التشريعات الفلسطينية والقانون الدولي الإنساني / معتصم عوض

التشريعات الفلسطينية والقانون الدولي الإنساني / معتصم عوض

تنبع أهمية القانون الدولي الإنساني في الوضع الفلسطيني من كونه يشكل المنظومة القانونية التي يتوجب تطبيقها في فلسطين بوصفها أراضي محتلة، وهو بذلك يشكل الإطار القانوني الذي يحكم سلوك إسرائيل، كقوة احتلال حربي، تسيطر على الأرض الفلسطينية وناظما للعلاقة بينها وبين الشعب الفلسطيني على هذه الأراضي.

وعلى صعيد آخر فإن المرحلة الحالية التي شهدتها الساحة الفلسطينية الداخلية من توتر بين القوى الرئيسية، فتح وحماس، تجعلنا نسلط الضوء أكثر فأكثر على قواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني التي تحكم بالإضافة إلى سلوك المتحاربين أثناء النزاعات الدولية والتي تضم الاحتلال أيضاُ، سلوك المتحاربين أثناء النزاعات المسلحة الداخلية والتي لا تختلف كثيراً في مضمونها عن تلك في المنازعات الدولية.
لا شك أن المؤسسة السياسية الفلسطينية تدرك منذ ولادتها أهمية هذا القانون للقضية الفلسطينية، وحاولت دائماً في خطابها التمسك به وإظهار احترامها والتزامها بقواعده وأحكامه لما له من أهمية قانونية في حفظ حقوق المدنيين الخاضعين للاحتلال كذلك لكسب التأييد الدولي للتوجه السياسي الفلسطيني والقضية الفلسطينية.

تعود جذور علاقة منظمة التحرير الفلسطيني بمعاهدات جنيف الأربعة لعام 1949 وبروتوكوليها إلى عام 1977 حينما وقعت المنظمة على الوثيقة الختامية للمؤتمر الدبلوماسي الدولي المعني بتعزيز وتطوير القانون الدولي. وبعد إعلان دولة فلسطين، وفي يوم الرابع من أيار من العام 1989 قررت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية المكلفة بأعمال حكومة دولة فلسطين الالتزام باتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 والبروتوكولين الملحقين بها لعام 1977، وتقدمت منظمة التحرير الفلسطينية يوم السابع من تموز من العام 1989 بإشعار رسمي إلى مجلس الإتحاد السويسري يقضي بالتزامها بأحكام اتفاقيات جنيف لعام 1949 وما يترتب عليها من آثار، وقد اعتبر إشعار منظمة التحرير الفلسطيني وتوقيعها التزام من جانب واحد وتم الترحيب به وهذا الأمر مازال حتى الآن.

لكن هذا الإشعار لاقى رفض من بريطانيا وأمريكا وإسرائيل في حين رحبت الكثير من الدول ومنها دول عدم الانحياز بهذا الإشعار، كذلك لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والأربعين التي عقدت في جنيف في شهر آذار1990.

ومن الجدير بالذكر أن قانون العقوبات الثوري الفلسطيني تطرق إلى حماية القتلى والجرحى والمرضى في النزاعات المسلحة ومعاقبة كم من ينتهك كرامتهم الإنسانية أو حقهم في الحياة، فنصت المادة 157 منه على أنه "يعاقب بالأشغال الشاقة كل من أقدم على سرقة جثة ميت أو جريح أو مريض حتى لو كان من الأعداء في منطقة الأعمال العسكرية". كذلك نصت المادة 158 من القانون نفسه على أنه "يعاقب بالاشغال الشاقة المؤقتة كل من أوقع بشخص جريح أو مريض لا يقوى على الدفاع عن نفسه عملا من أعمال العنف". على الرغم أن المحاكم العسكرية الفلسطينية لم يسجل لها النظر في مثل هذه القضايا إلى أن هذه المواد تـأتي انسجاماً مع أهم القواعد التي أرساها القانون الدولي الإنساني. لقد جاءت كلمة أسرى حرب، وهي من أهم الفئات المحمية في القانون الدولي الإنساني، في المادة الثامنة من الفصل الثالث من قانون العقوبات الثوري الفلسطيني لعام 1979 حيث نصت هذه المادة على أن من بين الذين يخضعون لهذا القانون هم أسرى الحرب، دون إعطاء أي تفاصيل أخرى. ويأتي إخضاع منظمة التحرير الفلسطينية أسرى الحرب إلى قانونها العسكري انسجاماً مع المادة 82 و 84 من اتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب المؤرخة في 12آب/أغسطس 1949. وقد جاء نص المادة 82 من الاتفاقية كما يلي : "يخضع أسرى الحرب للقوانين واللوائح والأوامر السارية في القوات المسلحة بالدولة الحاجزة. وللدولة الحاجزة أن تتخذ إجراءات قضائية أو تأديبية إزاء أي أسير حرب يقترف مخالفة لهذه القوانين أو اللوائح أو الأوامر. على أنه لا يسمح بأية ملاحقة قضائية أو عقوبة تخالف أحكام هذا الفصل.

ويمكن الاستدلال من أن توقيع المنظمة على الوثيقة الختامية للمؤتمر الدبلوماسي الدولي المعني بتعزيز وتطوير القانون الدولي في العام 1977، كان له الأثر في تبني قانون العقوبات الثوري الفلسطيني عام 1979 مثل هذه الأحكام الهامة والتي نادت بها اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافيين.
لم يتطرق القانون الأساسي الفلسطيني والساري في المرحلة الانتقالية إلى أحكام تتعلق بالقانون الدولي الإنساني، لكن المادة 10 من هذا القانون أكدت على أن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام. كذلك تعمل السلطة الوطنية الفلسطينية دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمى حقوق الإنسان.

أكدت المادة السابعة من قانون الطفل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2004 أن للطفل في جميع الظروف أولوية التمتع بالحماية والرعاية والإغاثة، كما ألزمت هذه المادة الدولة الحفاظ على حياة الأطفال وجميع حقوقهم في حالات الطوارئ والكوارث والنزاعات المسلحة، كذلك اتخاذ التدابير المناسبة لملاحقة ومسائلة كل من يرتكب بحق الأطفال جريمة من جرائم الحرب أو جرائم ضد الإنسانية. أما المادة 46 من هذا القانون فقد أوجبت حظر استخدام الأطفال في الأعمال العسكرية أو النزاعات المسلحة وألزمت الدولة اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لضمان ذلك، كما أوجبت الدولة باتخاذ التدابير المناسبة للتأهيل البدني والنفسي وإعادة الاندماج الاجتماعي للأطفال من ضحايا المنازعات المسلحة.

من ناحية أخرى، توجد في كثير من بلدان العالم تشريعات محلية تنظم استخدام شارة الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، أما القوانين الفلسطينية فإنها تخلو تماماً من أي ذكر للشارة، وقد انعكس ذلك سلباً وأدى إلى بروز مشكلة حقيقية ألا وهي فقدان هذه الشارة الدولية للاحترام والحماية المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية. وكثرت في الأراضي الفلسطينية الجهات التي تستخدم هذه الشارة دون أي ضوابط تذكر، وأدى غياب قانون ينظم عمل الشارة إلى استغلالها من قبل أفراد ومؤسسات فلسطينية واستخدامها في أمور لا علاقة لها بالواجب الإنساني المنوط بمن يحمل الشارة. وقد استغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي بعض حوادث سوء استخدام الشارة وصورتها على أنها تمثل وضعاً عاماً واتخذتها كمبرر لفرض قيود على حركة مركبات الإسعاف وإعاقة عملها وإخضاعها لعمليات التفتيش وإنزال المرضى منها واحتجازها على الحواجز العسكرية لساعات وعدم السماح لكثر من الحالات بالعبور، هذا بالإضافة إلى الانتهاكات الخطيرة التي تعرض لها أفراد الخدمات آخرين لاق نار مباشر واستهدافهم بقذائف الدبابات وصواريخ الطائرات الحربية ما أدى في كثير من الحالات إلى جرح و استشهاد أفراد هذه الطواقم.

في ضوء ما عرضناه من تشريعات فلسطينية لها علاقة بالقانون الإنساني يتبين لنا أن هذه التشريعات بقيت محدودة على الرغم من محاولات بعض الجهات الغير حكومية من توسيع نطاق هذه التشريعات. وعلى الرغم من أن حوادث الاقتتال المسلح الداخلي في الأراضي الفلسطينية، بين بعض التشكيلات العسكرية الفلسطينية، بقيت والحمد لله محدودة ومحصورة حتى الآن ولم تتطور وتتوسع إلى مستوى حرب أهلية إلا أن هذه مؤشرات إلى الخطورة التي قد تؤول إليها الأوضاع الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة في حال تفاقم هذا النزاع، فقد أظهرت هذه الحوادث عدم التقيد بقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني السارية أثناء النزاعات المسلحة الداخلية، وقد تجلى ذلك في الاستهداف المتعمد للممتلكات على نحو لا تقتضيه ضرورات قتالية، وفي عمليات قتل أشخاص غير مشاركين مباشرة في القتال والاعتداء على حرمة المستشفيات وإعاقة حركة سيارات الإسعاف وإطلاق النار العشوائي ما أوقع العديد من الضحايا في صفوف المدنيين. ومن المؤسف أن المستوى السياسي الفلسطيني ولا الإعلام الفلسطيني والعربي والدولي لم يسلطوا الضوء على هذه الأحداث من جانب القانون الإنساني، في حين يتبادل طرفا النزاع الاتهامات يقوم الإعلام بإظهار هذه الاتهامات المتبادلة والتي لا تفيد إلا زيادة التوتر، والضحية دائماً المدنيون. ومن هنا أقول أن على كافة الجهات ذات الاختصاص العمل على توعية كافة التشكيلات العسكرية الفلسطينية بقواعد وأحكام القانون الدولي الإنساني.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018