د. أنيس صايغ: الخطر يبرز من داخل الصف الفلسطيني

د. أنيس صايغ: الخطر يبرز من داخل الصف الفلسطيني

كان الدكتور أنيس صايغ شديد الغضب عندما علم بتوقيع «اتفاق أوسلو» في 13 أيلول 1993. فنظر إلى هذا الحدث كنذير شؤم على النضال الوطني الفلسطيني، ليس لأن التاريخ يتضمن الرقم (13)، بل لأن الاتفاق، في حد ذاته، كان يدق، من وجهة نظره، مسماراً إضافياً في الصندوق الذي تهيئه إسرائيل لدفن قضية فلسطين.

واليوم، بعد سبعة عشر عاماً على أيلول 1993، هل صحت توقعات أنيس صايغ أم خابت؟ هل كان اتفاق أوسلو مقدمة لانتزاع ولو بعض حقوق الفلسطينيين، أم طريقة للانزلاق نحو حصار قضية فلسطين ومحاصرة شعبها؟

في المقابلة التي أجرتها «السفير» مع أنيس الصايغ غداة اتفاق أوسلو بعض الأجوبة:
** نعم. منذ أكثر من عشر سنوات وأنا أرفض المقابلات الصحافية. لم يكن ذلك الموقف السلبي نتيجة عدم ثقة بالصحافة ورسالتها (وأنا، بمعنى من المعاني، صحافي، مارست الصحافة منذ الخمسينيات)، لكن ظروفاً كانت تفرض عليّ ذلك الانزواء، إذا جاز التعبير.

كان الحرص على استمرار مشروع «الموسوعة الفلسطينية» ومحاولة حمايته يحملانني على الابتعاد عن النشاط السياسي العابر الذي قد يستغله أخصام الموسوعة والطامعون بها فيستولون عليها أو يطعنون استقلالها وموضوعيتها وعلميتها بحجة أو بأخرى.

آثرت أن أصمت وتستمر الموسوعة على أن أتكلم وتتوقف الموسوعة. فقد كنت أؤمن بقيمة هذا المشروع وبأهميته لا في خدمة القضية الفلسطينية فقط، بل في خدمة الثقافة العربية وأدبياتها الملتزمة الخط الوطني والقومي السليم أيضاً.

لكننا اليوم أمام وضع مختلف وخطير. إننا نمر بواحدة من أخطر مراحل القضية الفلسطينية في الأعوام المئة الأخيرة. فلأول مرة، منذ تنبه الشعب الفلسطيني إلى المؤامرة الصهيونية (المدعومة دوماً بالبركة الاستعمارية)، يبرز الخطر الرئيسي من داخل الصف الفلسطيني، الأمر الذي يجعل الصمت تهرباً، والهرب من المعركة عند احتدامها جبن وتواطؤ.




** إنه التاريخ الأنسب لاتفاق مثل هذا. لا أعتقد أن هناك تاريخاً (رقماً) أصحّ وأدق من هذا التاريخ (الرقم). اتفاق الشؤم يوقع في تاريخ الشؤم.

إنك لا تجد في الفندق طبقة بالرقم 13، ولا تجد في الطائرة كرسياً بالرقم 13، ولعلنا ننزع من روزنامة تاريخ النضال الفلسطيني ـ العربي، يوماً ما، هذه الورقة، ولا يبقى في الذاكرة الوطنية إلا نقطة سوداء صغيرة توحي بالعبر الكبيرة.


** المأخذ الأول والأكبر على الاتفاقية هو الاتفاقية نفسها. إن مجرد الاجتماع مع العدو، في هذا الظرف غير المؤاتي لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا نفسياً ولا فلسطينياً ولا عربياً ولا دولياً، والتفاوض، وتبادل الأوراق بيننا وبين العدو وبين أميركا، ووصولنا في نهاية الأمر إلى هذه الصيغة، هو بحد ذاته خطيئة كبيرة لا تغتفر.

إن أثرها السيئ يفوق كثيراً أثرها الإيجابي. إن وضعاً مثل هذا لا ينتج عنه إلا وثيقة مثل هذه.

ولنعد إلى المفاوضات، منذ مدريد أو ما قبل مدريد.
الخطأ الأول أن العرب، كلهم وافقوا على التفاوض مع إسرائيل وهم في أسوأ الحالات من الضعف والتفكك والانهيار.

ولكن حتى لو اقتضت ظروف الدول التي دخلت المفاوضات أن توافق على مبدأ التفاوض لأسباب وضغوط دولية، فقد ارتكب الفلسطينيون الخطأ الثاني، حين حشروا أنفسهم في عداد الدول التي تتفاوض، مع أنهم ثورة وليسوا دولة. وكثورة، لا يخضع الفلسطينيون لما تخضع له الدول العربية، لأن منطق الثورة وواجباتها يختلفان عن منطق الدول وواجباتها.

والخطأ الثالث أنه حتى لو سلّمنا جدلاً بضرورة حشر الفلسطينيين أنفسهم في المفاوضات مع إخوانهم العرب، كان يجب عليهم أن يصرّوا على أن يكونوا ضمن وفد عربي موحّد. فقضيتهم ليست إقليمية، بل هي جزء من قضية عربية واحدة تتعلق بمصير وطن عربي واحد.

أما الخضوع لسياسة التفرقة التقليدية المعروفة التي مارسها الاستعمار ويمارسها دائماً، وهو الذي أصرّ على أن يتفاوض العرب مع عدوهم في وفود منفصلة، فقد كان خطأ رأينا نتائجه الآن في إبرام هذا الاتفاق وراء ظهر الوفود العربية وبالسر عنها وعلى حساب مصالحها.



** هناك عنوانان رئيسيان لسلبيات الاتفاقية:
العنوان الأول عام وشامل. إنها اتفاقية مبهمة وتتعمد عدم الوضوح في نقاط حساسة كثيرة وخطيرة، تعمداً يذكرك بالأسلوب الصهيوني والاستعماري في صوغ القرارات والمعاهدات. وقد عانت فلسطين، منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن، هذه الإبهامات وعدم توضيح وتحديد المصطلحات.

ولنعد قليلاً إلى الوراء. صدر وعد بلفور سنة 1917 من دون أن يحدد بوضوح ما هي صيغة «الكيان» الصهيوني الذي تتعهد بريطانيا بإقامته في فلسطين، ولا ما هي حقوق عرب فلسطين (بل إن الوعد لم يستعمل كلمة عرب إطلاقاً بل سماهم سكان فلسطين المحليين).

تكرر الشيء نفسه مرات عدة في قرارات وتوصيات لجان التحقيق البريطانية أو الدولية ما بين 1929 و1948. ولم ننس بعد القرار 242 السيئ السمعة وما ورد فيه من تعبير «الأراضي المحتلة» و«أراضٍ محتلة».

تأتي وثيقتنا الجديدة لتمارس هذا التضليل في تحديد الأشياء والمفاهيم والمصطلحات والمواعيد والسلطات، تضليلاً يجعل مجال التفسير واسعاً إلى درجة تدخلنا في جدل قانوني ولغوي طويل سيمتد عشرات السنين ويفهمه كل إنسان بحسب ما يشاء. وبالطبع ستكون إسرائيل هي المستفيدة من هذا الإبهام وستكون تفسيراتها، بحسب أهوائها ومصالحها، هي المعمول بها. وسيختبئ الموقّع الفلسطيني وراء هذا الإبهام ليخدع الجماهير بوعود غير صحيحة.

لو عدتُ إلى نص الاتفاقية، وراجعت ما فيها من وقف الاستيطان، والأمن، وتوسيع رقعة الحكم المحلي، وإنشاء المجالس المحلية، وعودة النازحين، ومصير القدس، وغير ذلك من الأمور الخطيرة التي تقلق بال العرب، تجد أن هذا الإبهام والتدرج المرحلي موجودان في كل نقطة من هذه النقاط. حتى أنك تصل في النهاية إلى رأي موضوعي بأن هذا الاتفاق ليس خطوة أولى نحو حلّ أشمل بل هو نفق يقود إلى المزيد من التنازلات وتبدّد الوعود. فمرحلية الاتفاق تدرج من السيئ إلى الأسوأ، زماناً وموضوعاً وحجماً.

ذلك كان العنوان العام الأول لملاحظاتنا على الاتفاق، أما العنوان الثاني فتفصيلي:
ـ لا سيادة فلسطينية معترفاً بها على أرض فلسطين.
ـ عدم بحث موضوع القدس ومصيرها.
ـ لا عودة للمبعدين النازحين عن أراضيهم.
ـ لا إلغاء للمستوطنات ولا توقيف لحركة الاستيطان.
ـ بقاء الضفة الغربية تحت الاحتلال حتى إشعار آخر.
ـ إهمال حق عرب فلسطين تحت احتلال 1967 في تقرير مصيرهم والاحتفاظ بأرضهم (حسب اتفاقية جنيف الرابعة) وجعل تلك السيادة موضع بحث.

وهكذا، خسر الفلسطينيون حق تقرير المصير علماً أنه «حق غير قابل للتصرف» بحسب اتفاقية جنيف، وكذلك حق إقامة الدولة الفلسطينية، وحق العودة.


سأنظر إلى الموضوع من زوايا ثلاث: زاوية عمل سياسي، وزاوية عمل ثقافي، وزاوية عمل جماهيري، بشرط أن يشمل العمل الرقعة العربية كلها، وإن كان الصعيد الفلسطيني هو، في بعض الحالات، نقطة الانطلاق أو مركز التشديد.

لن يكون للعمل السياسي وزن إذا لم يقم على قاعدتين راسختين:
الأولى أن «إسرائيل» هي العدو، وكل خطر آخر على أمتنا إنما هو خطر أخفّ، وأن لا صديق لنا إذا كان صديقاً لإسرائيل، وأن إسرائيل عدو يهدّد أمن العرب، وطناً وأمة وحضارة وأماني ومثلاً وقيماً، تهديداً مباشراً على امتداد أرضهم من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق.

القاعدة الثانية أن معركة استرجاع فلسطين، وهي بالطبع معركة متدرجة ومرحلية وقد تستغرق السنين الطوال، وتستوجب منا، نحن الذين نؤمن بأن إسرائيل هي العدو، أن نتضامن معاً في مجابهة الاتفاق والصلح والتطبيع، وهذا أيضاً ليس خطاباً سياسياً تعبوياً عاطفياً. إنه يجب أن يترجم، فوراً، في قيام جبهة واحدة عريضة تشمل كل الأحزاب والفصائل والقوى والأفراد الذين يشتركون معاً في معاداة إسرائيل ورفض التسوية وإن اختلفوا في كل شيء آخر، في العقيدة السياسية وفي مفاهيم هوية الأمة وفي المفاهيم الاجتماعية وفي الانتماءات الحزبية والمؤسسية.

أمام «إسرائيل» وعملائها يصبح الأصولي المتشدد أقرب إليّ من أخي العلماني أو القومي أو الليبرالي، وينفتح الخندق الذي أتربص فيه بالعدو على سائر الخنادق التي تتربص بالعدو فيها كل الجماعات الأخرى التي تشاركني عقيدتي الأساسية: عداء إسرائيل.

الصعيد الثاني، المتمم لعمل الجبهة السياسي، هو صعيد ثقافي وفكري. وهنا أدعو الآن، وبكل حماسة وإصرار، إلى إنشاء مركز أبحاث (شاملاً، بالطبع، قسماً للتوثيق وآخر للتخطيط) يزود تلك الجبهة السياسية العريضة ما تحتاجه من معلومات ودراسات حول مختلف القضايا المتعلقة بالشأن الفلسطيني، عربية كانت أو إسلامية أو إسرائيلية ـ صهيونية أو دولية.

مركز حديث متحضر في وسائله وغني بعلمائه ومعلوماته متقدم في أدواته التقنية وموضوعي في دراساته، يتابع الرسالة التي حاول مركز الأبحاث أن يؤديها. بل أن المركز الجديد مدعو إلى أن يفعل، ويتفاعل مع القضايا الراهنة، بأقوى من السابق، وعليه أن يتعامل مع المثقفين الملتزمين الأوفياء للعهد، وأن يؤمن لهم جو الحرية الذي لا يستطيع مفكر خلاق أن يعمل من دونه.

أما الصعيد الثالث المتمم للمسعيين السياسي والفكري فهو صعيد العمل الجماهيري الواسع، بعد فترة طويلة من التقطع والفجوة والغربة بين الجماهير والقيادات (بدأت بعد رحيل جمال عبد الناصر)، فنحن نريد أن تعود قيادات العمل السياسي (المدعومة بالرأي من رجال الفكر) إلى الجماهير ليتفهم كل منهما الآخر ويستوعب كل منهما الآخر، ليلتحما في عمل واحد لغرض موحد كصفحتي ورقة واحدة لا تنفصل إحداها عن الأخرى.

الجماهير هي في نهاية الأمر ذراع جبهة المواجهة الواسعة ضد الاستسلام، وباطل يتفلسف المثقف ويخطب السياسي إذا لم يكونا ملتحمين بالجماهير وصادقين معها ويعيشان أحاسيسها ومآسيها وتطلعاتها.

إن المطلوب، إذن، لقاء عام للسياسيين وللمفكرين وللجماهيريين، لقاء عربي شامل، غير مرتبط بنظام حكم معين، وغير محصور في فكر عقائدي محدد، وغير مأسور بعقليات وتقاليد سابقة ولا متنكر للثوابت والمبادئ الأساسية، منفتح على العقل ومجار للتقدم الحضاري، يضمن الحرية في الفكر والقول والعمل لأفراده في اجتهاداتهم المختلفة ضمن خط تحرير فلسطين الكامل، ويمنع نفسه من الضياع في جدليات وصراعات داخلية هي دون الهدف العام وعقبة في طريق تحقيقه.