د. عاصي: قرار التقسيم غير قانوني وينتهك ميثاق عصبة الأمم

د. عاصي: قرار التقسيم غير قانوني وينتهك ميثاق عصبة الأمم

بعد الحرب العالمية الثانية وإقامة هيئة الأمم المتحدة بدلًا من عصبة الأمم، طالبت الأمم المتحدة بإعادة النظر في صكوك الانتداب التي منحتها عصبة الأمم للإمبراطوريات الأوروبية ، وبضمنها الانتداب البريطاني في فلسطين. وترجمة لهذا التوجه تبنت الجمعية العامة في 29 ثاني/نوفمبر، من عام 1947 قرارها الظالم رقم181 الذي يقضي بتقسيم فلسطين.

وكانت فكرة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع تحديد منطقة دولية حول القدس قد تبلورت في تقرير "لجنة بيل" الذي صدر عام 1937، وتقرير "لجنة وودهيد" الذي صدر عام 1938. وصدر هذان التقريران عن لجنتين تم تشكيلهما من قبل الحكومة البريطانية لبحث قضية فلسطين إثر الثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت بين السنوات 1936 و1939.

وحاولت هيئة الأمم المتحدة، التي تبنت وجهة النظر الصهيونية حول وجود نزاع عربي- يهودي في فلسطين عوضا عن وطن يسعى الى الاستقلال، إيجاد ما وصفته بحل للنزاع، تمثل بتشكيل لجنة "UNSCOP"، المؤلفة من دول متعددة باستثناء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، لضمان الحياد في عملية إيجاد حل للنزاع. وطرحت اللجنة مشروعين لحل النزاع، تمثل المشروع الأول بإقامة دولتين مستقلتين، وتدار مدينة القدس من قبل إدارة دولية، وتمثل المشروع الثاني في تأسيس فيدرالية تضم كلاً من الدولتين اليهودية والعربية، ومال معظم أفراد اللجنة تجاه المشروع الأول.

في تشرين الثاني/نوفمبر 1947، كان عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة 57 دولة فقط ،ومر القرار بموافقة 33 صوتًا، بينها الدول العظمى أميركا والاتحاد السوفييتي وفرنسا، ومعارضة 13 دولة بينها الدول العربية وأفغانستان وكوبا وإيران وامتناع عشر دول بينما غابت تايلاند عن التصويت.

وقضى القرار بتقسيم فلسطين إلى دولتين، دولة عربية تبلغ مساحتها حوالي 11,000 كـم مربع ودولة يهودية تبلغ مساحتها حوالي 15,000 كـم مربع، ووضعت القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة تحت وصاية دولية.
ورغم أن نسبة عدد السكان اليهود كانت 33% من إجمالي السكان، وكانوا لا يملكون سوى 7% من الأرض، فإن القرار أعطاهم دولة على 56.5% من إجمالي مساحة فلسطين التاريخية، في حين منح العرب، الذين كانوا يملكون غالبية الأراضي، وتمثل نسبتهم السكانية 67%، ما نسبته 43.5% من الأراضي.

بعد مرور 70 عاما على قرار التقسيم ما زال هذا القرار الجائر يثير جدلا سياسيا وقانونيا، يتمحور حول عدالة القرار وقانونيته ومجموعة المصالح التي حركت ألاطراف الدولية ووحدتها في إخراج مثل هذا القرار المجحف والذي ما زال الشعب الفلسطيني يدفع ثمنه حتى اليوم.

في الذكرى السنوية الـ 70 لقرار التقسيم، يسلط "عرب 48" الضوء على بعض الجوانب القانونية لهذا القرار، الذي اعتبر بنظر العديد من الحقوقيين الفلسطينيين والعرب والأجانب غير قانوني، حيث يرى فريق منهم أن الجهة التي أصدرت القرار لا تمتلك صلاحية وأهلية لإصداره، وتؤكد أن الأمم المتحدة لا تشكل وريثا لعصبة الأمم، التي منحت لبريطانيا الانتداب على فلسطين، بموجب المادة 22 من ميثاقها والذي منح العصبة سلطة الإشراف على بعض الأقاليم المكونة للإمبراطورية العثمانية. ويعتمد الذين يتبنون وجهة النظر تلك على ما أعلنته العصبة نفسها، في إجتماعها الأخير والمنعقد في نيسان/إبريل 1946، حيث ورد فيه أنه بانحلال عصبة الأمم، يكون دورها بالنسبة للأراضي الواقعة تحت الانتداب قد انتهى.

أما الفريق الثاني، والذي يرى بالأمم المتحدة وريثا، فيعتبر أن لها الحق في تقرير ما تراه مناسبا، شريطة ألا يتعارض هذا القرار مع بنود صك الإنتداب الذي ورثته من العصبة ومع المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم، والذي منح العصبة سلطة الإشراف الإداري علي بعض الأقاليم المكونة للإمبراطورية العثمانية، التي ارتأت العصبة بأنها وإن كانت تمثل كيانا سياسيا موحدا، إلا أنها بحاجة إلي إرشاد من قبل دولة كبري لفترة مؤقتة يتاح لها من خلالها تطوير أجهزتها الإدارية والسياسية.

وتعتبر وجهة النظر هذه أن المادة المذكورة هي الأداة القانونية التي خولت عصبة الأمم ممارسة سلطاتها الإدارية علي فلسطين من خلال الدولة المنتدبة، بريطانيا، وعلى وريثتها هيئة الأمم الالتزام بمواد ميثاقها ذات العلاقة.

حول قرار التقسيم الجائر، أجرى "عرب 48" مقابلة مع المحاضر في كلية الحقوق في جامعة النجاح الوطنية في نابلس والمختص في العلاقات الدولية والقانون الدولي، الدكتور جوني عاصي.

"عرب 48": ما هي الركائز التي يستند إليها عدم قانونية قرار التقسيم؟

عاصي: "هناك العديد من الحوقيين الفلسطينيين والعرب الذين أشاروا وكتبوا حول موضوع عدم قانونية قرار التقسيم، أبرزهم المحامي الفلسطيني هنري قطان في كتابه ’القضية الفلسطينية والقانون الدولي’، الذي صدر عام 1976. ومن جهتنا، لا نستطيع التعاطي مع قرار التقسيم بمعزل عن قضية التوارث بين هيئة الأمم المتحدة وعصبة الأمم، حيث ورثت الأمم المتحدة القضية الفلسطينية من عصبة الأمم. وفي 24 تموز/يوليو العام 1924، تم إدخال إعلان بلفور في صك الانتداب، ودعمت الدول المشاركة في عصبة الأمم وعددها 51 دولة، هذا الصك غير القانوني، الذي يتعارض مع نظام عصبة الأمم من العام 1919 لأنه في المادة 22 فقرة 4 هناك اعتراف من المجتمع الدولي بالشعب الفلسطيني الذي صنف وفق تقسيمات المادة 22 "إقليم أ" وفق تقسيمات الأقاليم أ- ب-ج حسب جاهزيتها للاستقلال، حيث أعطيت جميع الأقاليم التي كانت تابعة للدولة العثمانية صفة إقليم أ وهو ما يتعارض معه صك الانتداب".

"عرب 48": صك الانتداب لم يعترف بالشعب الفلسطيني وتعامل مع اليهود كـ"شعب" ينطبق عليه حق تقرير المصير؟

عاصي: "كان يفترض بالانتداب أن يحضر الشعب الفلسطيني – الشعب الأصلاني - للاستقلال وبناء دولته على أرضه. وبدلا من ذلك حضر ’شعبا آخر’ عبارة عن مجموعة مستعمرين آخرين بعد أن تبنى وعد بلفور. واعترف صك الانتداب الذي تبنى وعد بلفور بوجود حقوق سياسية لليهود وحقوق مدنية ودينية لغير اليهود، في حين تحدثت المادة 22 عن حقوق سياسية للشعب الفلسطيني الأصلاني، ما يعني أن إدخال وعد بلفور في صك الانتداب فيه انتهاك لميثاق عصبة الأمم".

"عرب 48": هذا يؤكد وجود ظلم تاريخي للشعب الفلسطيني؟

عاصي: "اضطرت بريطانيا إلى إجراء بعض التعديل في لجنة بيل، عام 1937، التي تزامنت مع أحداث 36- 39 والتي تحدثت عن حكم ذاتي للفلسطينيين وحكم لليهود وحكومة مشتركة تكون تحت سيطرة بريطانيا، وهذا ما ترجم في قرار التقسيم. لكن رغم التعديل في الموقف البريطاني والدولي، كما يبدو للوهلة الأولى، فإن قرار التقسيم فيه ظلم تاريخي للشعب الفلسطيني، الذي انتزعوا منه في وعد بلفور وفي صك الانتداب كل الأرض، ثم أعطوه في قرار التقسيم أقل من نصف وطنه بعد أن اضطروه إلى تقاسم هذا الوطن مع مستعمرين غرباء عنه. وكان من الطبيعي أن يرفض الشعب الفلسطيني هذا القرار المجحف، الذي خصص للدولة اليهودية 55% من البلاد وللفلسطينيين 45%".

"عرب 48": كيف حظي قرار ظالم ومجحف بهذا الشكل بأغلبية أصوات دول العالم وإجماع الدول العظمى بما فيها الاتحاد السوفييتي؟

عاصي: "أولا، كان عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، في حينه، 57 دولة معظمها دول أوروبية. ثانيا، تلك كانت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والاصطفافات الجديدة لم تكن قد اتخذت شكل الاستقطاب بين المعسكرين. فقد كانت تلك الدول خارجة للتو من تحالف مشترك ضد النازية ، كما أن الحركة الصهيونية وظفت ما حدث لليهود خلال الحرب لصالح إقامة مشروعها في فلسطين، فيما اعتقد الاتحاد السوفييتي خاطئا أنه سيستفيد من العناصر الاشتراكية في الحركة الصهيونية، وصوت لصالح قرار التقسيم كما أوعز لعصبة التحرر الوطني والأحزاب الشيوعية العربية بتأييد القرار. ويبدو انتهاك الأمم المتحدة لميثاقها واضحا بالمقارنة مع حالة ناميبيا التي صنفت إقليم ب، حيث أدارت الأمم المتحدة البلاد بعد انتهاء انتداب بريطانيا وقادتها إلى الاستقلال ولجأت أكثر من مرة، خاصة عام1967 إلى محكمة العدل الدولية في مسائل قانونية بينما رفضت في حالة فلسطين سلوك هذا المسلك".

"عرب 48": في ناميبيا كانت هناك أقلية بيضاء أيضا، وكانت تخضع لنظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا؟

عاصي: "الأمم المتحدة رفضت أن تدير جنوب أفريقيا إقليم ناميبيا. وكان أول قرار حول حق تقرير المصير صدر عن الأمم المتحدة يتعلق بناميبيا، بينما لم تحاول في فلسطين أن تتعاطى مع المسألة من منطلق حق تقرير المصيروتفعيل المحكمة الدولية، فقد كان هناك سيطرة كاملة للدول الغربية، التي كانت متحالفة مع الحركة الصهيونية، وما زالت، الأمر الذي يجعل الشعب الفلسطيني يدفع ثمن ذلك حتى اليوم".


*د. جوني عاصي: أستاذ القانون العام والعلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية ومدير كرسي اليونسكو للدمقراطية وحقوق الإنسان فيها. عمل أكثر من 13 عاما في جامعة بير زيت. وهو أستاذ زائر في جامعات فرنسية وايطالية. صدر له مؤخرا دراسة في النظام السياسي الفلسطيني ومسالة الدمقراطية بالشراكة مع د. مالك بومدين - منشورات جامعة بو الفرنسية.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018