فيصل الحسيني، الذكرى الثالثة لرحيل الفارس عن مدينته

فيصل الحسيني، الذكرى الثالثة لرحيل الفارس عن مدينته


لا يمكن الحديث عن فيصل الحسيني دون البدء من القدم من اصل هذه العائلة الفلسطينية العريقة والتي لها تاريخ طويل في محاربة الاحتلال الإنجليزي أو اليهودي لمدينة القدس..جده هو موسى كاظم الحسيني، الذي وضعه الإنجليز في منصب رئيس بلدية القدس لكي يبعدوه عن السياسية وعندما رفض ضغطوا عليه فاستقال من منصبه، وترأس "المؤتمر العربي الفلسطيني" أول تنظيم فلسطيني للمقاومة بعد وعد بلفور، وقاد الحاج موسى مظاهرات كبرى ضد الإنجليز في القدس، وأصيب بجروح في احدها المظاهرات سنة 1933، وهو في الثمانين من عمره ما لبث أن توفي متأثرا بهذه الجراح أما والد فيصل فهو عبد القادر الحسيني الذي حمل لواء الجهاد ضد الإنجليز واليهود، أصيب أثناء ثورة 1936 وألقت القوات البريطانية القبض عليه، لكنه تمكن من الفرار إلى دمشق حيث عولج هناك. تدرب على استعمال المتفجرات في بغداد وألمانيا، وشارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941 ثم عاد ليعمل قائدا لجيش الجهاد المقدس وحاربهم حتى استشهد في معركة القسطل في الثامن من نيسان 1948 وعمه الحاج أمين الحسيني مفتي القدس، الذي حمل لواء القضية الفلسطينية لسنوات عديدة داخل وخارج فلسطين حتى وافته المنية 1974م.
ولد فيصل الحسيني في بغداد عام 1940، عندما كان والده معتقلا في السجون العراقية بعدما اعتقلته السلطة العراقية، التي لم تفرج عنه إلا إذا أبدى بلد آخر استعداده لاستقباله كلاجئ سياسي، حتى أعلن الملك "عبد العزيز آل سعود" استعداده لاستقبال عبد القادر وأسرته، فانتقلوا إلى السعودية. تعلم خلالها فيصل مبادئ القراءة والكتابة على يد والده، الذي كان يهتم بتنشئة ابنه، فكان يصطحبه معه في رحلات؛ لتسلق الجبال، والتعرف على أنواع الصخور. واستفاد من والدته ذات الذوق الرفيع، التي كانت تهتم بالرسوم التوضيحية المزينة بالفسفور؛ حتى تكوّن مادة شيقة في تعليم أطفالها.

انتقل بعدها للقاهرة وأكمل دراسته الإعدادية والثانوية الجامعية في القاهرة وتعرف على ياسر عرفات في الجامعة وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 تقدّم بطلب للانضمام للقوات المسلحة المصرية، واشترك في حركة القوميين العرب عام 1957. كما شارك في إنشاء وتأسيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين عام 1959، وانضم لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1965، ثم التحق بأكاديمية الضباط السورية، وبعد أن أنهى دراسته العسكرية بها انضم إلى جيش التحرير الفلسطيني عام 1967.
عندما احتل الإسرائيليون القدس الشرقية بعد حرب حزيران "يونيو" 1967، قرر فيصل العودة إلى القدس بعد شهر ونصف من الحرب فعاد إليها واستقر في حي "الصوانة" بالقدس الشرقية المحتلة، ولم يترك العمل الوطني وإنما بدأ يجدد نشاطه الوطني فاعتقل لأول مرة في أكتوبر 1967، ثم حُكم عليه بالسجن لمدة عام بتهمة حيازة أسلحة. وبعد خروجه تعرض للحبس والمضايقة والاعتقال من جانب السلطات الإسرائيلية لصلاته بمنظمة التحرير الفلسطينية. لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة النضال والعمل الوطني.
توصل فيصل الحسيني إلى قناعة أن التوثيق التاريخي جزء مهم في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية فأسس "مجمع الدراسات العربي" (بيت الشرق) وترأس هذا المجمع منذ إنشائه عام 1979 وبيت الشرق هو المقر غير الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس الشرقية وبدأ كجمعية فكرية ثقافية علمية تسعى لتوثيق وترسيخ الوعي القومي في فلسطين، فكانت مؤسسة رائدة بنشاطات متعددة ونذر جهده البحثي في التنقيب عن التراث الفلسطيني، وإعداد الخرائط التي تثبت أحقية الفلسطينيين في القدس، وكذلك التنقيب عن المستندات الدالة على ملكية الفلسطينيين للمباني والمنازل والأراضي، وخاصة تلك التي في القدس الغربية؛ لذا حظي بشعبية كبيرة في الأوساط العربية في القدس.

وتشكلت تحت مظلة هذه الجمعية عدة مراكز ودوائر من مكتبة فلسطينية متخصصة، إلى دائرة توثيق وأرشيف متكاملة، إلى مركز للإحصاءات والتخطيط، ومركز جغرافي، ومركز لأبحاث الأرضي ومراقبة الانتهاكات الاحتلالية، إلى مركز لحقوق الإنسان، عملت جميعها بصورة متناغمة استقطبت الجمهور الفلسطيني والعربي _ وبرهنت للعالم أجمع بأن فلسطين أرضاً وتاريخاً وثقافة هي للفلسطينيين ، وعندما اضطرت دوائر صنع القرار الدولية الالتفاف نحو ضرورة ايجاد حل عادل للقضية العربية في فلسطين .

وجدت من هذه المؤسسة بقيادتها المميزة بشخصية فيصل الحسيني،وبرمزية المكان الذي تستخدمه وهو "الأورينت هاوس" بيت اسماعيل الحسيني الذي حافظ على ملامحه العربية الفلسطينية الأصلية ،نقول وجدت من هذا المثلث المتكامل –المؤسسة-القائد-المبنى التاريخي-الموقع الملائم لانطلاق عملية سياسية اقليمية ودولية .

بذلك تحول مقر جمعية الدراسات العربية ودوائرها إلى خلية نحل تعمل في كل الاتجاهات … مما تطلب الأمر إضفاء بعداً سياسياً عليها فانطلق هذا البعد باسم بيت الشرق للتحرك على مستوى سياسي أعلى وأعمق فتشكلت دائرة العلاقات الدولية ودائرة العلاقات العربية ، ومركز الخدمات الاجتماعية ، ومركز الخدمات القانونية ، ودائرة للشكاوي واحتياجات الجمهور ، وقسماً للتنسيق مع المؤسسات المقدسية الصحية والتعليمية والشبابية ، وأقسام للحوارات الفكرية والسياسية والدبلوماسية ودراسات السلام .
ينتمي فيصل الحسيني إلى المدرسة السياسية الواقعية التي تعترف بحق إسرائيل في الوجود، ويدعو إلى تطبيق قرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي وبالأخص قراري 242 و338، ويطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين أو بحقهم في التعويض، ويؤكد أن خيار السلام هو أفضل الخيارات المتاحة أمام السلطة الوطنية الفلسطينية في الوقت الحالي وليس معنى ذلك الدعوة إلى وقف الانتفاضة -كما قال في الندوة العالمية للقدس التي عقدت في قطر في نوفمبر/تشرين الثاني 2000- إذ يرى أن أهمية الانتفاضة تكمن في أنها "تسبب قلقاً لإسرائيل، ويزداد معها رجل الشارع الإسرائيلي كل يوم قناعة -حينما يرى إصرار الفلسطينيين على التظاهر والمطالبة بحقوقهم– بأن هذا المكان الذي احتلوه لا يمكن أن يبقوا فيه". وبالنسبة لتأثيرها في المجتمع الدولي فيرى أهميتها في "تغيير قناعات الرأي العام العالمي، وحشد المواقف العربية والإقليمية في صف القضية الفلسطينية".

أجرى فيصل مباحثات مبكرة مع بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية لوضع أسس التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولأول مرة تخرج من مكتبه وثيقة استقلال فلسطين سنة 1988. كما رأس الوفد الفلسطيني الذي اجتمع مع وزير الخارجية الأمريكي "جيمس بيكر"، وهو الاجتماع الذي مهد لبدء محادثات السلام في مدريد في أكتوبر 1991م.

وفي إبريل 1993 أصبح رئيسا للوفد الفلسطيني في محادثات واشنطن، خلفا "لحيدر عبد الشافي". وبعد اتفاقات أوسلو رفضت إسرائيل أن ينضم إلى زعامة السلطة الوطنية الفلسطينية، بحجة أنه يعيش في القدس.

وقد عُين الحسيني عام 1996 في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مسئولا عن ملف القدس. ومن هذا الموقع شارك في اجتماعات مجلس وزراء السلطة الوطنية الفلسطينية.

ويعتبر البعض هذه الأطروحات تراجعاً عن خط الكفاح الوطني العسكري والسياسي الذي تميزت به أسرة الحسيني ذات التاريخ الوطني العريق.
تعرض لبعض محاولات الاغتيال من جانب المستوطنين اليهود؛ ففي صيف 1995م أطلقوا الرصاص على منزله، وهو بداخله؛ فحطموا بعض السيارات، كما أن سيارة إسرائيلية حاولت أن تصطدم بسيارته، لكنه نجا من المحاولتين. وعندما اتخذت الحكومة الإسرائيلية بزعامة "بنيامين نتنياهو" قرارا ببناء مستوطنة إسرائيلية في" جبل أبو غنيم" بالقدس، تصدّى فيصل لهذا القرار، وقاد مظاهرة ومسيرة انتهت إلى الموقع الذي تبني فيه إسرائيل المستعمرة، فتعرض هو ومن معه لضرب مبرح من القوات الإسرائيلية، وكان يكفي وجود فيصل الحسيني في أي مسيرة؛ حتى تنتفض السلطات الإسرائيلية لمنع هذه المسيرة ووقفها.

 


وفاته في الكويت


"تحملت كل صنوف القهر والظلم والأذى من العدو الإسرائيلي، ولكن قلبي لم يتحمل قسوة كلمات بعض أهل الكويت.. فظلم ذوي القربى أشد وأقسى"


هذه آخر الكلمات التي قالها بعد التصريحات الجارحة التي أدلى بها بعض المسؤولين الكويتيين في أول محاولة لوضع حد للخصومة بين الكويت والسلطة الوطنية الفلسطينية، القائمة منذ عام 1990 عندما اعتبرت الكويت موقف منظمة التحرير الفلسطينية مساندا للعراق، إلا أنه أصيب بأزمة قلبية ووافته المنية في 31 مايو2001 وحُمل جثمانه إلى القدس، وشيعه إلى مثواه الأخير 20 ألفًا من أبناء القدس في جنازة مهيبة؛ حيث دُفن في باحة الحرم القدسي الشريف بجوار أبيه وجده. وهذه هي المرة الأولى التي يُدفن فيها فلسطيني في هذا المكان منذ احتلال إسرائيل للقدس عام 1967.


وحاولت حركة "أمناء جبل الهيكل منع دفنه في هذا المكان ورفعت طلبا للمحكمة الإسرائيلية العليا ولكن المحكمة رفضت طلبها وبررت المحكمة حكمها بأن أي عراقيل أمام مراسم التشييع سيكون من شأنه إثارة حوادث خطيرة.


ولكن رحيل فيصل لم ينه سيرة هذه العائلة الفلسطينية العريقة التي سيخلدها التاريخ ولن ينساها الفلسطينيون أبدا. (المصدر:مركز الإعلام و المعلومات )