شاهد عيان يروي تفاصيلها في الذكرى الخامسة لمجزرة مخيم جنين

شاهد عيان يروي تفاصيلها في الذكرى الخامسة لمجزرة مخيم جنين

عاش مخيم جنين فترة عصيبة تبقى محفورة في ذاكرة أهله طوال الأوقات ولكنه يتذكره كل ما اقترب به الزمن من نهاية آذار وبداية نيسان من كل عام حيث تفاصيل مجزرة تقشعر لها الأبدان وكلما التقي أهالي المخيم كلما كانت حكايات جديدة ومتجددة حول هذه المجزرة.

سعيد حمدان من أبناء المخيم وممن عاشوا فترة الاجتياح الكبير يروي بعضا من تفاصيلها كما رآها من موقعه في وسط ساحة المخيم حيث حولتها بلدوزرات الاحتلال إلى أثرا بعد عين بعد أن سوت منازلها الأرض وشردت أكثر من خمسة آلاف مواطن كانوا يسكنون تلك المنازل.

يبدأ سعيد هذا اللقاء بوصف ما كان قبل الاجتياح حيث يقول قبل الاجتياح كان هناك اجتياح آخر سمي بالاجتياح الصغير بعرف أهل المخيم حيث حوصر المخيم لمدة أسبوع وكان هناك انطباع لدى الأهالي أن شيئا ما يدبر لأهل المخيم وعليهم اخذ الحيطة والحذر والاستعداد من كافة الجوانب كالاستعداد لتوفير المأكل والمشرب والتدفئة وغيرها ولكن لم يكن يتصور أن يكون هذا الاجتياح لدرجة الهدم بدليل أن الأهالي لم يقوموا بإخلاء منازلهم.

ويتابع حمدان في ليلة الاجتياح كان هناك إحساس وهاجس أنها ليلة الهجوم الاحتلالي وفي الليل كان الأصدقاء من كل حدب وصوب حول جنين يوفدون لنا أخبار تقدم الدبابات نحو المدينة.

استعداد الناس

يقول سعيد حمدان قامت التنظيمات بتوزيع الأغذية في منازل معينة إضافة إلى تقسيم الأدوار على الجميع بالإضافة إلى أن معظم الناس أخذت القرار بعدم الإخلاء حيث كانوا يعتقدون أن وجودهم سوف يمنع حدوث مجزرة.

يوميات الاجتياح


يتابع حمدان عن أول أربعة أيام حيث كانت الطائرات تقصف من السماء والاشتباكات في محيط المخيم لا تهدا والتيار الكهربائي كان قد قطع منذ اللحظة الأولى وكان الأهالي يجتمعون ليليا ويتداولون في احتماليات ما سيكون وتوقعات لما سيقوم به جيش الاحتلال.

وفي الليلة الرابعة يقول سعيد حمدان ذهبت لمنزل أخي حيث قامت قوات الاحتلال بقصف منزل يعود للمواطن أبو محمد أبو سرية بعدة صواريخ ما أدى إلى هدم الواجهة الأمامية لمنزل شقيقي وبعدها أخذت كامل العيلة والجيران وذهبنا إلى منزل أبو رضا الفارس وفتحت المنزل وانضمت إلينا عدد من الجيران.

ويضيف حمدان وفي اليوم الخامس دخل الجيش علينا من الشبابيك واحضروا معهم عائلتي الحوراني وسليمان الشلبي حيث أصبح العدد يقارب 56 شخصا من كافة الأعمار وقام جيش الاحتلال بفصل الشباب من الموجودين حيث قيدونا ووضعونا في منزل مجاور.

وأخذني جيش الاحتلال كدرع بشري لفتح أبواب المنازل حيث فتحت أول بيت بعد أن فجروا أبوابه وأوقفوني على احد شبابيك الطابق الثاني وهي مقابلة لمنزلنا وكانت لديهم خرائط وعليها أرقام ومن ثم قصفوا شبابيك منزلي أمامي وبعد ذلك أعادوني إلى المنزل حيث الشبان المحتجزين واخذوا مكاني ابن أختي إلى منزل أبو علي عويس كدرع بشري وقد اتخذ جيش الاحتلال المنزل كنقطة مراقبة حيث ربطه جيش الاحتلال ووضعوه كدرع بشري أمام شبابيك المنزل وفي المساء أعادوه إلينا وطلبوا منا عدم مغادرة البيت الذي نتواجد فيه.

وفي إحدى الليالي طلب جيش الاحتلال وعبر مكبرات الصوت من الشباب بتسليم أنفسهم ونتيجة للرفض طلبوا من الأهالي بإخلاء كافة المنازل والتوجه إلى المدرسة أو مصنع طوب السعدي.

وأثناء الإخلاء وهو بعد اليوم السابع بدأنا نسمع صوت هدير جرافات الاحتلال وكان توقعنا هو تنظيف الشوارع إلا أنهم كانوا يقومون بحرث البيوت وفي هذه الأثناء تمكنت من الحصول على جهاز بلفون حيث اتصلت مع الأخ مروان الوشاحي وعلمت منه أن والدته وشقيقه قد استشهدا إضافة إلى معرفة عدد آخر من أسماء الشهداء.

في اليوم التاسع طلب مني مروان أن ابحث عن شقيقه وتوجهت إلى منزل خليل النورسي حيث وجدت العديد من الشبان يقومون بالبحث عن الشهداء وأثناء البحث وجدت أرجلا فقط ويبدو أن جرافات الاحتلال كانت قد داست على جثث الشهداء فاتصلت بمروان وأبلغته عن احتمالية أن تكون هذه الأرجل لشقيقه وأثناء عملية الحفر بين الأنقاض والبحث عن الشهداء وجدنا جثثا لعدد من الشهداء فقمنا بدفنها في المقبرة المؤقتة.

وفي آخر أيام الاجتياح وجدت جثة الشهيد أبو جندل ملقاة على احد أنقاض المنازل فاتصلت بأخيه وأبلغته عن استشهاد شقيقه.

وخلال ذلك اليوم دخلت علينا مجموعة من جنود الاحتلال يقدرون من 20 – 30 جندي يحملون البلطات والعصي ويقومون على ما يبدو بعملية تمشيط واسعة حيث كانوا يدمون كافة أثاث المنازل التي لم تهدم وعندما شاهدونا شرعوا بالاستعداد لإطلاق النار علينا إلا أنهم تراجعوا لاحقا عندما رأونا مقيدين فقاموا بتجميعنا مع العشرات من النساء والأطفال واخذوا يحققون معنا لفترات مختلفة.

معيشة المواطنين

يضيف حمدان أن المواطنون شرعوا منذ ما قبل الاجتياح بتخزين المواد الغذائية التي لا تعطب أو لها مدة صلاحية معينة استعدادا لأيام الاجتياح حيث تمكن أهالي المخيم من الصمود لفترات طويلة بسبب تناولهم الغذاء والذي يحتوي على الحبوب والبقوليات كالعدس والفول والحمص وغيرها وحتى خلال فترة الاجتياح كان هناك دعم من قبل الأهالي بعدم الخروج من المنازل ما حذا بالجميع للتكاتف من اجل توفير مقومات الصمود داخل المنازل رغم صعوبة الأوضاع والهجوم الاحتلالي وحتى خروج الناس من منازلهم كان بالإكراه بعد قيام جيش الاحتلال بهدم المنازل والمساكن على أصحابها دون رأفة أو رحمة.

يذكر أن مخيم جنين قدم خلال هذا الاجتياح حوالي سبعين شهيدا من أبناء المخيم والقرى والبلدات المجاورة الذين قدموا للدفاع عن ارض المخيم والتصدي لهذا العدوان إضافة إلى مئات الجرحى والمعتقلين وأكثر من خمسة آلاف مشرد بعد هدم منازلهم حيث تشتتوا في القرى والبلدات المحيطة بجنين إضافة إلى المدينة إلى أن تم إعادة بناء منازلهم والعودة إليها والاهم من ذلك فقد هدمت قوات الاحتلال بجرافاتها اربعماية وستون منزلا بالكامل وسوت تلك المنازل بالأرض وجعلتها أثرا بعد عين وخلفت خرابا ودمارا اقل وصف له على لسان العديد من زائريه في تلك الفترة بأنه زلزال كبير حل في المخيم.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص