المفكر نصير عاروري لـ عــ48ـرب: حل الدولتين هو اللاحل.. ليس من حق أحد تغيير جوهر حق العودة..

المفكر نصير عاروري لـ عــ48ـرب: حل الدولتين هو اللاحل.. ليس من حق أحد تغيير جوهر حق العودة..

قبل 56 عاما تقريبا، وتحديداً في 13 كانون الأول/ ديسمبر من العام 1954 وصل الشاب العربي نصير عاروري إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وَُمذاك، يعيش البروفيسور عاروري في "بلاد العم سام"، يُدرّسُ في جامعاتها ويتنقل بين مراكز الأبحاث والدراسات، يتابع الحركة الفكرية والسياسية ويناضل، من موقعه، بهدف التعريف والتثقيف بالقضية الفلسطينية وهموم وأحلام الفلسطينيين.

عاروري يلقي محاضراته وندواته ويكتب دراساته في الفكر السياسي والاجتماعي. و"على يديه" تخرج آلاف الطلبة، وساهم هذا المفكر الفلسطيني في تأسيس العديد من الحركات والمؤسسات والمراكز الأهلية الفلسطينية. وهو يترجم العلاقة الوطيدة بين دور المثقف وبين دور الناشط السياسي، فهو لا يترفع عن هموم شعبه بل يرصد الحراك السياسي والاجتماعي في المجتمع الأمريكي عموما والجالية العربية في أمريكا الشمالية خصوصا، وهو يدفع الناس نحو الفكر النقدي والتغيير وأخذ زمام المبادرة والاحتفاء بالإبداع.

وبرغم الشعر الأبيض الذي غزا رأسه مبكرا، إلا أن أسئلة الهوية/ القضية لا تزال طازجة وطرية في عقل العالم المجرب، تقلقه وتحيره وتدفعه نحو المزيد من البحث في أسئلة صعبة ومركبة، كأن يكون مثلا "عربيا وفلسطينيا وأمريكيا في أمريكا ". يقوم نصير ببحث محموم ليس عن وجود حل شخصي أو لازمة شخصية، بل لأنه ينتمي لجماعة إنسانية معذبة ومقهورة، والى رفضه الانشطار إلى نصفين، شرق وغرب، ربما لأنه يرى علاقاته بشعبه وبالمجتمع الأمريكي كانت ولا تزال خارج حدود التقليد أو البحث عن "جواز سفر" و "وظيفة" و "تعليم " و"مركز"!

بالقدر نفسه يرى عاروري الفرق بين "أمريكا المؤسسة" وبين أمريكا أخرى مختلفة. ويرى الناس العاديين وثقافتهم وأحلامهم. وربما يكون لهذا التعدد الساحر في الألوان والشعوب واللغات، وهذا التنوع بين طلابه وأصدقائه، ما يثير في نفسه تأملات وأفكارا متجددة ومستمرة..

يطرح نصير أسئلته الكثيرة ثم يركض خلفها ويطاردها واحدة واحدة. بين الحين والآخر، يطل ومعه كتاب جديد، أو دراسة جديدة، أو منبر جديد لا يخنق فيه صوت الفلسطينيين، وكلها تضاف إلى حيز المعرفة الإنسانية وحركة الإنسان وسعيه للتغيير..

سألته عن تلك الفترة الأولى من حياته في الولايات المتحدة، هو القادم من الشرق العربي البعيد، يحث خطاه في رحلة المعرفة والنضال، فقال لي "كنا نحمل اللهجة معنا، أنت تحمل لهجتك معك أينما حللت، كهوية تدل علينا تقريبا، حتى العَلَمْ كان يرفرف فوق ألسنتنا، ولم نعرف كيف نخاطب المجتمع الأمريكي، إلا بصيغة "نحن" و "هم"، لكن اليوم، الأمر مختلف مع صعود الجيل الجديد. وهذا برأيي يدفع للتفاؤل والأمل".
فلسطين تكون قريبة، أو تكون بعيدة، بقدر ما نريدها أن تكون. لست من المتشائمين، خاصة بعد زياراتي الأخيرة والمتكررة للبلد (فلسطين) أرى أن هناك جيلا مختلفا عن الأجيال السابقة، مختلفا عن جيلي. وهذا الأمر يشيع أجواء التفاؤل. نحن كان همنا الرئيسي نقل قضيتنا إلى الخارج والى الرأي العام. كنا مأخوذين بهذا الأمر، دون أن نجيب على السؤال التالي: ترى، ماذا لو فهموا قضيتنا، فماذا سيحدث؟ هل تتغير السياسة الخارجية الأمريكية مثلا؟ أم تبقى كما هي؟ في الحقيقة نحن لم نختبر هذا السؤال في الواقع، ولم ندقق فيه بالقدر الكافي، وبقينا مستمرين في إيصال ما اعتبرناه رسالة نبيلة أو مهمة وضعناها لأنفسنا، وهي تثقيف الشعب الأمريكي والرأي العام العالمي حول القضية الفلسطينية وتاريخ الصراع ودور الولايات المتحدة في هذا الصراع..

يصح القول بأن هذا جزء من المأساة، ربما لأننا لم نعتبر أنفسنا جزء من المجتمع الأمريكي، نقول "إنهم فعلوا بنا كذا" نشير إلى "سياستهم الخاطئة" ولا نقول "سياستنا"، لأننا لم نر أنفسنا جزءا من هذا البلد! كنا عربا في أمريكا أكثر مما كنا عربا أمريكيين، وقد كتبت دراسة اسمها "هايفنييتد أميركا" ( تزاوج أمريكا ) فنحن لم نقل ولا مرة "رئيسنا" في إشارة للرئيس الأمريكي، ولا "سياستنا الخارجية"، لذلك، حين وجهنا النقد للسياسة الأمريكية إزاء فلسطين والقضايا العربية الأخرى، افتقدنا للشرعية اللازمة، وبدونا كأننا نتحدث من خارج المشهد، ومن بعيد.
أنا لست متشائما كما أسلفت، لأنني أرى هذا الجيل الجديد وقد بدأ يشق طريقه فعلا.
نعم، كنا عربا في أمريكا، والآن انظر إلى أولادي، والى الجيل الجديد، إنهم يتكلموا اللغة كمواطنين، ويفكرون كمواطنين، ولا يعرفون أي بلد آخر غير بلدهم هذا، يقولون "سياستنا الخارجية سيئة" و"نحن" و "حكومتنا" والخ الخ من كلمات تدل على طبيعية وسهولة الانتماء، لا يوجد لديهم تلك العقدة التي تملكتنا نحن في الماضي
في الماضي فعلنا العكس، حاولنا أن نبتعد عن أمريكا، ونضع مسافات ونحن فيها! هل هذا ممكن؟ لهجتنا تعبر عن وجودنا كعرب في أمريكا، والآن حين انظر إلى سلوكنا اعتبره خطأ، ليس من منظور الضعف أو الاعتذار، أو لأنه كان يتعين علينا تبني ثقافة ولغة "العم سام"، لا، على الإطلاق، تلك الأشياء والقيم نسبية في نهاية الأمر. ما أريد قوله، هو، يمكنك أن تكون نقديا دون أن تغترب عن الواقع الذي تعيشه، أو أن تشعر بالعداء "للكل"، وهناك الكثير من الايجابيات والمزايا في مجتمعات أمريكا الشمالية ولكن لا أريد الخوض في هذا الأمر الآن. هذه ظاهرة جديدة، وهذا الجيل الشاب يتحرك، أنظر إلى حركة بي. دي. اس ( يقصد حركة المقاطعة والعقوبات وسحب الاستثمارات من إسرائيل ) فأرى حركة تتشكل ويقودها فلسطينيون، هم من يصنعون هذه الحركة، ويتحلق حولها الكثيرون وتصل نشاطاتها إلى مختلف أنحاء العالم، يشارك فيها أناس من مختلف شعوب وثقافات الأرض، فهذه حركة منظمة ولها أهداف محددة ودقيقة وتسير على الطريق الذي شاركنا نحن في رسم بعض معالمه، لكن التعويل على هذه الحركة، وحدها، لن يكفي، المسالة أصعب في ظل غياب جبهة وطنيه فلسطينية موحدة، وكما تعرف، حقيقتنا الفلسطينية المؤسفة : ابتلونا بأسخف قيادة وأشرس عدو.!

انظر إلى المواجهات في بلعين ونعلين وغيرها من القرى الفلسطينية، ترى الشباب والصبايا في مواجهة مع من يسرق الأرض يوميا. ونعلين هي نموذج للمقاومة الشعبية. هؤلاء يوقفون البلدوزر الإسرائيلي بأجسادهم، تماما كما فعلت ريتشل كوري، ينظموا المظاهرة والمسيرة والندوة، فهذا هو الجيل الذي اقصده. هذه هي الحركة المدنية الفلسطينية الواعدة في تقديري.
نعم، لكل جيل أدواته وطريقته، الانتفاضة الأولى مثلا، كانت مزيجا من مرحلة كاملة طغى عليها الكفاح المسلح والنضال السياسي الشعبي والسلمي، كانت "الجبهة الوطنية الموحدة" في بداية ومنتصف السبعينيات من القرن الماضي في فلسطين، حتى ما قبل "مؤتمر مدريد للسلام" عام 1990، كانت هذه " الجبهة " تقود حركة النضال الفلسطيني، وتقوم بتوجيهات للناس حول مواجهة الاحتلال بالطرق السلمية والدعوة لرفض دفع الضرائب وغيرها، وقامت بتنظيم حركة سلمية ومقاومة للاحتلال، أو ما يعرف بالمقاومة الشعبية.

الانتفاضة الأولى كانت منظمة، ولها هدف محدد، هو الخلاص من الاحتلال، وليس تثقيف الناس حول طبيعة الاحتلال والدولة الإسرائيلية، لقد قالت الانتفاضة، بمعنى ما، "لدي أسلوب عملي للتخلص من هذا الاحتلال".
وإذا عدت معك إلى الستينات، ففي تلك الفترة بدأ النضال المسلح في الخارج، هذا كان الشكل الأساسي للعمل، وولد هذا النموذج بسبب عملية التهجير وبعد ما جرى في العام 1967. لكن النواقص وعلامات الضعف في المشروع الوطني بدأت تظهر مبكرا وتحديدا في النصف الأول من عقد السبعينيات.

لا باس أن نعود للوراء، لقد تحقق ما يشبه الاتفاق الضمني بين منظمة التحرير الفلسطينية وبين الدول العربية، لاحظ مثلا، نحن كنا نقول "ثورة.. ثورة.. حتى النصر" لكن قيادتنا لم تكن لتتخلى عن عقد الصفقات مع الآخرين على حساب القضية، وأولى تلك الصفقات كانت في الرباط عام 1974، بل وقبل الرباط، في مؤتمر الجزائر الذي عقد في العام 1973، والذي مهد بدوره لمؤتمر الرباط لاحقا.
كانت "الطبخة" بين المنظمة والنظام العربي الرسمي قد أنجزت، هي صفقة تقول ما يلي: نعترف بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، مقابل أن تتخلى م. ت. ف عن سقف مطالبها. المعادلة واضحة: قلّلوا من الحديث عن السلاح وأكثروا من الحديث عن التسوية، هكذا ببساطة، سنعطيكم المال ونقدم لكم الغطاء الدبلوماسي والشرعية المطلوبة. وقالوا للمنظمة أيضا: نحن اعترفنا بكم، لكن نريد اليوم منكم تحجيم النضال العسكري وتضخيم النضال الدبلوماسي، وان تكون الأهداف الفلسطينية "معقولة أكثر". هكذا كرّت مسبحة التنازلات الفلسطينية. وبدل الدولة الديمقراطية العلمانية، صار الحديث عن دويلة فلسطينية في الضفة الغربية. هذا ما جرى، وتضررنا كثيرا بسبب هذه السياسة الرسمية الفلسطينية، إن المسألة تجاوزت كل الخطوط، والحقيقة هي أننا قبلنا بالتسوية وتخلينا عن أشياء وأهداف كثيرة. بالطبع، انتقلنا من شعار دولة علمانية ديمقراطية تقوم على أساس المساواة والديمقراطية وعدم التفرقة بين البشر، إلى هذه اللحظة الراهنة، الآن نفاوض على أشياء تافهة وسخيفة، خاصة إذا رأينا ما يجري في المفاوضات، وهذه العملية الجارية ليست مفاوضات. أنها عملية تسويق للصهيونية عن طريق الدبلوماسية الأمريكية. نعم، الدبلوماسية الأمريكية هي العربة التي تتحول الأهداف الصهيونية بسببها إلى واقع. كان هذا رأيي في الماضي ولا يزال. نعم، كنت واحدا بين مجموعة من الأشخاص، مجموعة شعرت بضرورة إطلاق وتنظيم مبادرة جديدة هي الدعوة لعقد مؤتمر حق العودة وتقرير المصير، في الحقيقة بدأت المبادرة في مؤسسة "صندوق القدس" و"المركز الفلسطيني الذي ترأسه المرحوم هشام شرابي. ناقشت الفكرة مع هشام ُمطولا، ولكن يجب أن اذكر أن ادوارد سعيد كان قد كتب مقالا في جريدة " الحياة " اللندنية حول الأمر ذاته تقريبا. واقترح هشام عليّ أن نتواصل مع آخرين وأن يترأس ادوارد سعيد هذه الهيئة.

وافقت بالطبع، وقلت له سأتحدث مع ادوارد ( سعيد)، وكنا في اجتماع لهيئة صندوق فلسطين بواشنطن العاصمة. وفعلا اتصلت بادوارد سعيد وأخبرته أنه من الضروري أن نستمر في طرح هذه المبادرة حتى تتحول إلى واقع، فقال ادوارد : ولماذا لا تترأس أنت الهيئة ؟ قال أيضا : أنا مستعد للمشاركة كعضو مؤسس فيها، فقلت له : أنا لا ابحث عن دكانة يا ادوارد. في الحقيقة، أردت أن يأخذ سعيد دورا قياديا اكبر لكنه اعتذر..
لأسباب كثيرة، لا مجال لذكرها الآن.معهد تاري كان الجهة المنظمة للمؤتمر، وعقد المؤتمر بعد غياب لأي حراك سياسي حقيقي وجاد في أوساط الجالية، عاد بعض الأكاديميين وقدامى الناشطين للقيام بدور ونشاط اكبر. المؤتمر عقد تحت شعار الدفاع عن حق العودة وتميز باحتضانه جيلا جديدا. كان "مؤتمر بوسطن" مجرد الوعاء المناسب لولادة تحالف حق العودة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعده، انطلق تحالف العودة في مسيرة أظن أنها واعدة. كما يجب القول، هذه الحركة لم تنشأ من قبل معهد تاري، كنا فقط العربة. المبادرة كانت تهتم بالشق الأول، حق تقرير المصير، وان يكون للاجئين الفلسطينيين دورهم وقرارهم، أن يقولوا: هذه القيادة إذا فرطت بحقوقنا، وهي فعلا تفرط بحقوقنا، ونحن أصحاب الحق، كان مطلوبا أن يقال بوضوح إن حق العودة هو حق فردي وجماعي وليس من حق أحد، كائنا من كان، تغيير جوهره، نعم، كنا نريد أن يعقد مؤتمر شعبي فلسطيني وطني في العالم من أجل الدفاع عن حق العودة وتقرير المصير. ومن ذلك المنبر نبدأ، هذا كان ظني، ولكن للأسف هذا لم يتحقق، حتى الآن..

في تلك الفترة أيضا سافرت إلى بيروت بصحبة " سميح " (يقصد المفكر والأكاديمي الفلسطيني المرحوم سميح فرسون)، وذهبنا لنلتقي مع أكبر عدد ممكن، وأن نتحاور، وفعلا قمنا بعقد سلسلة لقاءات ومقابلات مع "السفير"، ولاحقا في "الحياة" وغيرها من الصحف. لقد بدا لنا الأمر مشجعا وأن حوارا ما قد بدأ، وبدا عدد من المثقفين والكتاب والنشطاء يعبرون عن مواقفهم حيال هذه الأسئلة والتحديات التي كنا نطرحها. تلك كانت تجربة مهمة في مواجهة مرحلة " أوسلو" وكان لا بد من قول شيء ما.

أكبر مشكلة تواجهنا حتى الآن هي "اتفاق أوسلو" وتوابعه، نحن لم ننته من تلك المرحلة، لأن هذا الاتفاق وفر الشرعية للاستعمار، وللمستعمرات في الضفة، وأنا أصر على تعبير (المستعمرات) وهذه التجربة كانت نتائجها كارثية وسيئة، لأن أوسلو في الواقع جعل إسرائيل تأخذ الأرض بدون معركة، وتحت رعاية وشروط ما يسمى "عملية السلام". المصيبة الأكبر أن ظاهر الأمر يبدو "تفاوضا بين طرفين" ومع الانتفاضة الثانية ( انتفاضة القدس والأقصى ) انسحبت هذه الكذبة على كل شيء، وكأن ما يجري هو صراع بين دولتين وجيشين، هكذا رأى العالم الصورة، هذا الأمر عرض قضيتنا وحقوق الشعب الفلسطيني إلى خطر حقيقي.
قيادة منظمة التحرير الفلسطينية هي التي دخلت في المفاوضات مع إسرائيل، وعقدت معها اتفاق أوسلو، وهذه هي "الخطيئة الأصلية" أو الجريمة التي تتحمل مسؤوليتها، وعليه، فإن هذا الجرم يجب أن يمحى وأن يتم تجاوزه. هذا لا مفر منه، ولكن، إذا فكر أحد "بالتخلص" من منظمة التحرير، فهذا قد يدفعنا نحو حرب أهلية فلسطينية، وستجد البعض الآخر يقول يجب أن ندافع عن المنظمة ونحميها، لذلك، عنوان المنظمة هو خلافي، وهذه مسألة تفريقية في الساحة الفلسطينية. نحن نعرف أن م. ت. ف يجب أن يتم استعادتها وتغييرها في آن واحد. وهذه مسألة ومهمة صعبة. أكثر من ذلك هناك من يريد للأمور أن تبقى على هذا الحال. القوى الإسلامية نجحت في الانتخابات ليس لأن الشعب الفلسطيني أصبح متدينا، بل بسبب الضعف الذي اعترى م. ت. ف والعطب الذي أصاب مؤسساتها. حركة حماس قدمت بديلا عن الفساد الموجود في السلطة والمنظمة، وهي حركة لها مؤسسات اجتماعية وخيرية وتقوم بخدمة قطاعات واسعة من الفقراء، وهي على علاقة مع الشعب. وفي الحقيقة أنت لا تستطيع تغييب أو إقصاء حماس، ولا تستطيع كذلك إقصاء "السلطة الفلسطينية"، إذ لا بد من وجود الاثنين معا، السلطة وحماس، وضرورة أن يلتقيا ويتجاوزا القيود المفروض عليهما في أوسلو. أو التعامل معها بما يخدم القضية.أعود وأقول لك، أوسلو هو حبل المشنقة، في الوقت ذاته مطلوب الفكاك منه، وحين ترى كيف تسير الأمور في الضفة وغزة، تكتشف عمق التغيرات والتطورات التي لا بد من التعامل معها ومواجهتها، وكلها نشأت تحت سقف وقوانين مرحلة أوسلو. باختصار، حلّ السلطة الفلسطينية صعب، والفكاك من أوسلو مطلوب ولازم، وهنا تكمن الأزمة الفلسطينية. وما خسرناه في الحقيقة هو تماسك الجبهة الداخلية، كان هناك جبهة وطنية لها مكونات وهيئات سياسية وتعمل بديناميكية عملية رغم كل المساوئ والنواقص، لكن الآن إذا نظرنا حولنا فلن نجد "الوحدة الوطنية" أو ما اسميه "بالجبهة الوطنية الموحدة" التي تقود حركة النضال الفلسطيني.معظم القيادات التي ناضلت ضد النظام العنصري في جنوب إفريقيا وزارت فلسطين، أكدت بما لا يدع مجالا للشك، أن ما يوجد في فلسطين هو أفظع وأسوأ من نظام الابارتهاييد – الفصل العنصري الذي كان في جنوب إفريقيا. نعم، هو أسوأ من الذي جرى في جنوب أفريقيا. وهذا الكلام مهم. إذا رأينا أنه يصدر عن شخصيات ورموز كبيرة، مثل ديزموند تيتو، والبروفيسور جون ديوغارت وتقريره المهم، وقد شغل هذا الرجل في الماضي نفس الموقع الذي يشغله القاضي ريتشارد فولك، وهناك آخرون كثر. أنا أعتقد أن استخدام "الشعار" صحيح، ويجب أن لا نشعر أننا نبالغ، كما اعتقد أنه شعار مُساعد، لأنه موجود في الواقع وحقيقي ويمكنك أن تراه بوضوح.

أقول هذا الكلام، لأنك وأنت تناضل ضد نظام الابارتهاييد، وتواجه الجيش الإسرائيلي، هنا فقط، يظهر عنصر القمع والاضطهاد، كأمر ملازم دائما للاحتلال، ومن هنا تأتي ضرورة استخدام شعار "الابارتهاييد الإسرائيلي"، وهذا كله يخدم حركة المقاطعة لإسرائيل، وهنا أهميته وفعاليته.

لكل الناس، لأن حركة "بي. دي. اس " واضحة الأهداف، تدعو للمقاطعة وفرض العقوبات وسحب الاستثمارات، هي حركة ذات أفق استراتيجي هام. فلسطينيو الداخل مهددون بالطرد، ولا ينفك الاسرائيليون من إطلاق تهديداتهم على لسان شخصيات إسرائيلية تحتل مراكز حكومية حساسة في الوزارات والجيش وغيرها.

ولا أبالغ حين أقول لك، إنه منذ العام 1948، وحتى 1967، لم يكن هناك اتصال حقيقي أو علاقة مع عرب الداخل، لم نعرف عنهم الكثير، والعكس صحيح، لكن حرب 67 قربتنا أكثر. لا أريد القول إن للحرب مزايا، لكن أحد "مزايا " تلك الحرب أنها قرّبت فعلا بين فلسطيني 48، وفلسطيني الضفة.. وقد تستغرب لو قلت لك إننا تعرفنا عليهم من خلال شعر توفيق زياد ومحمود درويش وراشد حسين، معرفتنا بهم جاءت عن طريق الأدب والشعر تحديدا.

قرأت قصائد هؤلاء الشعراء وكنت أقول لنفسي، هذا الكلام يعبر عنا جميعا، يعبر عن قضيتنا، وبدأت أترجم الشعر، لم أكن شاعرا، ولم اهتم بالشعر سابقا، لكن 67، شدتنا لبعضنا البعض، ولم يكن هناك حواجز عسكرية ونقاط تفتيش كما هو جار اليوم، كنا نذهب لحيفا دون عوائق، نذهب ليافا ونتناول السمك ونكتشف في الوقت ذاته عالما آخر وجزءا أساسيا وطبيعيا من الشعب الفلسطيني.

بين العام 67، حتى اللحظة الراهنة، جرت تغيرات كثيرة بطبيعة الحال على واقع الشعب الفلسطيني هناك، نحن تأثرنا بهم، وتأثروا بنا.

بالمناسبة الأمريكيون والإسرائيليون يميلون إلى نظرية تقول "دع الفلسطينيين يقيمون مع بعضهم البعض"، اللاجئون يذهبون إلى الدولة الفلسطينية وهناك تسوية، يجري فيها تقايض، خاصة فيما يمس مستقبل عرب 48. إن ما نلاحظه هو التمسك الجذري بحقوقهم، كأقلية في الوطن ولها حقوق سياسية وقانونية ودستورية، وباعتبارهم السكان الأصليين للبلاد، وهذا ما يجب أن نتمسك به.

ثانيا، عندما أقدم ياسر عرفات على أوسلو، بدت عملية التخلي واضحة، ولكن الأسوأ من ذلك هي اتفاقية عرفت باسم " اتفاق أبو مازن – بيلين " وهي اتفاقية سيئة وخطيرة، وفي مواجهة ذلك رأينا نشاطا جماهيريا من قوى وطنية ونشطاء وشخصيات في 48، هؤلاء قالوا بوضوح إذا تخلى عرفات عنا، نحن لن نتخلى عن أنفسنا وحقوقنا. الواضح أن فلسطينيي 48 تأثروا بالانتفاضة الأولى أيضا كما اثروا بدورهم في حركة النضال الفلسطيني عموما، والآن هم في صلب حركة المقاطعة وكشف ما يحاك للشعب الفلسطيني على يد الحكومة الإسرائيلية.
حل الدولتين هو اللاحل، هناك إجماع تقريبا على أن هذا المقترح لم يعد واقعيا، ولا فرصة له للحياة، كانت الفكرة واقعية في زمن مضى وبالنسبة للكثيرين، لكن الآن العكس هو الصحيح، يوجد شريحة ضيقة وشبه معزولة تدعو لحل الدولتين، وهي ليست ذي تأثير، لأنها ببساطة خارج الواقع، وقد كتبت مقالا في موقع "كاونتر بنش"، حاولت أن أقول فيه إن هذا "الحل" لا يمكن تحقيقه على الأرض.

الدولة الواحدة ليست فكرة جديدة، ففي أواخر الستينيات طرحنا الدولة الديمقراطية العلمانية، كان ذلك في العام 1968 وكان خطابا نظريا أكثر منه تصديقا للعلمانية والخيار الديمقراطي، ولم نفكر في تنفيذها، وكيف نتحدث عن هذا الحل أو هذا الهدف، وكيف نخاطب العالم، وندقق في الشعار ومتطلباته العملية، بمعنى كيف يتحول الشعار إلى برنامج فلسطيني للوصول إلى الدولة الواحدة. للأسف، كان شعارا أكثر منه تحليلا واقعيا وعمليا.