حرب الاستيلاء على المنازل في الخليل العتيقة

حرب الاستيلاء على المنازل في الخليل العتيقة


حمل محمد شاكر دعنا من سكان البلدة القديمة في الخليل، حقيبته وانطلق في الساعة الثامنة إلا ربعاً إلى مدرسته في حارة جابر القريبة من المستوطنة الإسرائيلية "كريات أربع"، وفي هذه الأثناء، وبعد أن ابتعد محمد عن المنزل حوالي 150متراً، فوجئ مع العديد من الطلبة بجيب عسكري صهيوني يطاردهم في أحد الأزقة وسط حارة جابر.الأطفال هربوا وهرب معهم محمد، إلا أن الجنود حاصروه وامسكوا به، فقام جندي من جنود الدورية بتوجيه السؤال إلى محمد: إلى أين أنت ذاهب؟ فأجاب محمد إلى المدرسة. فرد الجندي الصهيوني ( إلى المدرسة يا أبن الكلب) فأجاب محمد نعم، فقام الجندي بتصويب البندقية إلى وجهه، وضربه بشدة بعقبها، ما أدى إلى إصابته بجرح طوله (11سم)، وأصيب بحاله نزيف، وفي هذه الأثناء تجمهر الطلاب وأخذوا يكبرون، وقام مواطن يدعى ماهر العجلوني بحماية محمد بعد أن أخذ يتقاذفونه كالكرة وهم يضربونه بالجدران.

إلى هنا تنتهي أحداث قصة مؤلمة من ضمن العشرات من القصص المماثلة التي حدثت مع عائلة المواطن شاكر دعنا، غير أن الآلام لم تنته من نفس محمد الذي أصيب على أيدي الجنود الذين يزعمون أنهم موجودين لتوفير الحماية والأمن داخل البلدة القديمة في الخليل.يقول المثل (الجار قبل الدار) لكن ما حدث هنا في حي الكسارات الذي يقع بمحاذاة مستوطنة "كريات أربع" الأكثر تطرفاً وعداءا للفلسطينيين من الجهة الشرقية، إن دار شاكر دعنا كانت موجودة قبل وجود المستوطنة، والتي بدأت على شكل نقطة مراقبة عسكرية صهيونية.

ويقول أبو كريم أنه سكن منزله منذ (1973) فيما وضع الاحتلال قدمه في تلك المنطقة عام (1975) تقريباً، وقد أقيمت النقطة على مساحة صغيرة من أراضي المواطنين، ثم وضعت فيها كرفانات متحركة، ثم تحولت إلى مبان في العام 1982، حيث بدأ الاستيطان يتعاظم في المدينة وينتشر كالسرطان، ويسكن المستوطنة حاليا حوالي أربعة آلاف مستوطن يمثلون جيران سوء بالنسبة للفلسطينيين حيث لم يتوانوا يوماً في وضع المكائد والمواقف المؤذية للفلسطينيين.

وقد حظيت المستوطنة، وهي أول مستوطنة تقام على أراضي الخليل باهتمام اللوبي الصهيوني وترصد لها الأموال الطائلة من قبل الجمعيات الصهيونية لدعمها وتوسيعها وتواصلها مع المستوطنات الأخرى، مثل مستوطنة خارصينا، التي تبعد عنها حوالي كيلو متر واحد بالاتجاه الشمال الشرقي.

وخطط لمستوطنة "كريات أربع" أن تستوعب أكثر من 600 عائلة، وامتد البناء بها من الجهة الشرقية حتى وصل الخط الالتفافي رقم 60، واستولى المستوطنين على معظم الأراضي الفلسطينية المحيطة بها، وتم إقامة مبان جديدة ومحطة للوقود ويتم بين الحين والآخر استعمال أنياب الجرافات لتدمير المزروعات وتحطيم الأشجار خاصة في منطقة البقعة والبويرة وحي الشعابة القريبة من الخط المذكور.أبو كريم (53) عاماً، يعمل حاليا في قسم الاتصالات في جامعة الخليل قال إن المستوطنين نظموا حملة لئيمة ضد منزله الذي يبعد متراً واحداً عن حدود المستوطنة التي التهمت معظم الأراضي المحيطة بالمنزل حتى وصلت إلى حدوده.

وأشار إلى أنه يواجه المستوطنين منذ 31عاماً مع العشرات من أصحاب المنازل القريبة في منطقة الكسارات "بيار المحاور"، ولا يوجد حول المنزل أي نوع من الجدران أو الأسوار أو الفواصل التي تحمي منزله من الاعتداءات الصهيونية.

ويقول أنه لا يستطيع أن يحصي عدد الاعتداءات التي نفذها المستوطنين والجيش الصهيوني بحق العائلة، كما أنه لا يستطيع أن يحصي عدد الشكاوى التي قدمها إلى مكتب الارتباط في الإدارة المدنية.

ويردد أبو كريم: الشكوى لغير الله مذلة لكن نحن نعمل ضمن اللوائح والقوانين حتى لا نترك مساحة صغيرة من التقصير ونلوم أنفسنا عليها.

ويضيف أبو كريم: بدأت الاستفزازات منذ عام 1978، وقد كنا نعتقد في البداية أنها لا تتعدى استفزازات أطفال صغار، ولكن مع التكرار وتغيير الخطط أدركنا أنها استفزازات واعتداءات منظمة من قبل سكان المستوطنة الصهيونية تهدف لطردنا من منازلنا.

ويذكر أبو كريم أن الاعتداءات كانت في البداية عن طريق إخراج أصوات عالية في منتصف الليل، وسباب بذيء وكثيراً ما كانوا يسبون النبي محمد عليه الصلاة السلام، وهذا دليل آخر على أن المتطرفين الصهاينة هم وراء الحملة، وكانوا يلقون الحجارة والزجاجات الفارغة والزجاجات الحارقة.

وكانت الاعتداءات تتكرر وسط أجواء هادئة أحياناً لم يسبقها عمليات أو هجوم ينفذه الفلسطينيين في الخليل أو خارج الخليل، ولكنها سرعان ما ازدادت بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي، حيث استخدم المستوطنين الرصاص الحي في كثير من المرات، حيث كانوا يطلقونه باتجاه المنازل والأطفال نيام، وكان الرصاص يخترق النوافذ بعد تحطيمها ويؤدي إلى إعطاب سخانات المياه.ويضيف أبو كريم أنه لا يستطيع إحصاء الخسائر المادية التي كانت تنتج عن اعتداءاتهم، وفي إحدى المرات القوا زجاجات حارقة باتجاه المنزل ما أدى إلى احتراق محتوياته.

ويضيف: هب الجيران لإنقاذنا من وسط ألسنة النيران، كما أن الجدران تضررت بشكل كبير وكان المستوطنين الصهاينة لا يسمحون بأن تنبت شجرة أو عرق أخضر حيث كانوا ينظمون اعتداءاتهم لاقتلاعها.

وتسببت الاعتداءات أيضا بحالة توتر نفسي دائم لمعظم أفراد العائلة، حيث أصيبت طفلة صغيرة بانحراف في عينيها، بعد أن شاهدت في المنام أن مستوطناً يحاول مهاجمتها فاستيقظت مذعورة في الليل وأصيبت بالحول في الصباح.

أما غادة ابنته، فاعتدى عليها المستوطنون، وأصيبت في الوجه بجرح غائر طوله 4سم، ولا تزال الإصابة ظاهرة في وجهها.

ويقول أبو كريم أنه مل من تقديم الشكاوى إلى مكتب الارتباط، مبيناً أنه كان في كل مرة يلاقي إجابة واحدة سوف "نحقق في الأمر" وسؤال محدد هل شاهدت المعتدي؟ هل تصفه لنا؟ وهل تعرفه؟
ويضيف أبو كريم أنه تقدم بشكوى إلى محكمة العدل العليا عن طريق المحامية ليندا براير، مشيراً إلى أن المحكمة أصدرت قراراً بحماية المنزل من المستوطنين، وتوفير الحماية لساكنيه، ولكن بعد عملية شارع المصلين، قام الجيش الإسرائيلي بإحضار جرافة وأزال السور المحيط بالمنزل، وتم تجريف الأرض وتخريبها بشكل كامل، وتركوا المنزل كتلة من الجدران فقط بقرار عسكري بهدم المنزل كلياً.

ويقول أبو كريم أنه رفع دعوى ضد قرار الهدم عن طريق المحامي شلومو ليكر، وتم إيقاف قرار الهدم حتى استصدار قرار أخر.

ويقول أن المستوطنين والجيش أحاطوا المنزل بالأسلاك الشائكة، الأمر الذي منع أبو كريم وعائلته الوصول إليه إلا بصعوبة بالغة.ويشير أبو كريم إلى أن المحكمة الإسرائيلية أوفدت خبير بعلم النفس الدكتور موشيه لاندزمان وأجرى تحليلات نفسية على أطفاله، ووجد أن الأطفال يعانون من حالات نفسية واضطرابات غريبة، وأوصى في كتابه أنه يجب منع المستوطنين من إلقاء الحجارة على منزل شاكر دعنا، ويجب إخراج الأطفال من المنزل لفترة نقاهة.

ويشير أبو كريم إلى أنه نتيجة هذه المخاطر والألم استأجر منزلاً في حي جبل جوهر ويبعد حوالي كيلو متر عن منزله الأول.

ويقول أبو كريم أنه بعد تعرض أبنه محمد لاعتداء من قبل الجنود الصهاينة جاء محقق من بتسليم موسى أبو هشهش، وحقق في القضية، وتأكد أن الجنود ضربوا محمد، وأن المواطن ماهر العجلوني هو الذي أنقذه، ولكن العجلوني خشي على نفسه من الاعتقال والمسائلة ولم يذهب للمحكمة، وتم التحقيق مع محمد وتم إدانة الجنود، وطالبت المحكمة مواصلة التحقيق لكن شيئاً لم يحدث.

ويضيف أبو كريم أنه سيقدم الآن على خطوة جديدة، لإنقاذ المنزل من براثن المستوطنين وهي أنه يطلب مرة أخرى من السلطة الفلسطينية أن تشتري المنزل، وتضع يدها عليه وتعتبره من أملاك الدولة لأن المواطن الفلسطيني الذي يعيش ضمن هذه البؤر الاستيطانية لا يستطيع وحده أن يحمي منزله إذا لم توفر له الدولة هذه الحماية.