الشارع الفلسطيني أمام تلبية نداء الانتفاضة أم الصمت؟

الشارع الفلسطيني أمام تلبية نداء الانتفاضة أم الصمت؟
صورة بعدسة أحمد مظهر/ من مواجهات يوم الجمعة

استشهد الأسير عرفات جردات في غرف "العصافير"..هذا ما أكده أسرى سجن مجدو للمحامي محمد العابد، على أثر ذلك أعلن الأسرى ثلاثة أيام حداد وأرجعوا وجبات الغذاء المقدمة من إدارة السجن..أما الشارع فانقلب رأسًا على عقب.. معتقل عوفر شهد أعنف المواجهات بين المتظاهرين والجنود الإسرائيليين.. نابلس والخليل وبيت لحم وكافة المدن والبلدات الفلسطينية خرجت غاضبة فهل نحن أمام انتفاضة ثالثة؟
 

الشعوب يحركها الوجدان لا قوانين الفيزياء
د. أحمد رفيق عوض الكاتب والمحلل السياسي ودكتور الإعلام في جامعة القدس في ابو ديس علق على إمكانية اندلاع انتفاضة في الوقت الراهن قائلاً: رغم أن الظروف مثالية لاندلاع انتفاضة كتهويد القدس والإذلال المستمر للشعب الفلسطيني  ومعركة أسرى وآخرها استشهاد الأسير عرفات جرادات، أضيف إلى ذلك  ما يعاني منه كل فلسطيني، من إحباط سياسي وجدار فاصل وفقر وتجويع، يعني الأرضية جاهزة للانتفاضة منها الإنقسام الفلسطيني-  الفلسطيني الذي يحبط العمل الجماهيري، زد على ذلك عنف الإحتلال وقسوته واستعداده الجيد واستخلاصه للعبر من الإنتفاضتين الأولى والثانية.  أيضًا السلطة الفلسطينية لها رأي مختلف من الإنتفاضة بحيث ترى أن الإنتفاضة ستشكل فخا وتوريطا لها بالتالي سيكون ذلك من معوقات الانتفاضة، ولا ننسى أن الجمهور الفلسطيني مسحوق بفعل معاناته من سياسات التجويع والإفقار المترتبة عن تأخير الرواتب وبالتالي يتوجه اهتمام الجمهور نحو مشاكل أخرى يومية اقتصادية واجتماعية، وهذا يشتت الجهود ويضيعها. أيضًا هنالك أقليم عربي يدخل مرحلة من مراحل التوتر والاحتقان الاجتماعي فالانتفاضات العربية فيها جدل كبير وبعض التصريحات التي نسمعها من هذه الثورات مقلقه جدًا..وبالتالي لن تكون هناك انتفاضة للمعوقات التي ذكرت..رغم هذا الكلام فإن الشعوب لا تعمل وفق قوانين الفيزياء، بمعنى آخر حركة الشعوب ليست حركة فيزيائية بل هي حركة وجدان لا يتوقعها أحد، كل الاحتمالات والسيناريوهات حاضرة ولكن أنا أتحدث بالمعقول وبمعطيات الواقع ولكن التاريخ ليس الواقع، فالتاريخ ماكر ومفاجئ ولا يعمل بالحسابات المنطقية يعمل بحسابات داخليه عميقة وآليات عميقة لا أحد يمكنه التنبؤ فيها ولا أن يدركها ولعله يفاجئنا.

الغضب العارم هو أول الغيث
في حين كان لمراد السوداني، الأمين العام للإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين،رأي مغاير حيث قال: ثمة حزن ووجع كاو هو العصف يستبيح الحقل والطير والمكان. استباحة غامرة يعيد من خلالها الاحتلال إنتاج موته الأسود وظلمه وظلامه على جلد شعبنا المعاند. والأسرى وهم غرة الصمود الفلسطيني، وعنوان الغضب الشعبي يستحقون الدعم والإسناد من أجل اطلاق سراحهم من باستيلات القهر والعزل والجوع والتعذييب.في فلسطين وفي ظل الضغط والتجويع الممنهج الذي يهندسه الإحتلال، فإن الصمود والرفض هو السياق الآتي الذي يمارسه شعبنا بكافة قطاعاته. وشعبنا الذي يرفض التطويع والإنكسار والنكوص، لن يقبل شجره العالي بسماء سقفها أقل من حريته الناجزة. سيتمدد هذا الغضب وسيتمدد الرفض في كافة المربعات في ظل تهويد القدس والاستيطان الناهب والموت والتدمير الذي يتوزع على الطرقات.لا بديل عن حرية شعبنا إلا بحرية أشد اتساعا. ولا بديل عن الصمود إلا بصمود أشد. والأسرى قوس الانتصار، ففي كل بيت نداء بعودتهم وفي كل صبح أمل بإطلاق سراحهم وفي كل صلاة دعوة أمهات وآباء تطير لمن لفهم السجن والسجان في عباءة النسيان. ولن تهدا المنطقة دون حقوق شعبنا وإطلاق سراح معتقليه وهذه حقيقة راسخة رسوخ جبالنا العاليات ويقيننا الواثق الأكيد.

لذا فإن ما تشهده هذه الفلسطين وموجة الغضب العارم إنما هو أول الغيث الذي ينذر بسيوله الجارفة التي لن تهدأ ولن تسكن إلا بتحرير الأسرى، ووضع قضية فلسطين مرة أخرى على خارطة الكون إحقاقا لحقوق شعبنا بثوابته غير القابلة للتصرف، أو النقصان أو المساس. لن يقبل شعبنا الذي منذ مائة عام وهو يتفصد الوجع والبطولة والاحتمال أن يظل عرضة للاستباحة .من هنا يستمر في الذهاب نحو حريته بكامل الوثوقية وهو يؤمن بعدالة قضيته وحقه في الحياة الكريمة والحلم وحق الصغار بالعيش والفرح وحق الفراش بفوران الربيع وحق الطير بالفضاء الواسع.

بالتعاون مع السلطة .. الاحتلال جمد إمكانية نشوب انتفاضة
أمّا طارق خميس، طالب ماجستير في الدراسات العربية المعاصرة فقال: سؤال الانتفاضة الثالثة أصبح مطروحًا بعد كل مواجهة مهما صغرت، وهذا الإلحاح في طرحه يحكي تلهف الناس لمواجهة قادمة، لكنه مثير للقلق من ناحية أخرى، لأنه يخفي خلفه عدم جدية في قيامها بمعنى أن الانتفاضتين الأولى والثانية اشتعلتا والناس في الشارع مشغولين عن تسميتهما بالممارسة الفعلية وجرت التسمية بأثر رجعي.

ومكمن القلق الثاني هو كيف استقر الذهن الفلسطيني على اعتبار أن نموذج الانتفاضة هو الأفق الوحيد للعمل النضالي القادم وخرج من تداولاته نموذج الثورة كثورة 1936 وغيرها، فكرة النموذج النضالي بحاجة لتأمل على الحدث القادم أن يكون قد استبطن داخله الدروس المستفادة من التجارب السابقة وأهمها أن التضحيات يجب أن تصب في مشروع تحرري واضح وجاد وليس في مشروع تسوية جديد.

لا أعتقد أن هذه المواجهات ستقود لانتفاضة ثالثة، هذا إذا سلمنا بضرورة الذهاب لهذا النموذح، والسبب برأيي أن المنظومة الاستعمارية قد أحكمت سيطرتها بالتعاون مع أجهزة السلطة ومنعت إمكانية نشوء أية خلايا عسكرية من خلال الاعتقال وتجفيف مصادر التمويل والتصفية في حالات معينة، تصريحات الرئاسة وتوجيهاتها للأجهزة الأمنية تؤكد ذلك ولاتخفيه، وفي حوادث عينية جرى تدخل مباشر من قبل الأجهزة الأمنية لمنع الشبان من الاشتباك مع القوات الإسرائيلية، وهذا الشكل البدائي من التنسيق الأمني فيما يصل إلى ذروته عندما يتعلق الأمر بمطاردة المقاومين من مختلف الفصائل.

نحن نلاحظ كيف أن الأسرى هم أصحاب المبادرات النضالية الحقيقية بالرغم انهم داخل السجن، وهذا بحد ذاته يحتاج لتأمل كيف أن ماهو خارج السجن قد تمت السيطرة عليه بشكل كلي حتى أنه لم يعد قادرا على المبادرة، بالنسبة للأسير الأعزل مثلت معركة الأمعاء الخاوية أرقى أشكال النضال، فهي تقول للسجان ها هو جسدي موضوع هيمنتك سأنهيه لكي لا أبقي لك شيئا تسيطر عليه، الأمعاء الخاوية ملهمة على المستوى الثوري في ضرورة إنهاء مواضيع الهيمنة حتى يتم التحرر، وهذا ما خلق حالة من الغليان في الشارع الفلسطيني، لكنه غليان مازال تحت السيطرة.

هذا لا يعني أننا دخلنا نفقا لا خروج منه ولكنه يحتاج لمقاربة جديدة لا أظنها متوفرة في هذه الأحداث، مع التأكيد على أن حالة التوتر من المهم أن تبقى، وأن لايصبح مرور الجيب العسكري حدثا طبيعيا في حياة الفلسطينيين، ومن هذا التوتر الدائم تولد المقاربات الجديدة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018