطيط عملي ملائم، وتتمكن من جمع المعلومات اللازمة، كما أن الحكومة العراقية وزعماءها السياسيين والعسكريين كانوا الوحيدين المتفقين فيما بينهم على طلب إنشاء هذه القيادة الموحدة قبل الحرب وخلال الحرب وبعد الهدنتين. لقد تنقلوا بين عواصم الدول العربية كلها، وحاولوا أن يشرحوا لزعمائها بأن أي عمل لن يُكتب له النجاح بدون تنسيق الجهود وتوحيدها، ويا للأسف لم تستجب الدول العربية لهذه الأقوال الأمر الذي أدّى إلى النتيجة المؤلمة ألا وهي ضياع فلسطين. والتفسير الوحيد لمواقف الدول العربية هذه هي أنها لم تكن مستعدة لتحمل على عاتقها المسؤولية والعبء اللذين فرضتهما حرب فلسطين عليها، وأن خروج هذه الدول للمعركة ما كان سوى تمثيلية تهدف إلى إسكات الرأي العام وطمأنته. لا شك أن عدم وجود قيادة موحدة كان السبب الرئيس لعدم وضع خطة عسكرية مشتركة لجميع الجيوش العربية بحيث يتم إشراك عدد منها في معركة واحدة، أمام عدو واحد، لتحقيق هدف واحد، وهذا هو السبب لعدم إدارة المعركة وفقاً لتطورات الوضع العسكري".


________________
والسؤال المطروح هنا لماذا اتخذت الدولة العراقية مواقف متشددة إذا كانت تعلم أن ليس لديها السلاح الكافي؟ ولماذا عارضت أن يقوم مجاهدو فلسطين بالذود عن حياضهم؟ ولماذا لم يقم الجيش العراقي بأي عمل عسكري في فلسطين باستثناء معركة جنين؟ ولماذا جند الجيش العراقي المئات من المجاهدين الفلسطينيين ووضعهم في خط النار الأول؟ وما مصير مجاهدي إجزم وجبع وعين غزال الذين انخرطوا في فوج الكرمل، ثم رُحّلوا مع عوائلهم إلى العراق؟ هذه مجموعة من التناقضات التي نلمسها عند قراءتنا لتقرير لجنة التحقيق النيابية!

ما من شك في أن تقرير اللجنة النيابية العراقية في قضية فلسطين يعد وثيقة تاريخية مهمة في دراسة تاريخ القضية الفلسطينية وبإمكان الدارسين الإفادة منه في دراساتهم.