المحكمة العليا تراوح ما بين "ملزمات الأمن" وحقوق الإنسان

المحكمة العليا تراوح ما بين "ملزمات الأمن" وحقوق الإنسان

ما بين 12 و-14 كانون الأول أصدرت المحكمة العليا، برئاسة رئيس المحكمة المتقاعد القاضي أهارون براك، ثلاثة قرارات مهمة تتعلق بجوانب مختلفة لحقوق الإنسان، قرارين منها يتعلقان بحقوق الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 والثالث متعلق بحقوق المواطنين العرب الفلسطينيون في إسرائيل.
تناول القرار الأول تعديل قانون الأضرار المدنية (مسؤولية الدولة) (تعديل رقم 7) الذي سن في صيف عام 2005، والذي يمنع الفلسطينيين سكان الأراضي المحتلة عام 67، من تقديم دعاوى أضرار ضد سلطات الإحتلال أمام المحاكم الإسرائيلية في حال إصابتهم بالإضرار الجسدية نتيجة ممارسات الجيش في الأراضي المحتلة. وقد اعتبرت المحكمة العليا هذا التعديل بمثابة تعديل غير دستوري، لكونه يمس بصورة جارفة ودون مصداقية بالحق بالحياة والكرامة والتملك والحرية الشخصية للفلسطينيين. إذ أن هذا التعديل يعفي دولة إسرائيل من أي مسؤولية كانت في حال قيام قوات الجيش الإسرائيلي بالتسبب بأضرار جسدية للفلسطيني أو لممتلكاته، حتى لو كان التسبب بهذه الأضرار منافيا للقانون الدولي أو مخالفاً للقانون الإسرائيلي.
في القرار الثاني رفضت المحكمة العليا الإلتماس الذي قدم ضد وزارة البناء والإسكان، والذي طالب المحكمة بإلغاء استخدام معيار الخدمة العسكرية لمنح مبالغ أكبر لمن أدى الخدمة العسكرية أو الخدمة الوطنية في القروض السكنية (المشكنتا). وبحسب هذا المعيار، فإن الزوجين اللذين خدما في الجيش أو أديا الخدمة الوطنية يحصلان على مساعدة في القروض السكنية تزيد بـ 125 ألف شاقل عما يحصل عليه من لم يؤد هذه الخدمة. وقررت المحكمة العليا أنه لا يوجد أي مانع مبدئي لمنح امتيازات إضافية لخريجي الجيش أو للذين يشاركون "بالخدمة الوطنية" إضافة لتلك الإمتيازات المنصوص عليها في "قانون استيعاب الجنود المسرحين"، بشرط أن يكون استخدام معيار الخدمة العسكرية مشروعاً في ظروف المسألة. ورفض القاضي باراك الإدعاء القائل بأن استخدام هذا المعيار يؤدي إلى نتيجة تميز بشكل عنصري ضد المواطنين العرب الذين لا تخدم غالبيتهم العظمى في الجيش.
أما القرار الثالث ففيه ردت المحكمة العليا الإلتماس الذي قدم في العام 2002 والذي طالب بمنع عمليات الإغتيال والقتل خارج إطار القانون التي ينفذها الجيش الإسرائيلي ضد نشطاء المقاومة الفلسطينيين، والتي تطلق عليها المؤسسة الإسرائيلية "الوقاية المركزة" أو "العينية". وقررت المحكمة أنه حسب القانون الدولي لا يمكن منع ذلك بشكل جارف. وجاء في القرار أنه يتوجب رسم خطوط عامة تتضمن التحديدات والتحفظات من استخدام الوسيلة، وفحص كل عملية إغتيال حسب الظروف الخاصة فيها ذات الصلة.
وقد أصدر القرار بشأن تعديل قانون الأضرار المدنية، من ناحية الترتيب الزمني، قبل صدور القرارين الآخرين. وأثير الإنطباع، بعد صدور القرار مباشرة، أنه يشكل تغييراً جذرياً في اتجاه المحكمة العليا في الدفاع عن حقوق الانسان, حيث ظهرت المحكمة وكانها لا تخضع لضغوطات المؤسسات الأمنية والسياسية وتلغي قانوناً سن من قبل الكنيست باعتباره يشكل إنتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان, وتقر حق الإنسان الفلسطيني بالمطالبة بالتعويضات جراء عمليات الجيش في الأراضي الفلسطينية المحتلة (في ظروف معينة).
إلا أن المحكمة العليا اصدرت في اليومين التاليين قرارين مناقضين تمام النقيض مع القرار الأول من حيث توجه المحكمة ومواقفها من قضايا حقوقية محددة. وهنا يطرح السؤال التالي: هل القرارين الآخيرين شكلا تغيراً في توجه وسياسة المحكمة مختلفاً عما قد يستنتجه المراقب من تحليل القرار الأول؟ أم أن القرار الأول هو الذي شكل تغيراً عن نهج المحكمة العليا وقراراتها خلال السنوات الأخيرة؟
وفي الإجابة عن هذا السؤال، يجب عدم إغفال الواقع الذي ترفض فيه المحكمة العليا، يومياً وبشكل أوتوماتيكي تقريباً، العشرات والمئات من الإلتماسات التي تقدم إليها من قبل فلسطينيين لرفع الظلم عنهم وإنهاء الإنتهاكات المستمرة لحقوقهم التي ينتهكها الجيش بشكل يومي، إلا أن المحكمة رفضت تقريباً جميع هذه الإلتماسات بذرائع أمنية وأحياناً في قرارات حكم لا تصل بضعة الأسطر المعدودة على أصابع اليد. وحتى وصل الأمر إلى أن بعض المحاضرين في مجال قانون حقوق الإنسان وصفوا أن حدود المحكمة العليا في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان هو "الخط الأخضر"، أي أن لغة المحكمة تتغير أوتوماتيكياً عندما يكون الحديث عن حقوق الفلسطينيين من الأراضي المحتلة وكانت دائماً أمينة على توفير الشرعية القضائية للمارسات الأجهزة الأمنية المختلفة.
وفي عدة قرارات سابقة للمحكمة العليا، التي تتعلق بانتهاكات قاسية وواضحة لحقوق الإنسان، قررت المحكمة أن ممارسات الدولة والجيش "قانونية"، وذلك بالرغم من مواقف المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية الدولية التي أفادت بأن هذه الممارسات غير قانونية بتاتاً. وهذا ما حدث، على سبيل المثال، في قرار المحكمة العليا من تاريخ 14/5/2006 بعدم ابطال قانون المواطنة والدخول الى إسرائيل (أمر مؤقت)، 2003 الذي منع منح أي مكانة في إسرائيل لمن هو من سكان الضفة الغربية أو قطاع غزة وحظر تقديم طلبات جديدة من قبل مواطني الدولة، الذين تزوجوا من سكان الضفة الغربية أو قطاع غزة، لمنح مكانة قانونية في إسرائيل لزوجاتهم أو أزواجهم، والذي لا يمس فقط بحق الفلسطينيين في المناطق المحتلة بتكوين عائلة، بل ويمس أيضاً بحقوق مواطني الدولة نفسها، أي المواطنين العرب، بهذا الحق. وكانت منظمات حقوق إنسان بارزة في العالم، مثل "أمنستي أينترناشيونال" و"مراقبين لحقوق الإنسان"، إضافة للجان حقوق الإنسان في الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي، قد حذرت من أن القانون ينتهك حقوق الإنسان وتعليمات القانون الدولي، وأصدرت بيانات تندد بهذا القانون.
والأمر ذاته حدث في قرار المحكمة بخصوص جدار الفصل العنصري في الأراضي المحتلة. حيث قررت المحكمة العليا أن تشييد الجدار لا يمس بحقوق الإنسان، رغم أن المحكمة الدولية في هاغ اتخذت، في رأيها الاستشاري، قرارًا بشأنه باعتباره غير قانوني لكونه ينتهك القانون الدولي الإنساني ومواثيق حقوق الإنسان العالمية.
وها هي المحكمة الآن لا تمنع سياسة الإغتيالات في الأراضي المحتلة، وذلك في أكبر القضايا التي تمس بحقوق الإنسان بشكل جارف وقاس لا لبس فيه، حيث أن معنى هذه الإغتيالات في الواقع إعدام المقاومين الفلسطينيين خارج نطاق القانون وبدون أمر محكمة يسمح لها بذلك، الامر الذي يعطي الضوء الأخضر لإستمرار هذه الإغتيالات ويضفي عليها "الشرعية القضائية".
وحتى في الحالات التي تم فيها قبول الإلتماسات من قبل المحكمة العليا، مثل ذلك الذي يمنع جهاز الأمن العام من ممارسة التعذيب أثناء التحقيق مع المعتقلين، فأن الدلائل تشير إلى أن تلك القرارات لم تنص على منع التعذيب بشكل كامل من حيث المبدأ بل تركت مجالاً لأجهزة الأمن أن تمارس التعذيب (تحت مسميات مختلفة) بحجة الحفاظ على الأمن العام، الأمر الذي فسرته الأجهزة الأمنية على انه ضوء أخضر يسمح بمواصلة تلك الممارسات عينها، وحتى تحت غطاء المحكمة العليا نفسها!!
أما فيما يتعلق بالمواطنين العرب الفلسطينيون داخل إسرائيل، فأن الدلائل تشير إلى أنه وبالرغم من اللغة القانونية "الراقية" التي تستعملها المحكمة العليا في قرارات الحكم خاصتها، وخاصة قرارات القاضي أهارون براك (الذي يعد بنظر الكثيرين من المحللين في العالم بانه من أشهر القضاة في الدفاع عن حقوق الإنسان!!)، فان النتائج على أرض الواقع مغايرة تماماً للفكرة المترسخة في عقول الناس. فالإلتماسات التي تقدم إلى المحكمة العليا من قبل مؤسسات حقوق الإنسان في قضايا تتعلق بحقوق المواطنين العرب، ترفض أغلبيتها العظمى من قبل المحكمة بذرائع مختلفة، منها أن القضايا التي تطرح أمامها "عامة" و"غير عينية كفاية" بحيث لا يمكن للمحكمة البت فيها على الإطلاق؛ أو أن هذه القضايا تتعلق بالعملية السياسية داخل الدولة وبالعلاقات بين الأغلبية والأقلية، وبالتالي فأن البت في هذه المسائل من وظيفة الكنيست والحكومة وليست من وظيفة المحكمة؛ أو أن الوضع الذي تطرحه هذه الالتماسات لا تشكل تمييزاً عنصرياً تجاه الأقلية العربية الفلسطينية، بل تفضيل أيجابي تجاه مجموعة معينة (دائماً مجموعة يهودية)، كما فعلت المحكمة في قرارها الجديد بعدم إلغاء استخدام معيار الخدمة العسكرية لمنح القروض السكنية!!
أن المحكمة العليا ترفض، وباستمرار، الإعتراف بالأقلية العربية كأقلية قومية، لها حقوقها الجماعية التي اعترفت بها المواثيق الدولية لكونها أقلية، هذا إضافة للحقوق الفردية المعطاة لأعضاء الأقلية لكونهم أفراداً. أن المحكمة العليا، من منطلق الدفاع عن حقوق الإنسان، تعترف فقط بالحقوق الفردية للمواطنين العرب، وذلك ليس لكونهم عرباً بل لكونهم أشخاصاً لهم حقوقهم العالمية؛ ولكنها في الوقت نفسه لا تعترف بالحقوق الجماعية للأقلية العربية الفلسطينية ولا تنظر إليهم على أنهم مجموعة تلاقي التمييز بسبب كونهم كذلك. وبالتالي، فهي لا ترى التمييز الجماعي والممأسس الذي تخضع له الأقلية العربية بشكل جماعي.
وتفيد النظريات والمواثيق المتعلقة بحقوق الأقليات، أن محاكم الدولة (أي دولة) مسؤولة عن حماية الأقليات التي تعيش في منطقة نفوذها من إخفاقات محتملة في العملية السياسية، والتي من الممكن أن تمس بحقوق جماهير الأقلية أو بأفرادها. ولكن في حالة الأقلية العربية في إسرائيل، فأن المحكمة العليا ترفض وترد هذه القضايا بحجة أنها تتعلق بالعملية السياسية، ولذلك فانها تعيد الكرة إلى ملعب الحياة السياسية، حيث كان الإخفاق أصلاً وحيث الاقلية مهمشة عن مراكز إتخاذ القرار، وبالتالي تفشل المحكمة بشكل مستمر في تحقيق المهام الملقاة عليها كمحكمة دستورية، التي من مهامها الأولى والرئيسية الدفاع عن حقوق الإنسان، الفردية منها والجماعية على حد سواء ومنع الاغلبية من الإستبداد وإنتهاك حقوق الأقلية.
أن الواقع واستمرار هذا الوضع يشير إلى أن المحكمة العليا هي جزء لا يتجزأ من النظام السياسي الإسرائيلي، لها نفس المفاهيم والتصورات السياسية ، وبالتالي فهي جزء من "الإجماع اليهودي" الذي ما زال غير مستعد لقبول المواطنين العرب والإعتراف بحقوقهم، بل ويعتبره "تهديد" أمنيا وديموغرافيا. وحتى المحكمة العليا نفسها لم تطور بعد المفاهيم الملائمة التي تمكنها من قبول هذه القضايا والإلتماسات ولم تطور بعد، حتى في فترة القاضي باراك، الشجاعة اللازمة لإحداث تغيرات سياسية على أرض الواقع في مجال العلاقات بين الأقلية والأغلبية، وامتنعت عن فرض تحد جدي لقيم الأكثرية على قاعدة المسلمات الإنسانية العالمية وعلى رأسها حقوق الإنسان.
ولذلك فأن هذه القرارات الأخيرة تشكل تطبيقاً لهذه الرؤيا والتصورات، بل ويمكن القول أنها كانت متوقعة وغير مفاجأة نظراً لتاريخ المحكمة العليا وسجل قراراتها. أما القرار الذي ألغت فيه المحكمة تعديل قانون الأضرار المدنية فأنه يعتبر، بنظر المؤسسة العربية لحقوق الانسان، الخارج عن القاعدة، بل ومفاجئاً ضمن فهمنا للواقع، وأن يكن خطوة أيجابية بدون شك. ويمكن تفسيره على أنه يتعلق بدفع تعويضات إلى المصابين والمتضررين، أي إلى قضايا مادية، أما القرارات الأخرى التي تتعلق بسياسة الإغتيالات ولم الشمل والتعذيب، فأنها كلها تتعلق بالحق في الحياة والأمن، وفي مثل هذه الظروف فقد رضخت المحكمة أمام مزاعم مؤسسات الأمن من أن هذه الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان والممارسات المتطرفة لازمة وضرورية للحفاظ على الأمن، حتى على حساب المساس الجدي بالحقوق الأساسية للإنسان.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018