فايزة ونّاس، لـ عــ48ـرب: تبقى معاناة اللاجئة مضاعفة.. و"نهر البارد" محطة فارقة أخرى..

فايزة ونّاس، لـ عــ48ـرب: تبقى معاناة اللاجئة مضاعفة.. و"نهر البارد" محطة فارقة أخرى..

يتضح أن أحداث نهر البارد، والمعارك الضارية بين الجيش اللبناني و"فتح الإسلام"، والتي أسفرت عن تدمير المخيم، ونزوح سكانه مرة أخرى، إلى نهر البداوي أساسا، كانت محطة فارقة أخرى في حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وفي حياة المرأة الفلسطينية بوجه خاص، بحيث بات يمكن الحديث عن حياتهم بمصطلحات "قبل نهر البارد" و"بعد نهر البارد". وهذا ما أكدته في حديثها مع موقع عــ48ـرب مديرة القسم التربوي لاتحاد عام المرأة الفلسطينية في شمال لبنان، الأخت فايزة وناس، بمناسبة يوم المرأة العالمي.

تنوه الأخت فايزة وناس، التي تعيش في مخيم البداوي، بعد انتقلت إليه من نهر البارد، في بداية حديثها أنه من الصعب الحديث عن المرأة بمعزل عن الحديث عن الفلسطينيين عامة، فهي نصف المجتمع ولا يمكن تجزئة قضية المرأة عن القضية العامة، بيد أن ذلك لا يعني أن معاناتها ليست مضاعفة عن معاناة اللاجئ. وبشكل عام فإن غالبية الفلسطينيين يعانون من العنف والضغوطات والأحوال المعيشية الصعبة، ويعيشون بدون حقوق مدنية واجتماعية معقولة. فعلى سبيل المثال، وهو ما ينعكس اقتصاديا على حياة الفلسطينيين، فهناك 73 مهنة يمنع الفلسطينيون من العمل بها في لبنان، حيث يمنعون من العمل في الدوائر الرسمية مثلا، إلى جانب مهن أخرى مثل الطب والتمريض، وحتى بعض المهن البسيطة، فالفلسطيني لا يستطيع أن يعمل كعامل نظافة. وعلاوة على ذلك فإن العمل في المؤسسات الخاصة لا يشتمل على ضمانات اجتماعية ولا تعويضات.

وعلى مستوى العلاقات مع الشعب اللبناني، تشير الأخت وناس إلى حصول تغير في العلاقات على المستوى الشعبي بعد أحداث نهر البارد. فـ"قبل نهر البارد" كانت الأجواء مختلفة، حيث كانت العلاقات الاجتماعية أفضل، وانطوت على تزاوج متبادل في كثير من الحالات، إلا أن ما حصل في نهر البارد أدخل التوتر إلى هذه العلاقات على المستوى الشعبي.

كانت تعيش في مخيم نهر البارد، إلا أنه بعد تدميره انتقلت إلى البداوي، وفقط قلة قليلة عادت إلى هناك. وحصل ما يشبه ردة فعل سلبية وخوف فلسطيني من إمكانية تكرار ما حصل في مواقع أخرى، مثل عين الحلوة.

وتشير إلى أن أحداث نهر البارد كانت لها انعكاسات سلبية على المرأة الفلسطينية بوجه خاص. فالمرأة كانت تخرج للعمل في الزراعة في منطقة عكار، أو تمارس مهنة التعليم في المدارس الخاصة، في عكار والمنية وطرابلس، أو في التجارة، والطبيبات مثلا يعملن في عيادات خاصة وصغيرة في داخل المخيمات، إلا أن مجالات العمل هذه تراجعت بشكل كبير بعد أحداث نهر البارد.

وفي حديثها عن العنف، تشير الأخت وناس إلى أنه "كثير في المخيمات، بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة. فمعظم الرجال عاطلون عن العمل، ويقضون وقتا طويلا في بيوتهم في أجواء من التوتر والقلق، إضافة إلى أن العادات والتقاليد تحرم المرأة من أشياء كثيرة، وبالنتيجة تكون ضحية للعنف اليومي اللفظي والجسدي، وضحية للأوضاع الاقتصادية، بما في ذلك سوء التغذية، وضحية لسوء الأحوال الصحية".

كما تشير إلى أن الأطفال هم أيضا ضحايا للعنف. وبحكم عملها التربوي، فإنها تلاحظ ذلك. وتنوه إلى أنه من خلال الطفل يمكن الوصول إلى الأهل والمرأة في البيت، من أجل تعريفها بحقوقها ومساعدتها، والعمل على تحسين ظروفها الاقتصادية والاجتماعية. ومعظم النساء بدون استقلال اقتصادي، وبالتالي فالمرأة الفلسطينية مرتبطة اقتصاديا بالرجل. كما تشير إلى أن برامج مساعدة يتم تقديمها للنساء، مثل قروض صغيرة لمساعدتهن في تمويل احتياجاتهن.

وعن الأوضاع الصحية فهناك معاناة شديدة يعيشها الفلسطينيون، المخيمات عبارة عن بيوت صغيرة ونظرا لصغر المساحة فإن البناء هو عامودي، وبالنتيجة فهناك بيوت لا تراها الشمس، ما يعني ارتفاعا ملحوظا في الأمراض الناجمة عن الرطوبة، إضافة إلى انتشار أمراض أخرى كثيرة مثل سوء التغذية والضغط العالي والسكري والقلب، وارتفاع حالات الإصابة بالسرطان، إلى جانب الأمراض النسائية، وخاصة ما يتصل منها بالحمل والولادة، حيث الأوضاع صعبة جدا، ولا يوجد تغذية صحية، وهناك ارتفاع في ولادات أجنة ضعيفة مع فقر دم، وإعاقات خلقية أحيانا.

وتشير إلى أن هناك عيادات طبية تابعة للانروا، إلا أنها لا تقدم سوى الأدوية البسيطة للحالات البسيطة، في حين أن العمليات الجراحية تجري في مستشفيات خاصة في طرابلس، وهي مكلفة جدا. وتضيف أنه لا يمكن دخول المستشفيات الرسمية، إلا أن هناك مساعي، غير مؤكدة، تهدف إلى تمكين الفلسطينيين من تلقي العلاج في المستشفيات الحكومية.

وعلى مستوى تعليم المرأة، تؤكد الأخت وناس أن الأوضاع اليوم أفضل مما كانت عليه من السابق، فالجميع يتعلمون في مدارس الأنروا، ولكن ذلك لا يعني أنه في المستوى المطلوب، حيث أن نسبة التسرب من التعليم في السنوات الأخيرة آخذة بالارتفاع. فهناك أطفال يتسربون من التعليم من أجل البحث عن عمل، وبالنتيجة فهناك عمالة أطفال كبيرة، وخاصة في العائلات كثيرة الأولاد، علما أن معدل الولادات في المخيمات للمرأة الواحدة تصل إلى 7. ومعظم العائلات تعيش في بيوت صغيرة مؤلفة من غرفتين، إحداهما مخصصة الأولاد جميعا ذكورا وإناثا. وبعد أحداث نهر البارد فإن معظم العائلات التي تركت المخيم تعيش في "بركسات" أي غرفة واحدة فقط لجميع أفراد العائلة.

وحول التعليم الثانوي يتضح أن معظم الشابات يدرسن في المدارس الثانوية بزيادة واضحة عما كان عليه الوضع في السابق، بيد أن ظاهرة الزواج المبكر عادت لتتجدد، بتبريرات دينية واجتماعية، حيث أن بعضهن يتزوجن في سن 14- 15 عاما، ويتركن مقاعد الدراسة. ومع اتساع ظاهرة الزواج المبكر فإن هناك ارتفاعا في نسبة حالات الطلاق بالنتيجة. كما أن هناك حالات يتم فيها تزويج الشابات المطلقات الصغيرات في السن من كبار في السن، وذلك بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تثقل كاهل الأهل.

وتضيف ونّاس أن مقارنة أعداد الطلاب في الصفوف الابتدائية مع الأعداد في الثانوية تظهر حجم التسرب من التعليم، حيث أن معدل الطلاب في الصفوف الابتدائية يصل إلى 50 طالبا، في حين يصل المعدل إلى 20 طالبا في المدارس الثانوية، وهي بالمناسبة مختلطة، وبين الحين والآخر ترتفع أصوات، وهي قليلة جدا، تطالب بفصل الذكور عن الإناث.

أما بشأن التعليم العالي فتشير الأخت وناس إلى الإقبال الشديد على التعليم الجامعي، إلا أن التسرب، بسبب الزواج أو الأوضاع الاقتصادية يقللان من العدد. وغالبية الطالبات يتوجهن إلى الجامعة اللبنانية، وأقلية صغيرة تتعلم في الجامعة العربية في بيروت بسبب ارتفاع أقساطها التعليمية. وبحسبها فإن معظم الطالبات يدرسن اللغة العربية واللغة الإنجليزية والعلوم الاجتماعية والتاريخ.

ويتجه قسم من الطالبات والطلاب إلى معهد "سبلين" التابع للأنروا في منطقة صيدا، وهو معهد مهني تقني يدرس فيه الطلاب مدة سنتين عددا من المواضيع مثل الرسم المعماري والكهرباء والالكترونيكا والمحاسبة والإدارة، وهو دار معلمين أيضا. مع الإشارة إلى أن التعليم في هذا المعهد هو مجاني، لكونه تابعا للأنروا.

إضافة إلى ذلك هناك مؤسسات وجمعيات صغيرة تدير معاهد صغيرة لتعليم النساء دورات تصفيف شعر وحاسوب وأعمال سكرتاريا، وما إلى ذلك.

وهنا تشير وناس إلى أنه في السابق كانت منظمة التحرير الفلسطينية تقدم منحا دراسية للطلاب، الأمر الذي لم يعد قائما اليوم، الأمر الذي ترك أثره بشكل واضح على الأوضاع الاقتصادية للطلاب الجامعيين وذويهم.

وعلى صعيد النشاط السياسي، تشير وناس إلى أن المرأة بعيدة عن مجال النشاط السياسي. ففي المخيمات يوجد لجان شعبية تمثل السلطة في كل مخيم، والمرأة الفلسطينية ليس لها أي دور في هذه اللجان، التي تشمل كافة فئات المجتمع من نقابات عمال ومندوبين عن فصائل. وبكلمات أخرى فاللجنة الشعبية مثل السلطة المحلية، ولكن بدون تمثيل للمرأة.

وتضيف أنه قبل العام 1982 كانت المرأة ممثلة في هذه السلطة في ظل قوة منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي بات مطلبا نسائيا ملحا اليوم. وهنا تشير إلى أنه من الأهمية بمكان للمرأة الوصول إلى مركز صنع القرار. وبحسبها فإن الرجل لا يتفهم هذه المطالب جيدا، وأن مفهوم حرية المرأة لا يزال غير واضح.

كما تشير أيضا إلى أنه في داخل الفصائل الفلسطينية هناك وجود ونشاط للمرأة، ولكن ليس في مركز صنع القرار. وبالمقارنة مع السابق، فقد كان الوضع في السابق أفضل بكثير.

وتقول وناس: "الهم الأكبر للمرأة الفلسطينية في المخيمات هو أن تصل إلى مركز صنع القرار، وعندها يمكن التغلب على جميع الصعوبات. وتخلص إلى أن كون المرأة لاجئة فإن هذا يعني أن معاناتها مضاعفة.

وفي ختام حديثها لا تغفل الحديث عن بلدها ديشوم، وهي إحدى قرى مدينة صفد. وبحسبها فإن ديشوم تعني لها أشياء كثيرة، فهي بلدها وفيها عاش جدها وتجول في طرقاتها وأراضيها، وولد فيها والدها، وهي لم ترها بتاتا. وتشير إلى أنه تم تهجير كافة سكان القرية في عام النكبة 1948. ولا تزال تذكر روايات الأجيال السابقة عن مدى جمال الحياة فيها.

تقول وناس "حق العودة شيء أساسي، وهو أحد الثوابت التي نتمسك بها.. لقد تم تهجير شعبنا عام النكبة تحت القصف والضرب والتنكيل، وخرجت الناس تحمل المفاتيح على أمل العودة بعد أيام معدودة.. نحن لا نزال ننادي بحق العودة.. لا سلام بدون العودة فملايين اللاجئين تنتظر العودة، والناس لم تنس وطنها.. فكل واحد منا لاجئ يحمل وثيقة لاجئ، وله وطن محروم منه، ويتمتع به آخرون.. الطفل الفلسطيني في لبنان يتعلم عن بلده في فلسطين.. لم ننس فلسطين أبدا.. لا الطفل ولا الختيار.. الكبار يشرّبون الصغار العودة بالمعلقة منذ طفولتهم".