"جنينغراد"- في المرآة العسكرية الاسرائيلية ..؟!

"جنينغراد"- في المرآة العسكرية الاسرائيلية ..؟!

اذ نتوقف اليوم امام ملحمة مخيم جنين في ذكراها الرابعة فربما تكون اعترافات وشهادات ضباط وجنود الاحتلال الذين شاركوا في اجتياح المخيم بالغة الأهمية خاصة اذا كانت تقدم لنا اسطورة التصدي والبطولة الفلسطينية ...

في هذا السياق اعترف أحد جنود كتيبة الهندسة العسكرية الإسرائيلية الاحتلالية التي شاركت باقتحام مخيم جنين فجر الرابع من نيسان /2002 قائلاً:
" ان الوضع هناك مرعب ، ومن الأفضل عدم الدخول إلى هناك / صحيفة يديعوت أحرونوت" وأضاف:" أننا ننتقل من بيت إلى بيت غير أنهم يقاتلون بشراسة ".

- وجاء في تقرير الصحيفة العبرية أيضاً : " المسلحون الفلسطينيون لا يغادرون المخيم، وهم يقاتلون .. لقد زرعوا مئات العبوات الناسفة وأعدوا السيارات المفخخة .. ولديهم حوافز مجنونة، ويقاتلوننا بشراسة ولا يتنازلون "....

وأضاف جندي إسرائيلي آخر واصفاً القتال في المخيم:" ان ما يجري هناك يشبه الغرب الجامح، والجنود يستقبلون النيران الفلسطينية من كافة الاتجاهات، وفي كل الاتجاهات، كما تتطاير عشرات العبوات الناسفة من فوق رؤوس الجنود .. والرصاص أيضاً يمر قرب رؤوسهم / صحيفة يديعوت".

واعترف جندي إسرائيلي آخر من لواء جولاني قائلاً : أنه أسوأ قتال أشهده، حيث لم أواجه مثله حتى الآن في كافة معاركنا في المناطق، فإلى حيث نذهب نواجه بالنيران والعبوات المتفجرة .. وفي كل ثغر أو حفرة هناك مسلح فلسطيني .. / صحيفة معاريف".

ووصفت صحيفة هآرتس العبرية على لسان مصادر عسكرية ما جرى في ميدان المخيم قائلة:
" ان المعركة في مخيم جنين هي أصعب مواجهة مع الفلسطينيين في إطار عملية الجدار الواقي، فرغم مرور أربعة أيام على دخول الجيش لأول مرة للمخيم، إلا أنه لا يستطيع السيطرة عليه / هآرتس".

وصرح قائد الفرقة الجنرال اييل شلاين لإذاعة صوت إسرائيل قائلاً : " لقد تعلم الفلسطينيون من المعارك واستخلصوا العبر، وأخذوا يخوضون معارك هي الأشرس حتى الآن / عن صحيفة هآرتس".

واضاف مصدر عسكري إسرائيلي كبير عن المعركة في المخيم:" ان المسلحين الفلسطينيين الذين يواصلون التحصن في المخيم ، يريدون تحويل المخيم إلى متسادا فلسطينية " .. والمقاومة هناك قوية جداً / معاريف".

واعترف عدد من قادة الفرقة العسكرية في المخيم:" أخذنا نراقب الوضع ونحن نشعر بالعجز، فالنيران كانت تطلق على كل من يرفع رأسه / هآرتس".

وتحدث جندي إسرائيلي يدعى رون دروري، أصيب في المخيم قائلاً:" كنا نتحرك، فدخلنا إلى زقاق ضيق، وفجأة انفجرت عبوة ناسفة ألقيت علينا، ولا أعرف من أين أتت وبعدها انفجرت عبوة أخرى، وأخذوا يطلقون نيراناً غزيرة علينا من كافة الاتجاهات .. وببساطة أخذوا يحصدوننا، وأطلقوا علينا النار من مسافة 20 متراً، لقد استنفذت كل الباغات، وبدأت أطلق قذائف صاروخية، وأخرجت قدمي قليلاً إلى الخارج، فأصبت بها .. وحينئذ حملني الجنود للإسعاف / هآرتس".

وأضاف جندي آخر:" أخذ الجنود يركضون بين الأزقة، وعندما وصلوا إلى زقاق ضيق محاط بالبيوت، كان بانتظارهم كمين، إذ ترك المسلحون الفلسطينيون الجنود يدخلون إلى الزقاق بأعداد كبيرة، وحينئذ انقض عليهم انتحاري (استشهادي) فجر نفسه بهم، وفي الوقت نفسه تم تفجير عشرات العبوات الناسفة التي ربطت بسلسلة واحدة، كما أطلقت نيران غزيرة ودقيقة من نوافذ البيوت باتجاه الجنود .. / صحيفة معاريف".

" وقال جنود إسرائيليون عادوا من المعركة ان القوات الإسرائيلية التي تغلبت على البلدات الفلسطينية دون متاعب تذكر في هجومها على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية واجهت " جحيماً في مخيم جنين اللاجئين". وفيما اتصل آخرون بمنازلهم بهواتف محمولة وتلقوا مكالمة من رئيس الوزراء-آنذاك- شارون الذي خاض جميع الحروب العربية الإسرائيلية، وقال الجنود للصحفيين" ان جنين سببت أسوأ صدمة لأقوى جيش في الشرق الأوسط خلال الانتفاضة الفلسطينية التي تفجرت منذ 18 شهراً، فقد قتل 13 جندياً إسرائيلياً في يوم واحد في كمين تم توقيته بدقة بالغة، وفجر فيه الفلسطينيون مبنى تفتشه وحدة إسرائيلية ثم فتحوا نيران أسحلتهم على وحدة ثانية هرعت لإنقاذ الوحدة الأولى.

وحمل الإسرائيليون معهم أعداداً كبيرة من المصابين في جنين أكثر من أي مكان آخر، فقد شوهدت نيران الدبابات وأعمدة الدخان والتراب المتصاعد في الهواء فوق جنين يوم الأربعاء، وقال جنود ان المعركة لم تكن انتهت رغم أنهم سيطروا على المكان.

وتزامن الكمين مع قتال ضار ومتلاحم بين القوات المدرعة الإسرائيلية التي تحاول المناورة في شوارع جنين الضيقة المتعرجة وخاصة مخيم اللاجئين ومجموعات من الفلسطينيين - وكالات الأنباء 12/4/2002 .

وقال السارجنت دوف ريفكن وهو مدفعي دبابة" لم نتمكن معظم الوقت من الخروج من دباباتنا ومن ناقلات الجند المدرعة لأن إطلاق النار كان قريباً جداً وكثيفاً جداً - المصدر نفسه"، وقال تسيلتسر " كان الفلسطينيون مستعدين جيداً لنا في جنين حيث توجد بصفة خاصة خلايا المقاومة، اعتقد أن جميع قتلانا وجرحانا سقطوا نتيجة للقنابل التي كانت مخبأة في أماكن عديدة مختلفة .. في البالوعات بل وفي أكياس نقود النساء – المصدر نفسه".

وقال عوديد بن أرويا وهو قائد دبابة عمره 20 عاماً " كان الكمين صدمة كبيرة لنا في حرب يمكن أن يحدث فيها أي شيء"، وقال ريفكن " كانت جنين أسوأ شيء صادفته على الإطلاق " – وكالات الأنباء 12/4/2002 ".

ولعل من أهم التحليلات الإسرائيلية حول معركة جنين ذلك التعليق الذي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت بقلم مراسلها العسكري روني شكيد ، حيث جاء فيه:
" تحول مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين إلى أسطورة فلسطينية أخرى ، إلى رمز القتال الفلسطيني العنيد ، تحت شعار " النصر أو الموت".

ووثق المحلل العسكري الإسرائيلي رؤوبن فدهتسور المعركة قائلاً:" أن من قرر احتلال مخيم اللاجئين في جنين قد أخطأ ليس فقط في تحليل المعطيات الاستخبارية، بل وأيضاً في فهم آثار القتال هناك، فلا يغير في الأمر من شيء إذا أكمل الجيش الإسرائيلي احتلال المخيم، ففي كل الأحوال ستسجل هذه المعركة باعتبارها "ستالينغراد" الشعب الفلسطيني، وهذا قبل ذكر الانغلاق وانعدام الفهم الأساسي لمن منعوا على مدى أكثر من عشرة أيام دخول المساعدات الإنسانية إلى المخيم – المصدر نفسه ".

اذن ...وبشهاداتهم ايضا: لم يعد مخيم جنين مجرد رمز للمقاومة أو عاصمة للاستشهاديين، بل دخل التاريخ من أوسع أبوابه، لأن قصة صموده وبطولة مقاتليه دفعت إلى قراءة ما حصل هناك، خاصة مع اختلاف موازين القوى وحجم الخسائر وشراسة المعركة وعنفوانها، وقصة الخدع والاشراك التي تميز بها مقاتلو المخيم، وفي النهاية قصة كل الشهداء، الذين قاتلوا حتى الرمق الأخير.

ولا تتوقف القصص والحكايات عند حد معين ففي كل زاوية وممر قصة، وتحت كل منزل مهدم وركام منثور بطولة شهيد التصق بالسلاح، هنا استشهد طه زبيدي، وهنا استشهد شادي النوباني، وهنا استشهد الشيخ رياض بدير، وهنا محمود، ومحمد وغيرهم من المقاتلين الأبطال.

وهكذا .. يتحول مخيم جنين إلى رمز للبطولة الفلسطينية وأسطورة تتكرس في وعي وذاكرة الفلسطينيين والعرب على مدى التاريخ الراهن والقادم.

فقد سارع مئات المواطنين الفلسطينيين إلى إطلاق اسم "جنين " على أطفالهم الجدد، وتحول الاسم إلى نغمة على كل لسان.

وفي هذه الدلالة قررت القيادة الفلسطينية " إقامة متحف وطني في مخيم جنين يطلق عليه اسم " متحف الكارثة والبطولة الفلسطينية: البطولة الأسطورية الملحمية الفريدة الموثقة بكم الشهادات والاعترافات والتحليلات المشار إليها اعلاه وغيرها الكثير .. والكارثة / النكبة / المجزرة المروعة... الجريمة التي اقترفت عن سبق نية وإصرار وتصميم وتخطيط وقرار على أعلى المستويات الإسرائيلية ...الجريمة التي ننتظر وينتظر اهل المخيم يوم الحساب عليها..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018