خاص | يوميات غزة: مأساة عائلة أبو خماش

خاص | يوميات غزة: مأساة عائلة أبو خماش
(عر ب 48)

رائحة الموت تنتشر في المنطقة التي تسكن فيها عائلة أبو خماش؛ مجزرة ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي مع بزوغ فجر الخميس 9 آب/ أغسطس حيث استهدفت منزل المواطن محمد أبو خماش في دير البلح، ما أسفر عن استشهاد زوجته الحامل إيناس أبو خماش وطفلتهما بيان البالغة من العمر عاما ونصف العام، كما أدت إلى إصابته (محمد) بجروح متوسطة يرقد على إثرها في العناية المركزة. مشهد يدمي القلب قبل العين رائحة الموت والدماء تعم أرجاء المنزل.

يقع منزل أبو خماش في منطقة ريفية غير مكتظة، ويقترب من السياج الأمني الفاصل عن أراضي الـ48 مسافة 4 كيلومترات تقريبا، وهو ما يعني أن العائلة عاشت في "أجواء رعب"، نظرا لضخامة التفجيرات والقصف المدفعي الذي تعرضت له المنطقة.

كان الأهالي في قطاع غزة يتوقعون منذ ساعات مساء أول أمس الثلاثاء، التصعيد المستمر. كما أخبروا مراسلة "عرب 48". خاصة بعد أن قصفت مدفعية الاحتلال الإسرائيلي موقعا تدريبيًا لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، خلال مناورات تدريبية لتخريج مجموعة من القناصة، ما أسفر عن استشهاد اثنين من المقاومين، عبد الحافظ السيلاوي وأحمد مرجان، من مخيم جباليا للاجئين.

وعلى الرغم من نقل وسائل إعلام إسرائيلية عن جيش الاحتلال اعترافه (أنه أساء التقدير) ونقل رسالة لـ"حماس" مفادها بأن إطلاق النار استهدف عددٍ من الشواخص (أهداف تدريبية مصطنعة)، رفضت المقاومة هذه المعادلة وشككت في مصداقيتها وردت على قوات الاحتلال بإطلاق قذائف صواريخ تجاه مستوطنات المحيطة بقطاع غزة، وردت قوات الاحتلال الإسرائيلي بشن عدة غارات على قطاع غزة مساء أمس الأربعاء استمرت حتى فجر اليوم الخميس، وتتواصل خلال اليوم.

تدهورت الأوضاع بسرعة بعد استهداف مواقع المقاومة في جميع مناطق قطاع غزة، بالإضافة إلى استهداف المناطق السكنية لأهالي القطاع.

وما هي إلا لحظات حتى اخترق صاروخ سقف المنزل وسقط وسط العائلة، وتسبب في تمزيق جسد الأم وجنينها وطفلتها، وإصابة الأب بجراح بليغة.

سقف منزل العائلة (أ ب)

نصف ساعة مضت تقريبا دون أن يعلم الجيران أين مكان الانفجار، لكون المنطقة ريفية والمنازل متباعدة عن بعضها البعض، وهناك خشية على حياة كل من يتحرك.

وبعد أن تحرك الجيران ووصلوا إلى المنزل المستهدف، وجدوا أشلاء الأم وطفلتها، فيما زوجها محمد (29 عاما) ما زال على قيد الحياة، رغم تعرضه لإصابات بليغة.

عند دخولنا ("عرب 48") شاهدنا طيور المنزل جالسة في زاوية القفص وكأنها تشعر بما حل بالبيت وأهله، منظره من الداخل يوحي وكأن زلزالًا وقع فيه. زلزال خلّف الدم والوجع والحزن.

بقايا أشلاء الشهداء ملتصقة في سقف المنزل، لطخت الجدران بدمائهم ورسمت لوحة حمراء بشعة تعبّر عن جرائم الاحتلال المتكررة، ألعاب طفلتهم بيان في كل ركن في المنزل وكل دمية لها تروي حكاية.

حين قبلت إيناس طفلتها قبلة النوم لم تكن تدرك أن هناك من يتربص بمصيرة الأسرة الصغيرة.

إيمان أبو خماش (عرب 48)

التعابير على الوجوه يملؤها الحزن والأسى؛ صوت موجوع خرج من حلق اختنق بالبكاء. كانت أخت الشهيدة، إيمان أبو خماش (19 عاما)، وتتحدث لـ"عرب 48"، "إيناس كانت الأم الحنون والسند هي البكر لوالداي وتزوجت منذ 4 سنوات من ابن عمي، أنجبت طفلتها بيان، وكانت حامل في الشهر التاسع". قالت وتغالب دموعها خشية الانهمار.

وتابعت إيمان أن شقيقتها إيناس "كانت تنوي تسمية طفلتها الجديدة رزان. إيناس متفوقة في الجامعة، كانت تدرس التعليم الأساسي وتبقى لها سنة على التخرج، كان حلمها بعد التخرج أن تجد وظيفة كي تساعد زوجها في البيت لأن الوضع المادي سيئ كما هو الحال بسائر أرجاء القطاع".

أضافت "أنا الحمد لله مبسوطة لأن ربنا اختارها شهيدة. هم أبرياء، لا يملك الاحتلال أي ذريعة لاستهدافهم، هم مجرمو حرب ويجب أن يحاسبوا على ما يفعلوه بنا".

وختمت إيمان حديثها لـ"عرب 48" بالتعبير عن عجزها "تصديق بأن زوجة شقيقها وجنينها وطفلتها، قد وضعوا في تابوت واحد كونهم أشلاء"، فيما لا يزال شقيقها يرقد في غرفة العناية المكثفة، يعاني من جراحه.

نشرت الشهيدة إيناس أبو خماش قبل استشهادها على حسابها في "فيسبوك"، أمس الأربعاء، رسالة وجهتها لطفلتها بيان قالت فيه: "أنا لأجلك سأصنع أي شيء، كوني بقربي دائما، خففي من ضجيج الحياة بصوتك، أخبريني إنه لا شيء سيئ وأنت بالقرب مني". وتابعت: "ابنتي ارمي حملك علي ما دمتي تثقي بي، فأنا لأجلك سأصنع أي شيء".

فايزة أبو خماش (عرب 48)

وفي حديث لـ"عرب 48" مع فايزة أبو خماش (40 عاما)، شقيقة المصاب محمد (الأب المفجوع بزوجته وطفلته وجنين انتظر أن يرزق به)، قالت: "محمد وإيناس كانا يسكنان في منزل العائلة وبسبب الأوضاع وصغر المنزل وازدحامه قرروا بان يستأجرا في نفس المنطقة التي نسكن فيها، في نفس اليوم الذي تم استهدافهم فيه كنا نسهر في منزلهم وكانت الأجواء العائلية طاغية".

تابعت "تحدثنا في الوضع العام والتصعيد، لم نكن نعلم أنها سوف تكون لحظة الوداع الأخيرة لإيناس وبيان. نتمنى وندعو الله أنه يعيد لنا محمد بالسلامة التامة".

لا نعرف تفاصيل ما حل بالأسرة بعد توديع أقرابائهم وبدء القصف الإسرائيلي، لكن تخيّل تفاصيل ما جرى ليس بالأمر الصعب، في منطقة كقطاع غزة التي تفتقد الملاجئ والتحصينات، ويضطر فيها السكان إلى المكوث في منازلهم تحت وقع الغارات وسقوط الصواريخ.

فلا بد أن أفراد العائلة الصغيرة قد التصقوا ببعضهم بعضا، وخاصة الأم، وطفلتها، كي تهدئ من روعها، وخوفها الناجم عن أصوات الانفجارات.

قصة تحمل تفاصيل حياة العائلة القصيرة منذ بداية مشوارها، ترافقها مشاهد الألم والقهر التي تملأ قطاع غزة بما في ذلك قتل الأبرياء والنساء والأطفال.

التابوت الجامع، أشلاء الأم وطفلتها وجنينها

كانت إيناس تقترب من موعد الولادة، ترقبت الأسرة جميعها اللحظة التي تضع فيها مولودها الجديد، خاصة أنها كانت في شهرها التاسع.

وكانت تنتظر رزان بفارغ الصبر؛ لكن الغدر الإسرائيلي داهمها في لحظة مباغتة فاغتصب فرحتهم وسرق منهم بهجة اللقاء والحياة، فرحلتا سويا ووضع الاحتلال نهاية لأسرة شابة كانت تحلم بالهدوء والسلام والحرية.

وأعلنت وزارة الصحة فجر اليوم الخميس، استشهاد الحامل إيناس أبو خماش، وطفلتها بيان، وإصابة زوجها، جراء "استهداف إسرائيلي".

من الجدير ذكره أن أبو خماش لديه شقيقان استشهدا خلال هجمات عدوانية سابقة للاحتلال على قطاع غزة.

 



خاص | يوميات غزة: مأساة عائلة أبو خماش

خاص | يوميات غزة: مأساة عائلة أبو خماش

خاص | يوميات غزة: مأساة عائلة أبو خماش

خاص | يوميات غزة: مأساة عائلة أبو خماش