حي سلوان: الحيـاة في ظلّ المواجهة..

حي سلوان: الحيـاة في ظلّ المواجهة..

الأدراج التي تفصل أسفل حيّ سلوان عن أعلاه تشبه كتلة حجارة راكمتها الحياة لتحكي قصة المكان. الأدراج المتعرّجة يميناً ويساراً لا تنتهي. فلو قرَّر فنّان أن يرسمها لما استطاع إتقان زواياها بريشته. الشمس بعيدة عن الزقاق، يحجبها الاكتظاظ، لكنّ الحرّ الشديد يتسلّل عنوةً ليُكسب الهواء الجاثم على الحجارة ثقلاً يكاد لا يكون محتملاً. وأنت تمرّ من هناك لا تشعر بأنَّك بين البيوت بل في داخلها. كل شيء يبدو عشوائياً: شبابيك تطلّ على الأدراج، ألوان غسيل مبعثرة، وفوضى فُرضَتْ على الناس ليسخروها فتصبح حياتهم كلّها دون أن يختاروها.

يستمر المشهد، لتتوسّطه طفلة لم تتجاوز العامين، تجلس على أعلى الدرج وتطل على حاضرها مبتسمة، ومن حولها حطام خلّفته مواجهات اندلعت، وقد تندلع، بين أهالي سلوان وحرس الحدود الإسرائيلي الموجود هناك لأيّ „طارئ”.

يعيش أهالي حيّ سلوان، الواقع على مقربة من السور المحيط بالمسجد الأقصى، في صلب العناوين، لكن على هامش صفحات الواقع. يبلغ عددهم قرابة خمسين ألفاً، سنواتهم تمر، لكنَّها تراكم معها تفاصيل ثقيلة. صارت جزءاً من طبيعة الحياة المشحونة. حياتهم عنوانها المواجهة: ضد بلدية الاحتلال تارةً، وضد المستوطنين الذين استولوا على بيوت في الحي تارةً أخرى. هذه الحياة المهدّدة بـ”المواجهة” تأتيهم علاوةً على البطالة والفقر وإخطارات هدم عشرات المنازل لبناء „حديقة توراتية”.

„كم سيحتمل هؤلاء الناس”، قال أحد سكان الحي، مشيراً، من دون أن يقصد، إلى طفل يحاول أن يركب „نصف دراجة” مرمية على جانب الطريق، يريدها رغم الطبيعة دراجة كاملة.

السير التصاعدي متواصل على الأدراج، إلى حين الوصول إلى وسط الحيّ. هذا „الوسط” لا يختلف كثيراً عن أطرافه السفلى إلا في الارتفاع، فالحي كله طرف واحد ومشهد معزول عن الحياة الطبيعية. شارع „وسط الحي” ضيّق، بالكاد يتسع لسيارة واحدة، ليترك هامشاً لشخص أو اثنين من حوله.

في قلبه وقفت طفلتان بين الحطام، الذي خلّفته مواجهات بين أهالي البلدة والمستوطنين، حين أقدموا على الاستيلاء على بيت أبو ناب، مدّعين أنّه „كان كنيساً قبل عام 1948”. حين تسأل إحدى الطفلتين عمَّا حدث، لا تتردد في الإجابة، وتبدأ بوصف ما رأت عيناها. كانت الطفلة تكثّف اللحظة وتحكي دقائق عن ثانية واحدة. الرواية التي حكتها لم تكن هي الأساس بمقدار ما كانت العبارات التي استعملتها: „غاز مسيّل للدموع، رصاص مطاطي، رصاص حيّ”.

يلتفت المرء إلى عبارات „عسكرية” تطوّرها الطفولة هناك. فليس مفترضاً أن تعرف هذه الطفلة مثل هذه العبارات. تحدّق إلى تعابير وجهها لتكتشف أنَّ القصة لا تدور فقط عن بلدة مهمّشة تقاوم التهويد، بل أيضاً عن أطفالٍ يعيشون واقعاً لا يشبه الواقع.

حين تسأل الطفلتين ما إذا كانتا تخافان الجيش الإسرائيلي، تقول واحدة „لا أخاف من الجيش، لكنّ الصغار يخافون”، والأخرى تقول إنها قطعاً لا تخاف، في خضم الحديث مع الطفلتين، حالة من الجمود تسود المشهد بينما يقترب جندي إسرائيلي من المكان. لم يكن وحده، بل جاء ثانٍ وثالث ورابع. تَوزّع العناصر الأربعة، على المساحة الضيقة، أحدهم يوجّه جيباً عسكرياً ليدخل المنطقة.

يرجع الجيب إلى الوراء ويتمترس بمحاذاة مدخل أحد البيوت هناك. من لا يعرف المكان يعتقد أنَّهم جاؤوا لمهمة اعتقال أو ما شابه، لكنَّ سكان سلوان يعرفون هذا السيناريو، فالمشهد اعتيادي للغاية. ليتبين أنَّ كل هذا „الرعب” لمرافقة عائلة من المستوطنين تسكن الحي بعدما استولت على أحد بيوته سابقاً. اسمه بيت العسلي.

يعيش المستوطنون هناك تحت حراسة مشدّدة من الدولة على مدار الساعة، وتشتد أكثر عند الأزمات: من المدرسة وإليها، من الدكان وإليه. هذه الحراسة، التي تنفق السلطات الإسرائيلية الملايين عليها، لصيقة لأكثر من ألفي مستوطن في الأحياء العربية المقدسية، ومنها البلدة القديمة.

سنوات من سياسات التهويد جعلت المشهد الفظيع „مألوفاً”، لكن ليس إلى حد السكوت. عند التوتر، تصبح حياة المستوطنين في الحي وصفةً أكيدة للصراع. المستوطنون يعتلون الجيب، فيمضي بسرعة لا يحتملها الزقاق، ليترك وراءه غباراً كثيفاً، وأطفالاً يحاولون إعادة ترتيب الصورة التي بعثرتها القوة الخاصة. إنه عالم لا يعرف حدوداً للمفارقات، فالوحدة العسكرية، التي هي مصدر أمن للمستوطنين، هي ذاتها الكابوس لـ „جيرانهم” الفلسطينيين.

الناس العاديون يتحدثون بمصطلحات عن „الحياة الكريمة” المفقودة في سلوان: بيوت مهدّدة بالهدم، وأخرى مهدّدة بالإخلاء، البطالة بين الرجال تفوق الـ 60 في المئة، وبين النساء تصل إلى أكثر من 90 في المئة، هي نسبة بطالة النساء الأعلى في العالم. كل شيء يبدو متعباً، حتى الجيب العسكري الذي يُقلّ المستوطنين.

ينتهي المشهد، تعود من على الأدراج ثانيةً. وتلقي السلام ثانية على الشباب. ساعات وهم إلى جانب الطريق يجلسون على الكنبة ويحرقون السجائر والحديث. تودّعهم وتمضي من هناك، إنَّها المسافة الشاقّة، رغم قصرها، إلى الأسوار الواقعة على الجانب الآخر. فالطريق ليست ضيقة فحسب، إنها ليست طريقاً أصلاً. في أعلاها حاجز شرطة يضفي على التوتر توتراً. هذا الحاجز، يفصل المشهد الحقيقي إلى اثنين، فترى إلى جانبك سيّاحاً أتوا من كل أنحاء العالم، يحلمون بالقدس، ويلتقطون صوراً لمشاهد الحجارة الرائعة، ويصوّرون كل شيء مقدّس من دون الاكتراث لوجه الحقيقة الثاني، وقدسيّة أخرى، اسمها „العيش بكرامة”، تُنتهك على بعد أمتار منهم.