"السلام الاقتصادي": تبعية الاقتصاد الفلسطيني من المعونات لإسرائيل

"السلام الاقتصادي": تبعية الاقتصاد الفلسطيني من المعونات لإسرائيل
عمال بناء في مستوطنة "شيلو" بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب.)

منذ فترة ليس بالقصيرة، كثر استعمال مصطلح "السلام الاقتصادي" في القاموس السياسي الإسرائيلي، الذي يشير إلى ابتكار سبل تشتت انتباه الفلسطينيين عن قضيتهم الأساسية السياسية والقومية والإنسانية، وتشغلهم بمتطلبات الحياة اليومية والمعيشة فقط، من خلال توفير فرص عمل وتسهيلات في مناحي الحياة المختلفة.

ولتحقيق "السلام الاقتصادي"، منحت إسرائيل في السنوات الأخيرة عشرات آلاف تصاريح العمل للعمال الفلسطينيين للعمل داخل الأراضي الإسرائيلية، وشارك وزير المالية الإسرائيلي، موشيه كحلون، في لقاءات ونقاشات مع مسؤولين فلسطينيين، من بينهم كان رئيس الحكومة الفلسطينية، رامي الحمد لله.

أما من يقف حقًا خلف تنفيذ هذه السياسيات على الأرض فهم موظفو الوزارات ذات العلاقة في السلطة الفلسطينية وإسرائيل، بالتعاون مع منسق عمليات الحكومة في الضفة الغربية المحتلة، حيث تصدر جميع التصاريح بعد الفحص الأمني والتمحيص في تاريخ كل متقدم.

ومرادف آخر للسلام الاقتصادي هو سياسة "خلق واقع مدني جيد"، أي إشغال الفلسطينيين بالعمل وتوفير لقمة العيش كي لا يتسنى لهم الالتفات لأي موضوع آخر، لا سيما السياسي.

وتجلت هذه السياسة بتصريحات رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، التي جاء فيها أنه "نحن نبذل جهدنا، بالأساس في الضفة الغربية وقطاع غزة، من أجل خلق ’واقع مدني’ أفضل من خلال إدراكنا أن هذه الخطوة هي مصلحة إسرائيلية بالأساس، القدرة على التعامل مع هذا الواقع نابعة من استعمال القوة المناسبة لفصل الإرهاب عن المجتمع الذي يحتضنه، ما يتيح للمجتمع مواصلة العيش".

الاقتصاد الفلسطيني والعمل في إسرائيل

تشير المعطيات إلى أن الرواتب التي يجبيها العمال الفلسطينيون داخل إسرائيل تساهم بشكل فعال في نمو الاقتصاد الفلسطيني، وأن هذه الرواتب تشكل نحو 40% من الاقتصاد الفلسطيني، ويعتبر هذا المجال الأهم للسلطة الفلسطينية بعد تخفيض المساعدات الخارجية.

فمنذ سنوات، بدأت المساعدات الخارجية للسلطة الفلسطينية تقل تدريجيًا، لا سيما من الدول العربية بعد هبوط أسعار النفط، وانخفضت أكثر مؤخرًا بعد ظهور نوايا بعض الدول العربية التطبيع مع إسرائيل وتشكيل حلف معها ضد إيران، ضاربين بعرض الحائط حل القضية الفلسطينية.

وكذلك انخفضت المساعدات من دول الغرب بعد عدد من فضائح الفساد التي طالت مسؤولين في السلطة الفلسطينية، وكذلك الإشكال مع الإدارة الأميركية الجديدة بشأن رواتب ذوي الشهداء والأسرى منفذي العمليات.

وبلغت المساعدات الخارجية للسلطة الفلسطينية عام 2008 نحو ملياري دولار، وانخفضت إلى أقل من مليار دولار عام 2011، ومثله في العام التالي، وانخفضت عائدات الضرائب من أربع مليارات عام 2008 على أقل من ثلاث مليارات عام 2012.

قروض البنوك الفلسطينية

أدى انخفاض المساعدات الخارجية إلى لجوء السلطة الفلسطينية لحل بديل، وهو الاقتراض من البنوك المحلية لتسديد الديون التي تراكمت خلال هذه السنوات، وفي نهاية عام 2012 كانت السلطة الفلسطينية تدين للبنوك المحلية بنحو 4.1 مليار دولار مقابل دين أقل من نصف مليار عام 2008.

وبعد هذه الديون، لم تستطع السلطة الاقتراض من البنوك وكان عليها إيجاد حل بديل آخر، وكان الحل مدخولات الضرائب وتحويل الأموال من إسرائيل، بوتيرة شهرية، من أجل دفع الرواتب وغيرها من المصروفات الجارية.

وبحسب صندوق النقد الدولي، بلغ دين السلطة الفلسطينية في عام 2014 أكثر من خمسة مليارات دولار، وفي السنة الأخيرة انخفض هذا الدين، ليس بسبب زيادة المدخولات، بل بسبب قرار صندوق النقد وجامعة الدول العربية تخفيض الدين.

لكن تبقى المشكلة أن السلطة الفلسطينية لا تملك مالًا لاستثماره في مشاريع قد تدر مدخولًا إضافيًا لها، مثل بناء المصانع أو البنى التحتية أو غيرها، وهذا العائق يضاف للتضييق الإسرائيلي وسلب سلطات الاحتلال الأراضي والمساحات لصالح المستوطنين في الضفة الغربية.

الضرائب

لا تملك السلطة الفلسطينية وزارة أو هيئة لجبي الضرائب من العاملين في إسرائيل، ومن يجبي الضرائب هي إسرائيل وتحول المبلغ لاحقًا للسلطة الفلسطينية، ما يمنح سلطات الاحتلال ورقة ضغط ومساوة قوية جدًا في وجه السلطة الفلسطينية، وحدث أن جمد رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، تحويل هذه المبالغ أكثر من مرة.

وتشكل الضرائب اليوم أكثر من 50% من مدخولات السلطة الفلسطينية، مقابل نحو 33% عام 2010، وتستغل إسرائيل هذا المبلغ لأشياء أخرى غير الضغط والتلويح بالتجميد بعد كل عملية، إذ استعمل لدفع ديون متراكمة لدى شركة الكهرباء الإسرائيلية، التي تبيع الكهرباء لمختلف المناطق في الضفة الغربية المحتلة.

وفي أكثر من مناسبة، أعرب وزير المالية، موشيه كحلون، وقيادة أركان الجيش الإسرائيلي وقادة الإدارة المدنية عن معارضتهم تجميد تحويل أموال الضرائب، وحذروا من التصعيد الفلسطيني في حال استمرت هذه السياسية.

العمل في إسرائيل

ومنذ بداية العقد الحالي، سجل ارتفاع كبير بنسبة الفلسطينيين العاملين في الأراضي الإسرائيلية ومستوطنات الضفة الغربية، أي منذ بدء الحديث وتطبيق سياسة "السلام الاقتصادي"، سواء على صعيد العمال الذين يملكون تصاريح عمل أو من يعملون بلا تصريح ويتم تهريبهم خفية.

وبحسب المعطيات الرسمية، يملك نحو 80 ألف فلسطيني تصاريح عمل رسمية داخل المستوطنات والأراضي الإسرائيلية، وبحسب تقديرات وزارة الإحصاء الفلسطينية هناك عشرات آلاف العمال الذين يعملون بلا تصريح، وهؤلاء يصعب معرفة عددهم، ويعبر قطاع البناء الأكثر استقطابًا للعمال، وبعده الزراعة ومن ثم الصناعة.

وبحسب التقديرات الرسمية الإسرائيلية، تدر رواتب العمال في إسرائيل على الاقتصاد الفلسطيني من 6-8 مليار شيكل سنويًا، أي نحو 40% من الاقتصاد الفلسطيني الكلي، وتصرف معظم هذه الأموال في السوق الفلسطيني.

نسب البطالة

مع كل ما سبق، لا تزال نسبة البطالة مرتفعة، إذ تبلغ في الضفة الغربية نحو 17% وفي غزة وصلت إلى أكثر من 42%. وهذا المعطيات لا تقسم وقف المتغيرات الطبيعية في العالم، إذ تبلغ نسبة البطالة في أوساط الشباب حتى جيل 25 سنة نحو 30%، وبين النساء تصل البطالة إلى 50%، في حين تبلغ سنبة البطالة في أوساط الشباب في قطاع غزة نحو 42%. 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018