إسرائيل ما زالت تحتل قطاع غزة، عمليًا!

إسرائيل ما زالت تحتل قطاع غزة، عمليًا!

لم يُعانِ الفلسطينيون وضعًا اقتصاديًا واجتماعيًا متدنيًا خلال 38 سنة من الاحتلال، كالذي يعانونه اليوم. فالعمليات الإسرائيلية منذ أيلول 2005، بما فيها فرض قيود شديدة على تنقل السكان وعلى التجارة من وإلى القطاع ووقف تحويل الأموال إلى السلطة الفلسطينية، أدت إلى أزمة إنسانية لم يشهدها القطاع خلال 38 سنة من الاحتلال
***********
أصدرت جمعيّة «مسلك» (غيشاه) للدفاع عن حرية التنقل تقريرًا، أمس الأول الأربعاء، حول المكانة القانونية لقطاع غزة، بعد إتمام خطة فك الارتباط في العام الفائت (أيلول 2005).
وأهم ما جاء في التقرير، الذي كتبته المحامية ساري باشي وبروفيسور كنت مان، من جمعية «مسلك»، أنّ إسرائيل، وفقًا للقانون الدولي، ما زالت تحتل قطاع غزّة، رغم أنّ الجيش الإسرائيلي غير متواجد على أرض قطاع غزّة على أساس دائم، وذلك لأنّ إسرائيل لم تتنازل عن سيطرتها على نواح كثيرة من حياة سكان غزة.
وفيما يلي استعراض خاص بـ «فصل المقال»، لأهم ما جاء في التقرير:

********
رفع السيطرة عن بعض المجالات
في الثاني عشر من أيلول 2005 أنهت إسرائيل خطة فك الإرتباط، التي أخلت خلالها المستوطنات والقواعد العسكرية من قطاع غزة وأعلنت انتهاء الاحتلال العسكري للقطاع، الذي سرى هناك منذ سنة 1967. وألقى أريئيل شارون، بعد ثلاثة أيام من انتهاء فك الإرتباط، خطابًا أمام الأمم المتحدة أعلن فيه عن «انتهاء سيطرة إسرائيل على قطاع غزة ومسؤوليتها تجاه السكان في القطاع «.
ويمثل هذا الإعلان، كما تصريحات أخرى لإسرائيل، الموقف الإسرائيلي القائل بأن فك الإرتباط أنهى الواجبات الإسرائيلية القانونية في قطاع غزة وأن إدارة القطاع والحفاظ على سلامة سكانه أصبحا من مسؤولية السلطة الفلسطينية، فقط. ويعتمد موقف إسرائيل على تفسير المصطلح القانوني «سيطرة فعلية»، وهو الامتحان الذي وضعه القانون الدولي لوجود أو لعدم وجود احتلال، وهو يعني «تواجدًا عسكريًا على الأرض بشكل دائم».
ويدّعي هذا التقرير أنه وخلافًا لتصريحات إسرائيل، فإنها، أي إسرائيل، لم تتنازل عن السيطرة على قطاع غزة، وإنما تنازلت عن السيطرة على بعض المجالات وأحكمت سيطرتها على مجالات أخرى، حيث أنّ الفلسطينيين لم يعانوا وضعًا اقتصاديًا واجتماعيًا متدنيًا خلال 38 سنة من الاحتلال، كالذي يعانونه اليوم. فالعمليات الإسرائيلية منذ أيلول 2005، بما فيها فرض قيود شديدة على تنقل السكان وعلى التجارة من وإلى القطاع ووقف تحويل الأموال إلى السلطة الفلسطينية، أدت إلى أزمة إنسانية لم يشهدها القطاع خلال 38 سنة من الاحتلال.
كما أنّ انتهاء خطة فك الارتباط لم يُعفِ إسرائيل من تعهداتها بتمكين المؤسسات المدنية في القطاع من العمل كما يجب، وبتسهيل عملها. وهناك واجبات قانونية تتحملها إسرائيل تجاه سكان قطاع غزة في مجالات الحياة المختلفة التي تسيطر عليها إسرائيل مباشرة أو تؤثر عليها. هذه الواجبات تحمل إسرائيل مسؤولية وفقًا لقوانين الاحتلال الواردة في القانون الدولي، وقوانين حقوق الإنسان الدولية والقانون الدستوري والإداري الإسرائيلي.
ولم يُنهِ إخلاء المستوطنات والقواعد العسكرية من قطاع غزة السيطرة الإسرائيلية على القطاع، ولكنه غيّر من شكل هذه السيطرة. وأدت وسائل السيطرة الإسرائيلية إلى تدنّي الوضع الاجتماعي والاقتصادي في القطاع، لمستوى لم يسبق له مثيل من قبل في القطاع.
إسرائيل تسيطر على الدخول البري إلى القطاع والخروج منه
بعد إتمام خطة فك الارتباط، واصلت إسرائيل فرض سيطرتها على المعابر البرية بين قطاع غزة والعالم الخارجي، بما في ذلك السيطرة التامة على الإيراد والتصدير وعلى دخول وخروج الناس، بمن فيهم المواطنين الأجانب:
أ. السيطرة على تنقل الناس
في «الإتفاقية حول التنقل»، التي وُقعت في الخامس عشر من تشرين الثاني 2005 بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، جاء أنّ السلطة الفلسطينية ستكون مسؤولة عن معبر رفح (نقطة المعبر بين القطاع وبين مصر)، وذلك تحت مراقبة ممثلين عن الإتحاد الأوروبي الذين سيتواجدون هناك وتحت مراقبة قوات الأمن الإسرائيلي، الذين سيراقبون ما يجري في المعبر بواسطة كاميرات الفيديو التي ستبث ما يجري في المعبر إلى غرفة مراقبة خاصة. كذلك يقوم الإسرائيليون بمراقبة لوائح المسافرين الذين يمرّون في المعبر. وتم تقييد الدخول إلى القطاع من مصر بالسماح للفلسطينيين المُسجّلين في سجل السكان الفلسطيني فقط، الذي تسيطر عليه إسرائيل، بالدخول والخروج من المعبر. وعليه فإنّ المواطنين الأجانب يستطيعون الدخول إلى القطاع عبر المعابر شمالي قطاع غزة التي تسيطر عليها إسرائيل.
وتحكم إسرائيل السيطرة على المعابر وتسيطر على دخول وخروج الناس من وإلى غزة في جميع المعابر، بمن فيهم أصحاب الهويات الفلسطينية. واستعملت إسرائيل هذه الصلاحية كثيرًا من أجل إقفال أبواب الدنيا على الفلسطينيين. كما أنّ موافقة إسرائيل مطلوبة، وفق هذه الاتفاقية، من أجل فتح معبر رفح، لأنّ الاتفاقية تنصّ على أنّ فتح المعبر مشروط بمشاركة الفلسطينيين والأوروبيين والإسرائيليين. وتسيطر إسرائيل على وصول المراقبين الأوروبيين لمعبر رفح، إذ أنها تستطيع ادعاء وجود «إنذار أمني» يمنع الأوروبيين من القيام بعملهم. وتثبت العديد من المستندات الداخلية التابعة لسلطات الأمن الإسرائيلية أنّ إسرائيل مارست صلاحيتها وأغلقت معبر رفح للضغط على المدنيين الفلسطينيين في القطاع، من أجل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المأسور، غلعاد شليط، الذي أُسر في معبر «كيريم شالوم» في الخامس والعشرين من حزيران 2006.
كما قامت إسرائيل بإغلاق معبر رفح في السنة الأولى بعد إتمام خطة فك الارتباط مدة 148 يومًا، وأقفلت أبواب الدنيا على غزة كليًا بنسبة 42% من هذه السنة.
ب. السيطرة على استيراد وتصدير البضائع
تسيطر إسرائيل كليًا على استيراد البضائع إلى داخل القطاع، وتملك سيطرة كبيرة على عملية تصدير البضائع من القطاع لدول العالم الثالث وللضفة الغربية. وفي فترات مختلفة، أدت القيود الشديدة التي فرضتها إسرائيل على استيراد البضائع إلى نقص شديد وخطير في المواد الأساسية والضرورية، ما هدّد صحة سكان القطاع وحيواتهم.
جـ. إسرائيل تسيطر على سماء قطاع غزة وعلى مياهه الإقليمية
منذ احتلال القطاع في العام 1967 تحكم إسرائيل سيطرتها الجوية على قطاع غزة وسيطرتها على مياه القطاع الإقليمية، فلا يوجد في غزة مطار جوي أو ميناء بحري.
***********

إسرائيل تسيطر على التنقل داخل القطاع بـ "مناطق عزل"
تسيطر إسرائيل على تنقل الناس داخل قطاع غزة عندما يتوغل الجيش في القطاع ويعاود الخروج منه. كذلك بواسطة القصف الصاروخي على غزة من إسرائيل. فمنذ حزيران 2006 ينفذ الجيش الإسرائيلي عمليات عسكرية في غزة وعلى الحدود بين غزة ومصر. وتسيطر إسرائيل على شمالي القطاع منذ كانون الأول 2005، حين أعلنت عن هذه المنطقة «منطقة عزل»، وحذرت السكان من التنقل في تلك المنطقة، وأخبرتهم بأنها ستطلق النار على من يخالف أوامرها. وبين حين وحين تعلن إسرائيل عن مناطق مختلفة كـ «مناطق عازلة» وتمنع الناس من التنقل فيها.

*********
إسرائيل تسيطر على سجل
السكان الفلسطيني
يخضع سجل السكان الفلسطيني للسيطرة الإسرائيلية الكاملة؛ فتقرر إسرائيل مثلا من هو الفلسطيني ومن يُعتبر من سكان غزة أو الضفة الغربية. وبطبيعة الحال، فإنّ هذه السيطرة الإسرائيلية هي جزء من السيطرة على تنقل الناس وخروجهم من القطاع ودخولهم إليه. فعلى سبيل المثال، حتى عندما تقرر إسرائيل فتح معبر رفح، فإنها تسمح للسكان الفلسطينيين حاملي الهوية الفلسطينية، فقط، بالدخول إلى غزة. ومنذ العام 2000، وتقريبًا من دون استثناء، لم تسمح إسرائيل بإضافة أشخاص لسجل السكان الفلسطيني. وكنتيجة لهذه السياسة، لا يملك الكثير من سكان القطاع -وبالذات النساء اللاتي دخلن إلى القطاع بواسطة تصاريح زيارة وتزوجن من فلسطينيين سكان القطاع- هويات فلسطينية، وليس باستطاعتهن الحصول على هويات. هؤلاء الناس مسجونون في غزة: فإن خرجوا منها لن تسمح لهم إسرائيل بالرجوع إليها!

إسرائيل تسيطر على الضرائب وسياسة الصرف الحكومي
تسيطر إسرائيل على جهاز الضرائب في أراضي السلطة الفلسطينية، ما عدا الضرائب المباشرة الملقاة على السكان (كضريبة الدخل وما شابه)، وعلى الجمرك الفلسطيني. وتؤثر هذه السيطرة على الحياة في القطاع وعلى قدرة المؤسسات غير الربحية من تلقي تبرعات معفية من الضرائب.

***********
إسرائيل تسيطر على قدرة السلطة على توفير الخدمات
وتسيطر إسرائيل على قدرة السلطة الفلسطينية على تزويد سكان القطاع والضفة الغربية بالخدمات، وعلى عمل المؤسسات العامة هناك، بواسطة السيطرة على تحويل أموال الضرائب التي تقوم إسرائيل بجبايتها. وتشكّل هذه الأموال حوالي 50% من ميزانية السلطة. كما أنّ قطاع غزة والضفة الغربية يشكلان جزئين لوحدة جغرافية واحدة، ولا يمكن الفصل بينهما، إذ لا يمكن تقسيم السلطات والمؤسسات الفلسطينية أو فصلها. وتموّل السلطة هذه المؤسسات والسلطات المختلفة بواسطة ميزانية واحدة تديرها، وبالتالي فإنّ السيطرة على الضفة الغربية تشكّل سيطرة غير مباشرة على قطاع غزة.

**********
إلتزامات القانون الدولي
عندما تدّعي إسرائيل أنها، وبعد انتهاء خطة فك الارتباط، لم تعد ملزمة بشيء أمام سكان قطاع غزة، فهي تستند إلى التعريف الضيق لمصطلح «الاحتلال» الوارد في القانون الدولي. ويعتمد المصطلح على التواجد العسكري المستمر على الأرض في منطقة معينة. وبالرغم من ذلك، فإنّ الرأي السائد حول الاحتلال يعتبر منطقة معينة محتلة إذا توفرت القدرة على فرض السيطرة العملية على هذه المنطقة. وهذه القدرة متعلقة بالتواجد العسكري على الأرض، ولكنها لا تنحصر في تواجدها. وتبيّن دراسة الواقع في قطاع غزة أنّ إسرائيل هي صاحبة السيطرة الكاملة والعملية على نواحٍ عديدة من الحياة، وعليه فإنّ قوانين الاحتلال الواردة في القانون الدولي تسري على إسرائيل، وستستمر إلى أن تزيل إسرائيل سيطرتها كليًا عن القطاع.
وتدّعي جمعية «مسلك» أنّ جوهر مصطلح «الاحتلال» يتعلق بالقدرة على السيطرة. وتحول هذه الرؤيا السؤال حول التواجد الفعلي للقوة العسكرية على الأرض لتعريف السيطرة الفعلية. إنّ السؤال الجوهري هو وجود أو عدم وجود سيطرة على جانب من الحياة، وفي حالة وجود سيطرة أجنبية، فإنّ هذه القوة الأجنبية مُلزمة تجاه السكان في هذه المنطقة، ولا يوجد تعريف واضح يمكّن من الإعلان عن منطقة معينة كمنطقة «محتلة» أو منطقة «غير محتلة». ولكن فحص الأمور، كل على حدة، يمكّن من تحديد مسألة وجود سيطرة ومدى السيطرة، وبالتالي وجود أو عدم وجود احتلال. وكما توضح هذه الورقة، فإنّ مدى السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة يؤدي إلى النتيجة الأكيدة بأنّ قطاع غزة ما زال محتلاً.
وهنا يُطرح سؤال ثانوي حول الواجبات الملقاة على القوة المحتلة، في مقابل مدى السيطرة على الأرض. وترى جمعية «مسلك» أنّ إزالة المستوطنات والقواعد العسكرية من القطاع خففت من وطأة السيطرة، ولكنها لم تزلها؛ ففي مجالات معينة خففت إسرائيل من سيطرتها، ولكن ليس إلى الدرجة التي تعفيها من الواجبات الملقاة عليها في القانون الدولي الإنساني.
كما أنّ التطور التكنولوجي يُمكّن إسرائيل من فرض سيطرتها على جوانب عديدة من حياة سكان القطاع، من دون الحاجة للتواجد العسكري على الأرض. وعليه فإن الامتحان القانوني لسريان قوانين الاحتلال لا يمكن أن يكتفي بمسألة التواجد العسكري على الأرض، وإنما عليه التطرق إلى وجود أو عدم وجود سيطرة فعلية. وعندما يتم تقدير مدى سيطرة إسرائيل على قطاع غزة، يجب الأخذ بعين الاعتبار السيطرة الإدارية التي تفرضها إسرائيل على القطاع منذ أربعة عقود من الاحتلال، وعدم الاكتفاء بمسألة التواجد العسكري لإسرائيل على الأرض. فلم تنتهِ السيطرة التي تفرضها إسرائيل على القطاع مع انتهاء خطة فك الارتباط، بل زادت وتعاظمت!
وعند الحديث عن ماهية الواجبات المفروضة على إسرائيل تجاه سكان القطاع يجب أخذ جوهر القانون الدولي الإنساني -وهو حماية المدنيين- بعين الاعتبار. وهذا يُرجّح كفة الميزان، في حالة وجود شكوك وتساؤلات، لصالح إلقاء الواجبات التي تهدف إلى حماية المدنيين. ويؤكد القانون الدولي الإنساني والقانون الإسرائيلي على هذا التوجه في تفسير القانون.
إنّ الهدف من وراء القانون الإنساني لا يتماشى وتقسيم «الكل أو لا شيء»، بالنسبة لسريان قوانين الاحتلال وإلقاء الواجبات على القوة المحتلة. ويطلب القانون الإنساني فحصًا دقيقًا للسياق والحالة التي تتواجد فيها سيطرة. ويلقي القانون الدولي مسؤوليات متفاوتة وفق الحالة العينية، تتناسب ومدى السيطرة التي تفرضها القوة الأجنبية. ولا يقلل الإدعاء بأنّ القوة الأجنبية لا تسيطر على مجال معين من مسؤولياتها في المجالات التي تسيطر عليها.

************
الهيمنة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة
٭ السيطرة على المعابر للعالم الخارجي في القطاع؛
٭ السيطرة على الأرض من خلال دخول القوات العسكرية إلى القطاع والخروج منها وخلق «مناطق عزل» يُمنع السكان من دخولها أو التنقل داخلها؛
٭ السيطرة الجوية التامة على قطاع غزة؛
٭ السيطرة التامة على المياه الإقليمية؛
٭ السيطرة على السجل السكاني الفلسطيني (بما في ذلك السيطرة على تعريف من هم «سكان» غزة»)؛
٭ السيطرة على الضرائب وتحويل أموال الضرائب للسلطة الفلسطينية؛
٭ السيطرة على قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة صلاحياتها السلطوية؛
٭ السيطرة على الضفة الغربية التي تشكّل امتدادًا لقطاع غزة، وتعتبران وحدة جغرافية واحدة.


"فصل المقال"

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019