بعد أكثر من ساعة سمح له جنود الاحتلال بالمرور.. إلا أنه فارق الحياة قبل وصوله المستشفى..

بعد أكثر من ساعة سمح له جنود الاحتلال بالمرور.. إلا أنه فارق الحياة قبل وصوله المستشفى..

"نزلنا من المركبة وصرخنا للجنود على برج الحراسة بأنه لدينا مصاب بحادث، إلا أن أحد الجنود طلب منا الابتعاد من المكان. رفضنا، وحاولنا ثانية الطلب من الجنود فتح البوابة، وقمت بتحريك المصاب عادل، الذي كان لا يزال يتنفس، على المقعد الخلفي للمركبة، لكي يتأكد الجنود أن الحديث عن حالة طوارئ. وصرخنا مرة أخرى وأخرى على الجنود.. وفقط بعد ساعة و5 دقائق، نزل 3 جنود من برج الحراسة واقتربوا منا.. نظروا إلى عادل، وأدركوا أنه بحاجة ماسة للعلاج الطبي.. سافرنا بسرعة إلى مستشفى الأقصى في قلقيلية، وفور وصولنا تم إدخال عادل إلى غرفة العلاج المكثف.. إلا أنه كان قد فارق الحياة"..

كانت هذه إحدى الشهادات الكثيرة التي وردت في تقرير منظمة "بتسيليم"، الذي صدر صباح اليوم، الثلاثاء، والذي يتناول منع الفلسطينيين من حرية التنقل في الضفة الغربية. ويستند التقرير إلى 14 تقريراً سابقاً، بالإضافة إلى مئات الشهادات التي جمعت خلال السنوات الأخيرة، وعشرات الجولات الميدانية وعمليات الرصد التي قامت بها المنظمة في نصف السنة الأخيرة.

ويتضح أن القيود التي يفرضها الاحتلال على حرية تنقل الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ اندلاع الانتفاضة الثانية وصلت إلى أبعاد لم يسبق لها مثيل في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي، من جهة نطاقها ومدتها الزمنية، وتحول الحق الأساس للفلسطينيين بحرية التنقل إلى "امتياز" إسرائيلي يعطيه الاحتلال ويصادره وقتما يشاء.

ويستعرض التقرير سياسة الاحتلال على الحواجز والقيود الاحتلالية المفروضة على الضفة الغربية، والتي أدت إلى تقطيع أوصال الضفة إلى 6 وحدات جغرافية منفصلة، جرى تقسيم كل واحدة منها إلى أقسام ثانوية.

وبضمن المصاعب التي يواجهها الفلسطينيون في الضفة هي الوصول إلى المراكز الطبية، حيث أن الكثيرين ممن هم بحاجة إلى تلقي العلاج الطبي يجدون صعوبة في الوصول إليها، وفي حالات كثيرة لا يتمكنون من ذلك، علاوة على الأضرار التي لحقت بالمراكز الطبية جراء غياب أو تأخير الأطباء والطواقم الطبية، كما تجد فرق الإسعاف والطوارئ صعوبة في نقل المصابين والمرضى إلى المراكز الطبية بالسرعة المطلوبة.

ومن اللافت أن النساء الحوامل غالباً ما يجدن صعوبة في ظل هذا الواقع الاحتلالي، خاصة وأنهن بحاجة إلى التردد عدة مرات في الأسبوع إلى "قيادة التنسيق والارتباط" من أجل تجديد التصريح بالمرور، الذي يعطى ليوم أو ليومين فقط. ولذلك فقد حصل الكثير من الحالات التي وضعت فيها الحوامل على الحاجز نفسه، بسبب التأخير على الحواجز، أو عدم حصولهن على تصاريح بالمرور. وعلاوة على ذلك، يضطر عدد كبير من النساء الحوامل إلى سلوك طرق وعرية وطويلة من أجل تجاوز حاجز عسكري، بكل ما يكتنف ذلك من مشاق، والتي غالباً ما تنتهي بحاجز عسكري آخر، يضطرهن للانتظار مرة أخرى.

كما تؤثر القيود الاحتلالية بشكل حاسم على الاقتصاد والتجارة في الضفة، حيث يعاني اقتصاد الضفة منذ بدء الانتفاضة من بطالة، تجلت في انخفاض المنتوجات الخام بمعدل 40% للفرد، ووصلت نسبة البطالة، بحسب التقرير، إلى 24.3%، بالمقارنة مع 16.9% في العام 2000.

ولفت إلى أن السياحة كانت أحد الفروع الرئيسية التي تضررت جراء تقييد حرية التنقل في الضفة، وتم إغلاق عدد كبير من المواقع السياحية التي أقيمت بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو. أضف إلى ذلك الجانب الزراعي، حيث يتم منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.

كما يتناول التقرير المس بالحياة العائلية للفلسطينيين في الضفة، حيث أنه في ظل مصاعب المرور عبر الحواجز من مكان لآخر، فقد وجدت الكثير من العائلات نفسها منقطعة عن أبنائها وأقربائها، وخاصة العائلات التي تعيش بمحاذاة الخط الأخضر وفي الأغوار وفي محيط مدينة نابلس.

وفي هذا السياق، تقول نعمة علي سلامة أبو زهرة، من منطقة نابلس، إنها تجد صعوبة في زيارة ابنتها التي تزوجت وانتقلت للعيش في الأغوار مع زوجها في العام 2003. وتضيف أنها حاولت زيارة ابنتها عندما وضعت مولودها الأول، وتوسلت للجنود على الحاجز العسكري السماح لها بالمرور، ولكنهم رفضوا، وعادت باكية إلى بيتها.

ويتناول التقرير الحواجز العسكرية المنتشرة في الضفة الغربية، ويصف القيود والممنوعات المفروضة على السكان الفلسطينيين، ويعرض عملية تقطيع أوصال الضفة الغربية. ويشير التقرير إلى أن قوات الاحتلال تعتمد عدة وسائل في الحد من حرية تنقل الفلسطينيين، مثل السواتر الترابية، والمكعبات الإسمنتية، والصخور والقنوات لسد الطرق. وبحسب التقرير فإن عدد هذه الحواجز في الضفة يصل إلى 455 حاجزاً.

كما يشار إلى الحواجز التي يرابط فيها جنود الاحتلال، والتي باتت أحد أبرز مظاهر الاحتلال. حيث وصل عدد مثل هذه الحواجز الثابتة إلى 82 حاجزاً، بينها 35 نقطة للفحص الأخير قبل الدخول إلى داخل الخط الأخضر، في حين هناك 47 حاجزاً تقع على بعد بضعة كيلومترات من الخط الأخضر. أضف إلى ذلك ما يقارب 150 حاجزاً طياراً.
وتستخدم قوات الاحتلال وسائل أخرى للحد من حرية تنقل الفلسطينيين، بواسطة منع استخدام طرق معينة في الضفة، والتي يصل طولها إلى 312 كيلومتراً، يمنع الفلسطينيون حتى من عبورها. وفي المقابل يجري شق طرق جديدة بذريعة إتاحة المجال للفلسطينيين لاستخدامها، إلا أنها في الواقع تساعد قوات الاحتلال في التحكم بحرية تنقل الفلسطينيين، وإبعادهم عن الطرق المركزية، لتصبح الأخيرة طرقا إسرائيلية فعلية.

ورغم أن تقرير "بتسيليم" يقر بحق إسرائيل، بل وبواجبها، بحسب التقرير، في حماية مواطنيها، فإن القيود المفروضة على حرية التنقل في الضفة الغربية، والتي تعرض من قبل الاحتلال كرد ضروري لأهداف أمنية واضحة، إلا أنه بعد زوال هذه الضرورة الأمنية، يتم استخدامها لأهداف أخرى، بضمنها السيطرة على حركة وسائل النقل الفلسطينية، بشكل يفصل بين المستوطنين وبين الفلسطينيين. وفي المقابل يتم توفير حرية حركة متواصلة وسريعة وآمنة لكافة المواقع ذات الصلة للمستوطنين.

وتطالب المنظمة بـ"إزالة كافة القيود المفروضة على حرية التنقل، وبدلاً من ذلك، تركيز كافة الجهود المطلوبة لحماية مواطني إسرائيل في داخل الخط الأخضر، وفي الوقت نفسه العمل على إخلاء كافة المستوطنات التي تمت إقامتها في الضفة الغربية. وإلى حين إخلاء المستوطنين، يجب توفير الحماية لهم عن طريق تفضيل وسائل تقيد حرية تحركهم، ولا تقيد حرية تحرك الفلسطينيين".

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"