ســـيناريوهات الخروج من متاهة الواقع الفلسطيني

ســـيناريوهات الخروج من متاهة الواقع الفلسطيني
كاريكاتير - ناجي العلي

 في ظل انسداد الأفق السياسي في الحالة الفلسطينية نتيجة لسياسة الغطرسة الإسرائيلية، وتغول الاستيطان وفرض الأمر الواقع الناتج عن اختلال موازين القوى، يشخّص سياسيون ومحللون فلسطينيون حالة إحباط وقلّة حيلة في الشارع الفلسطيني ينبئ بانفجار وشيك، ويطرح البعض خيارات متعددة كحل السلطة الفلسطينية، أو التنصل من الاتفاقات مع إسرائيل. ما هي حقيقة الحالة الفلسطينية؟ وما هي الخيارات المطروحة أمام الشعب الفلسطيني لتجاوز النفق؟ أسئلة وجهتها صحيفة «فصل المقال» لعدد من الكتاب والمحللين الفلسطينيين.

خليل شاهين: ثمن استمرار الوضع الحالي سيكون باهظًا
يقول الكاتب والمحلل السياسي، خليل شاهين: "من الواضح أن ثمن استمرار الوضع الراهن في غياب أفق سياسي لعملية تفاوضية بعيدة عن تأثير الاختلال الفادح في ميزان القوى لصالح دولة الاحتلال سيكون باهظا جدا بالنسبة للفلسطينيين، إذ يمكن هذا الوضع إسرائيل من مواصلة سياسة فرض الوقائع على الأرض بقوة السلاح والاستيطان والجدار، كما يقطع الطريق على إمكانية تبني خيارات إستراتيجية فلسطينية تغادر مربع المفاوضات المرتهنة شكلا ومضمونا إلى الاختلال القائم في ميزان القوى، وتسعى إلى تغييره من خلال إعادة النظر في شكل ودور ووظائف السلطة بما يحول دون تحولها إلى وكيل للاحتلال يطيل بقاءه بدلا من إنهائه، وتعمل على بناء خيار المقاومة الشاملة للاحتلال في "ميادين تحرير"  فلسطينية في القدس ومحيطها، وعلى تخوم المستوطنات والجدار، وتستند قبل كل ذلك إلى تحقيق الوحدة الوطنية بإعادة بناء منظمة التحرير ومشروعها الوطني الجمعي للفلسطينيين جميعا في الوطن والشتات، ونقل ملف القضية الفلسطينية برمته إلى الأمم المتحدة، والاستفادة مما هو قادم في المنطقة العربية من ترسيخ لقيم الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية التي تمثل جوهر القضية الفلسطينية من جهة، والمعادية في جوهرها لمعاني وممارسات الاحتلال والاستبداد والعنصرية التي تمثلها إسرائيل من جهة أخـــــــــــرى".

ويضيف شاهين: "ويبدو أن السيناريوهات المفضلة إسرائيليا، تبدأ أولا بسيناريو استمرار الوضع الراهن وتعميق نظام السيطرة الاحتلالي الاستيطاني العنصري- سيناريو نهاية فكرة الدولة، وثانيا سيناريو التسوية المؤقتة عبر عملية تفاوضية تفضي إلى موافقة فلسطينية على دولة ضمن حدود مؤقتة تتحول مع الزمن إلى حدود أبدية (حل الدولتين الشكلي)، وثالثا - وليس آخرا - سيناريو "الانفصال" الأحادي الجانب الذي يستنسخ خطة التجميع أو الانطواء التي كان باشر بتنفيذها أرئيل شارون، وتبدو مآلاته النهائية مفتوحة على سيناريوهات مثل دولة في بقايا الضفة الغربية، أو دفع كل من مصر والأردن لاتخاذ تدابير مختلفة من السيطرة والمسؤولية الأمنية في كل من قطاع غزة والضفة الغربية.

عمليا، يتمثل جوهر ما تقوم به إسرائيل على الأرض بالسعي لفرض الأمر الواقع بالاستفادة من ميزات استمرار الوضع الراهن، وبالمزج بين الدعوة إلى تسوية مؤقتة والعمل على خلق الوقائع الجديدة بقوة الاستيطان والتهويد والتطهير العرقي لجعل الدولة ضمن الحدود المؤقتة الخيار الوحيد المتاح أمام الفلسطينيين داخل غرف المفاوضات، أو فرضه عليهم خارج غرف المفاوضات إن رفضوا عبر ما يسمى  "الانفصال الأحادي الجانب".

ويتابع: "تطور الوضع على الأرض من حيث مستوى تقدم المشروع الصهيوني الاستيطاني بات يستلزم طرح إستراتيجية جديدة للكفاح التحرري الفلسطيني تقوم على أساس الاقتناع بان لا حل وطنيا في الأفق للقضية الفلسطينية، وأن الفلسطينيين لا يقفون اليوم أمام مفترق الاختيار بين "حل الدولتين" أو "حل الدولة الواحدة أو ثنائية القومية"، فلا هذا ولا ذاك في متناول اليد. وفي ضوء ذلك، لا بد من العودة لإحياء المشروع الوطني التحرري الجمعي المستند إلى خطاب الحقوق التاريخية والمتمسك إستراتيجيا بالمطالبة بإنهاء الاحتلال والعنصرية وممارسة حق تقرير المصير بصفته حقًا جمعيًا لكل الفلسطينيين أينما كانوا في نطاق فلسطين التاريخية، وفي الشتات".

خطة عمل إستراتيجية تركز على إفشال السيناريوهات المفضلة لإسرائيل
ويضيف شاهين: "لكن، إلى حين التوافق على هذه الإستراتيجية الوطنية الشاملة، هناك ضرورة للتوافق على خطة عمل إستراتيجية تركز على إفشال السيناريوهات المفضلة لإسرائيل مثل استمرار الوضع الراهن والتسوية المؤقتة والانفصال أحادي الجانب. وفي ظل واقع التجزئة والانقسام وتآكل شرعية التمثيل الوطني وتراجع دور الحركة الوطنية التقليدية، والعوامل المؤثرة في بيئة الصراع إقليميا ودوليا، فإن قدرة الفلسطينيين على وقف اندفاع إسرائيل في سيناريو فرض الأمر الواقع وفق الرؤية الإسرائيلية تبدو محدودة جدًا في المدى المنظور، في حين يبدو إفشال سيناريو استمرار الوضع الراهن الأسهل من حيث قدرة الفلسطينيين على تبني سياسات واتخاذ إجراءات تحول دون استمرار إسرائيل من توظيف ميزات الوضع الراهن لصالح تقدم مشروعها، بما في ذلك الاستفادة من القيود والالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية المفروضة على منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو، وهي الجزء الوحيد المتبقي من هذا الاتفاق، بل ومكنت إسرائيل من إعادة تشكيل دور ووظائف السلطة كوكيل إداري وأمني واقتصادي لسلطة الاحتلال نفسها".

أفق التغيير
ويؤكد شاهين أن جزءا مهما من عناصر خطة العمل هذه سبق تداوله دون أن يجد له آذانا صاغية لدى القيادة الفلسطينية، ولكن يجدر النظر في توسعيه في ضوء المتغيرات في بيئة وتطورات الصراع وما حققه المشروع الصهيوني الاستيطاني من تقدم على أرض الواقع، بما يشمل:

1- العمل على تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية من خلال إعادة النظر في مسار المصالحة الوطنية الذي وصل إلى طريق مسدود وبات يقتضي وضع المصالحة ضمن مشروع إحياء المشروع الوطني وحامله المعبر عنه في منظمة التحرير الفلسطينية.

2- الخروج من قواعد ومحددات اتفاق أوسلو وقيوده، بما في ذلك إعادة النظر في شكل ودور ووظائف السلطة، وبما يحولها من وكيل إداري وأمني واقتصادي لسلطة الاحتلال إلى "سلطة" أو أداة لحركة التحرر الوطني (منظمة التحرير بعد إعادة بنائها)، لا يعني ذلك اتخاذ قرار بحل السلطة، بل اتخاذ إجراءات عملية تطال بنيتها ودورها، وقد تصل إلى حد إلغاء منصب رئيس السلطة لصالح منصب رئيس منظمة التحرير، وإلغاء تشكيلة الحكومة من النظام السياسي الحالي المنقسم على نفسه لصالح تشكيل قيادة تتولى إدارة شؤون المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال (مثلا، قيادة وطنية موحدة).

وكذلك الاكتفاء بانتخاب ممثلين في المجلس الوطني يتولون أيضا في الضفة والقطاع مهمة "التشريع" الخاصة بالبيئة المنظمة لحياة الفلسطينيين، مع مراعاة خصوصية قطاع غزة بسبب عدم وجود احتلال مباشر داخله. باختصار، يدور الحديث هنا عن استبدال السلطة القائمة بسلطة أخرى لا تنسحب من دورها في إدارة شؤون مجتمعها، كما ينسجم دورها مع المرحلة المقبلة التي ينبغي أن يكون عنوانها إحياء المشروع الوطني التحرري الجمعي، وفتح الصراع مع المشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري.

3- صياغة إستراتيجية فلسطينية شاملة منسقة الأهداف والأدوات، وتوظف كل عناصر القوة المتاحة والكامنة لدى الشعب الفلسطيني وتزجها في مقاومة الاحتلال بمختلف الأشكال المشروعة وفق القانون الدولي، مع التركيز على المقاومة السلمية الشعبية، والعمل على تعبئة وتمكين الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

4- العمل على إعادة حشد حركة التضامن الدولية.

5- العمل على استعادة الأبعاد العربية والدولية للقضية الفلسطينية وإعادتها إلى الأمم المتحدة لكي يتم التعامل معها على أساس القانون الدولي، مع دراسة خيار التدويل.

6- التعامل مع التوجه نحو الأمم المتحدة، بما في ذلك للحصول على عضوية الدولة المراقبة، كأحد مكونات خطة إستراتيجية ترمي لدفع المجتمع الدولي للتعامل مع نظام الاحتلال والاستيطان والعنصرية برمته باعتباره غير شرعي وغير قانوني وليس فقط ممارساته وإجراءاته على الأرض.
ماجد كيالي: التغيير ضروري.

 

إنهاء وظيفة السلطة الأمنية
من جانبه يرى المحلل السياسي ماجد كيالي أن أخطر شيء في ظل انسداد الافق السياسي، والغطرسة الإسرائيلية، وضمن ذلك استفحال الاستيطان، وخلق الوقائع التي تحول دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، المفترضة، الاستمرار بالتشبث بنفس الطريق الذي انتهجته القيادة الفلسطينية طوال العقدين الماضيين، ولاسيما خلال السنوات الثماني الماضية (بعد انتهاء الانتفاضة الثانية ورحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات). لذا مهما كان الوضع فإنه ينبغي التغيير، ينبغي الخروج من حال الجمود والتكلس والاذعان السائدة حاليا".

وعن السبل والخيارات البديلة يقول كيالي: "ثمة خيارات من ضمنها حل السلطة، وتحميل اسرائيل مسؤولياتها كدولة احتلال، وهي ما زالت كذلك، وكل مافي الأمر أنّ ثمة سلطة فلسطينية محدودة الصلاحيات، باتت كانها بمثابة وكيل، كأمر واقع. هذا وضع ينبغي الانتهاء منه، وكشف حقيقة الأمر. هذا يعني انه ينبغي الانتهاء من التنسيق الامني، وحث مقاطعة اسرائيل، ووقف الاتفاقات الاقتصادية المجحفة الموقعة معها، ولتتحمل اسرائيل مسؤولية الأمر".

الخيار الآخر بحسب كيالي يتمثل بتحويل وظائف السلطة الفلسطينية، أي انهاء وظيفتها الأمنية، والسياسية، كوكيل وكحارس لأمن اسرائيل، وتحويلها الى سلطة وطنية حقا للفلسطينيين، أي إدارة أوضاع الفلسطينيين، وهذا يعني فك ارتباط من طرف واحد مع إسرائيل، من جانب الفلسطينيين هذه المرة. هكذا تقوم السلطة بوظيفتها كإدارة لأحوال الفلسطينيين، وفقط. وهذا الخيار يعني انهاء حال التماهي بين السلطة والكيانات السياسية الفلسطينية الأخرى، فالسلطة مهمتهاإادارة الوضع الفلسطيني، ومنظمة التحرير، وفصائلها، مهمتها الاستمرار بعملية التحرر الوطني، بما في ذلك حث النضال، بالوسائل الممكنة، والمشروعة، ضد اسرائيل".

ويضيف كيالي: "في الحالتين يبنغي الانتهاء من حال الاحتلال المريح والمربح لإسرائيل، ينبغي أن يشعر الإسرائيليون بأن ثمة ثمن للاحتلال وللاستيطان، وللتعنت والغطرسة، لكن بالوسائل المجدية، التي تضمن حث الانشقاقات، والتناقضات في المجتمع الاسرائيلي".

ويتابع: "باختصار اعتقد ان الفلسطينيين يجب ان يتسلحوا برزمة خيارات، وعدم الانحصار بخيار واحد (حل الدولة الفلسطينية المسقلة في الضفة والقطاع)، وضمن ذلك التسلح برؤية سياسية مستقبلية، تربط بين المرحلي، والممكن، والمستقبلي المتوخى، وهذا بطرح فكرة الدولة الديمقراطية الليبرالية، التي تعني دولة المواطنين المتساوين الأحرار، بدون اي تمييز بينهم".

"أي، ينبغي تضمين المشروع الفلسطيني قيم الحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة، وليس الانحصار في القيم المتعلقة بالارض، والتي تجعل الصراع على فلسطين، وكأنه صراعا عقاريًا، أو جغرافيا. هذا لا يعني القطع مع فكرة الدولة المستقلة، فهذه ستبقى في نطاق التداول، لكن ذلك يوسع أفق هذا الفكرة، ويربطها بالتطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المنطقة، وبقيم الحرية والكرامة والمساواة والعدالة. ولأن فكرة الدولة المستقلة لاتلبي مختلف حقوق الفلسطنيين، لأنها تغيب حق اللاجئين  48، ولأنها تقصي فلسطينيي 48 من مفهوم الشعب الفلسطيني، ولأنها لا تجاوب على وجود اليهود الاسرائيليين في إسرائيل، اي ان هكذا حل يضمن عناصر الحقيقة والعدالة والمساواة والكرامة للجميع، وان بشكل نسبي، على اساس العمل من اجل مستقبل افضل".

غسّان خطيب: من سيتخذ القرارات الإستراتيجية؟
من جانبه رأى د. غسان الخطيب، المحاضر في جامعة بير زيت،  أن حل السلطة غير وارد،  متسائلا: "هل الخيار هو بين أن نبقى كما نحن علية او نتخلص من كل شيء؟  فهل يعني حل السلطة وإنهاء الاتفاقات إعادة المائة الف فلسطيني الذين عادوا  مع أوسلو إلى تونس؟ وإعادة مسؤلية المدارس لضابط من الإدارة المدنية الإسرائيلي؟ وتسليم جوازات سفرنا إلى إسرائيل و العودة لطلب الجنسية منهم؟ ألا يمكننا ان نكون خلاقين بعض الشيء؟ ان نكون انتقائيين مثلا؟ ان نعيد تعريف العلاقة مع اسرائيل وفق المصلحة الفلسطينية؟ نتخلص مما لا يناسبنا و نتمسك بما يناسبنا؟ مع حساب الربح والخسارة بشكل موضوعي وليس مزايدات!

"ولكن السؤال الأكبر هو: من يقرر مثل هذا الامر الخطير الذي له ما بعده؟ المجلس التشريعي الذي لا يعمل؟ ام منظمة التحرير؟ وهل الشعب الذي ينفذ وتقع عليه التبعات والذي يدفع الثمن ينظر إليهما كقيادة؟ لماذا لا نجري انتخابات مجلس تشريعي ومجلس وطني لانتاج جسم منتخب مؤهل لمثل هذة القرارات الجذرية؟"
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018