42 عامًا على عملية مطار اللد: أسرى محررون يحكون قصة كوزو أوكموتو

42 عامًا على عملية مطار اللد: أسرى محررون يحكون قصة كوزو أوكموتو

في الثلاثين من أيار العام 1972 ترجل ثلاثة يابانيين من طائرة تعود لشركة الطيران الفرنسية (اير فرانس) في مطار اللد وانتظروا كما سائر المسافرين جلب حقائب سفرهم في الساعة 22.20 ليلاً،  وكان من بينهم الاسم الياباني الشهير كوزو أوكوموتو، القادم من باريس.

وعندما وصلت الحقائب لأيادي المسافرين اخرج الثلاثة اسلحتهم الأوتوماتيكية من حقائبهم وباشروا باطلاق النار في كل اتجاه وإلقاء القنابل اليدوية على أرض المطار، حيث قتل في هذه العملية ٢٦ مواطنًا مسافراً، معظمهم من الأجانب، وجرح نحو ثمانين.

أما المهاجمين الثلاثة، فقتل واحد منهم بعدما نفذت ذخيرته فيما انتحر الثاني بتفجيره قنبلة يدوية على ما يبدو، وألقي القبض على كوزو كوموتو بعد إصابته، والذي تحول في أوساط ما سمي بالثورة اليسارية العالمية إلى أكثر المناضلين و السجناء شهرة بعد أن أمضى 13عامًا في الأسر في السجون الإسرائيلية أمضاها بالعزل الإنفرادي بعدما حكمت عليه محكمة إسرائيلية ٣ مؤبدات.

وعرف أن "كوزو" فقد خلالها ذاكرته وسلوكه السوي تحت التعذيب والعزل كما نقل عن الأسرى الذين عايشوا فترته في السجون قولهم إن صحته النفسية والعقلية تدهورت بشكل كبير، إلى درجة أنه كان يطلق أصواتًا غريبة تقليداً لطرزان.

وتم تحرير "كوزو" في صفقة تبادل"النورس" التي أبرمت في العام 1985 بين الإسرائيليين والجبهة الشعبية  -القيادة العامة بقيادة أحمد جبريل.

وكان "كوزو" قد قال في التحقيق معه إنه من الجيش الاحمر الياباني وأن العملية تمت في إطار ما عرف بالثورة العالمية ضد الصهيونية والإمبريالية العالمية، وتمت في إطار التعاون و تخطيط الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة الدكتور جورج حبش.

ولا تزال شخصيات اليابانيين الثلاثة مثيرة للفضول فيما المعلومات عنهم قليلة جداً، وكل ما عرف عنهم هو أنهم أعضاء في الجيش الأحمر الياباني، تدربوا في لبنان على تنفيذ العملية وأنهم كانوا طلاباً جامعيين، أحدهم درس التصميم المعماري والثاني هندسة الكهرباء ودرس "كوزو" علم النبات.

كوزو: لم يكن من مناص إلا فتح النار لكني أصلي للضحايا...

بعد تحرره من الأسر انتقل كوزو إلى ليبيا  وخضع للعلاجات، وأقر معالجوه إنه فقد ذاكرته وقدرته على التواصل مع محيطه ويردد فقط كلمات ذات صلة بالعملية، وبعد مكوثه فترة قصيرة في ليبيا انتقل إلى سوريا وبواسطة بطاقات مزيفة انتقل مع رفاق من منظمة الجيش الأحمر إلى لبنان، وفي 15 شباط عام 1997 اعتقل مع أربعة نشطاء من التنظيم في لبنان بتهمة استخدام بطاقات مزورة، وبعد فترة قصيرة صدر حكم عليهم بالسجن مدة ثلاث سنوات. بعد انتهاء محكومياتهم تم طرد رفاقه إلى اليابان حيث خضعوا للمحاكمة هناك بتهمة الإرهاب الدولي باستثناء "كوزو"، الذي حظي باللجوء السياسي في لبنان بسبب مشاركته بالمقاومة ضد إسرائيل وتعذيبه على أيادي الإسرائيليين.

وفي العام 2003 وفي مقابلة صحافية لوسيلة إعلام يابانية قال إنه توقع  بأن يقتل خلال العملية في مطار اللد أو أن يتم اعدامه في حال نجا من العملية. ورداً على سؤال إذا كان نادمًا على تنفيذ العملية، أجاب في حينه:"لم يكن أمامي في حينه من مناص إلا وأن افتح النار في سبيل الكفاح المسلح. الآن ليس أمامي إلا أن أصلي من أجل الضحايا". كما اكد انه يعيش في بيروت حياة هادئة مع أنصار يابانيين.

أسرى عرفوه ومعايشة غير طبيعية بالأسر...

وللتعرف أكثر على شخصية "كوزو" في ذكرى العملية توجه موقع عرب ٤٨ إلى عدة أسرى محررين عايشوه، لكن البحث عن معلومات عن هذا الياباني الثائر أوصل إلى معلومات مأساوية في كل ما يتعلق بالحال النفسية التي وصل إليها نتيجة التعذيب والعزل.

الأسير المحرر في صفقة "النورس" والخبير النفسي، وليد شحادة، من الناصرة قال لعرب 48 إنه التقى "كوزو" لأول مرة في سجن الرملة. وتابع: عشنا في الغرفة ذاتها بسجن الرملة قبل شهرين من تحريرنا من الأسر في الصفقة، لكنه لم يكن انسانًا سويًا نفسيًا والتواصل معه كان صعبًا جداً، وقد تدهورت حالته النفسية إلى أبعد الحدود، بحيث كان غريب الأطوار ولا يعي ما يقول ولا نتمكن من الفهم عليه، لكننا كنا حريصين عليه.

وأضاف شحادة: لا شك عمليات التحقيق غير المبررة والمتواصلة معه والعزل مدة 13 عامَا أدت حتمًا إلى هذه الحالة النفسية والذهنية الصعبة، هذا إلى جانب الأشياء التي لم نعرفها أيضا عن التحقيقات القاسية.

وتابع شحادة: إدارة السجن كانت تدعي انه يفتعل هذه التصرفات غير الطبيعية، لكني اعتقد إنها كانت حالة مأساوية ومؤلمة. وقال: حتى عندما تقرر اطلاق سراحنا، كانت ادارة السجن قد جلبت له  صحافية ومترجماً يابانيًا، إلا أن الأخير أيضًا لم يفهم عليه.

وخلص شحادة إلى القول: لا شك أن الياباني "كوزو" مناضل كانت لديه قناعاته وفكرته الأيديولوجية بأن النضال ضد الظلم والاستعمار لا يتجزأ وتبنى مفاهيم الجيش الأحمر واليسار العالمي الذي كان عضوا فيه، لكن حياته في السجن كانت مأساوية حقًا.

منير منصور، وهو أسير محرر من مجد الكروم، روى لعرب ٤٨ ما عايشه مع الثائر الياباني وقال: لقد عايشت "كوزو" في العامين 1974و1975 بالعزل الانفرادي، أي في معزلين متلاصقين، لكن كان ملاحظًا أن وضعه كان مؤلمًا ومحزنًا ومأساويًا، بحيث كان يصدر أصوات الحيوانات مقلدا بذلك "طرزان" وتصرفات غريبة وغير طبيعية، حيث كانت إدارة السجن تخشى دخول زنزانته إلا بقوة معززة.

وأضاف منصور: لا شك لدي بأنه مر بظروف اعتقال وتحقيقات قاسية والتي تركت آثارها العميقة على صحته عمومًا وعلى صحته الذهنية والنفسية، إذ هزل جسده إلى وزن 40 كيلوغراما، ولا أعتقد أن أي أسير يمر بهذه الفترة من العزل الانفرادي (١٣ عامًا)، وهو الأحوج للتفاعل مع زملائه ومع البشر بمقدوره أن يتجنب الآثار النفسية لهذا العزل الممتد.

وقال منصور: لم يكن "كوزو" يفتعل الجنون كما ادعى بعض المسؤولين في السجن، الذي رددوا بأنه بالأصل كان متأثرا بطرزان ولديه نزوع غير طبيعي وغير سوي منذ صغره. هذا هراء بل السجن والتحقيقات القاسية والعزل المتواصل من شأنه أن يسبب نفس النتيجة للكثيرين.

لماذا توقفت العمليات؟

لقد خاضت الجبهة الشعبية في تلك المرحلة من أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات سلسلة عمليات مماثلة في الخارج شملت الاغتيالات واختطاف الطائرات، وواجهت تلك الأساليب معارضة من بعض الأطراف العربية والفلسطينية، إلا أن الشعبية اعتبرتها من مقتضيات المرحلة.

وقال عمر شحادة، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية ورئيس تحرير مجلة "الهدف" لعرب ٤٨أنه في تلك المرحلة كان لدى قيادة الجبهة الشعبية  وخاصة وديع حداد المسؤول عن النضال الخارجي قناعة بأن أساليب نضالنا ليست بالضرورة أن تحاكي أي شكل مقاومة متبع لدى الآخرين، وأن طبيعة عدونا شرسة ودموية ولا تنبع من داخل الكيان فقط بل من قوة التوجه الصهيوني الإمبريالي، وأن الدولة العبرية تستمد قوتها هذه الأطراف الخارجية الأميركية والأوروبية، وأنها جميعها تسعى للسيطرة على مقدرات الوطن العربي ولا تكترث بمصير الشعب الفلسطيني، مما يتيح لإسرائيل تفوق نوعي.

وتابع شحادة: كانت القضية الفلسطينية تتعرض لطمس ممنهج كقضية شعب ووطن وتقويض حقوقه وإنكار حق تقرير المصير، ومن هنا نبعت لدىيهم الرغبة في إعلاء الحقيقة بأن هناك قضية شعب يملك إرادة وصاحب قرار بالمقاومة لإثبات وجوده على الخارطة الدولية، وكذلك تغيير الصورة النمطية التي حاولت الصهيونية تشويهها وإظهار العرب الفلسطينيين على أنهم زوائد في التاريخ ومجموعات دموية.

وتابع شحادة: هذا الكفاح الفلسطيني جاء في سياق مقاومة الاستعمار من أجل التحرير، لا سيما وأن العالم كان منقسما إلى معسكرين، وأردنا إظهار النضال الفلسطيني كجزء من النضال العالمي نحو الحرية والاستقلال، لذلك فتح وديع حداد الإمكانية لقوى اتسمت بعدائها للامبريالية، وكون علاقات مع منظمة "بدرماينهوف" الألمانية و"العمل المباشر" في فرنسا و"الجيش الأحمر الياباني" والألوية الحمراء" الإيطالية، التي عملت ضد المصالح الإمبريالية بالعالم، بحيث تم الانطلاق من هذا التشخيص والصورة العامة.

وقال شحادة: إلا إنه بعد ذلك وبضغط من الاصدقاء وقناعة من الجبهة الشعبية أن هذه العمليات استنفذت وأدت مهماتها في تلك المرحلة، اتخذت اللجنة المركزية للجبهة في العام 1973 بوقف تلك العمليات واتباع أساليب نضال تناسب مهمات المرحلة الجديدة في تعزيز النضال الجماهيري والكفاحي، ضمن استراتيجية كفاحية متقدمة عن سابقتها، ولكل مرحلة أشكال النضال المناسبة.
 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية