في المنطقة الرمادية: "البيروقراطية الاستعمارية في الضفة الغربية"

في المنطقة الرمادية: "البيروقراطية الاستعمارية في الضفة الغربية"
خلال توقيع اتفاق أوسلو (أ ب)

في إطار رسالتها لنيل شهادة الدكتوراه في جامعة بير زيت، تناقش غادة علي السمان مرحلة ما بعد توقيع اتفاقية أوسلو، حيث أصبح الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل في منطقة رمادية، بعد أن نجحت هذه العملية ومفرزاتها في تشويش المعالم الواضحة للصراع بين قوة استعمارية كولونيالية وبين حركة تحرر وطني.

فقد أدت اتفاقية أوسلو وتداعياتها إلى تحولٍ في الصّراع، حيث خلقت سيطرة أكبر وأكثر إحكامًا على الفلسطينيين، فيما تركت القضايا الجوهرية، وتحديدًا اللاجئين والمستوطنات والقدس والحدود عالقةً، وأدت إلى وضع الفلسطينيين في منطقة رمادية سهلت على إسرائيل إدارة الصّراع، بعد أن كبّلت الحالة الفلسطينية بتناقضاتها الحادة.

وتتجسد هذه الرمادية بجملة تناقضات في مقدمتها السؤال حول السلطة الفلسطينية ذاتها، هل هي دولة أم غير دولة؟ فمن ناحيةٍ، هي لا تمتلك مقومات دولة، ومن ناحية أخرى هي تسلك سلوك الدولة، وهو تناقض يشتق منه تساؤل آخر يتعلق بحركة حماس ومنظمة التحرير، وهل هما حركتا تحرر أم حكومتان؟

وفي المنطقة الرمادية تلك، تشوّشت صورة الاحتلال المباشر التي كانت واضحة للعيان، وأصبحت إسرائيل تسيطر على الاقتصاد والحدود وحياة الفلسطينيين من الخارج، فهي في الداخل ولكن جيشها في الخارج (خارج المدن)، كما أن التدخل الخارجي في السلطة والمؤسسات الفلسطينية من خلال الدعم الأجنبي، وتحديدًا تدخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هو تجسيد لاستعمار من نوع آخر.

هذا الواقع، الذي تسمّيه السمان "البيروقراطية الاستعمارية"، استبدل الاحتلال المباشر الذي ساد حتى أوسلو، وأنتج آليّات جديدة أربكت رد الفعل الفلسطيني، وأدخلته في المأزق الحالي، الذي أنتج حالة الضياع الراهنة التي لم يعد الفلسطيني قادرًا فيها على تشخيص المرحلة ومفرداتها، بعد ما أحدثته من خلطٍ للأوراق، فأصبحت لديه حكومتان بدون دولة وقوات بدون أمن ومنظمة بدون تحرير.

حول هذه الأسئلة وغيرها وحول موضوع بحثها كان هذا الحوار مع غادة علي السمان:

عرب 48: اتفاقية أوسلو التي كان يفترض أن تشكل مسارًا لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أدخلت الحالة الفلسطينية في ما تسمينه "حالة رمادية"، وخلقت، عوضًا عن ذلك، آليّات سيطرة جديدة تتمثل في ما تسميّنه بـ"البيروقراطية الاستعمارية"؟

السمان: في عام 1993 تم توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينيةKونصت على إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية،في الضفة الغربية وقطاع غزة كمرحلة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات. بناء على ذلك تم إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1994، والتي تكونت من المجلس الوزاري والسلطة القضائية والمجلس التشريعي والوزارات والمؤسسات الأخرى، إضافة إلى الأجهزة الأمنية المختلفة مثل الأمن الوقائي، الشرطة، المخابرات والأمن الرئاسي. هذه المؤسسات تم دعمها من الخارج من المجتمع الدولي.

واتصفت اتفاقية أوسلو بالغموض في القضايا الجوهرية مثل القدس، اللاجئين، والمستوطنات والحدود والعلاقات الخارجية وركزت على الأمن الإسرائيلي.

وبعد أكثر من 20 سنة على أوسلو، لم يتحقق أي تقدم في قضايا الحل النهائي ولم يحصل الفلسطينيون سوى على كانتونات منفصلة عن بعضها البعض، بل ونشأ واقع فلسطيني فيه حكومتان، حكومة حماس وحكومة السلطة الوطنية، ضمن مناطق جغرافية منفصلة. حماس تمارس دورها كحركة تحرر في مجابهة إسرائيل، ولكنّها، أيضًا، تمارس دورها كحكومة. كما أن هناك تداخلا بين دور منظمة التحرير الفلسطينيّة وبين دور السلطة الوطنية الفلسطينيّة.

وبدون شك، فإنّ المنظمة ضعفت وانحسر دورها مع إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينيّة والتركيز على بناء "مؤسسات الدولة" ووجود الدعم الخارجي لهذه المؤسسات، وكذلك الصراع بين حماس وفتح. وفي ظل هذا الوضع وفشل أوسلو يطرح السؤال، هل ممكن أن تستعيد المنظمة دورها؟

عرب 48: السؤال هو هل السلطة أو "السلطتان" في الضفة وفي القطاع معنيّتان بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، أم أن وضع السلطتين هو الوضع المثالي بالنسبة لهما؟

السمان: من الواضح أن هناك رهانا على "السلطة" أكثر من الرهان على منظمة التحرير، وعلى آليات تطوير السلطة وتحويلها إلى دولة. وفي هذا السياق، تندرج عملية الاعتراف بالدولة الفلسطينية الجارية على الساحة الدولية وفي الأمم المتحدة، حيث فشل المسعى في مجلس الأمن، بينما اعترفت الجمعية العامة بفلسطين "دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة". وفي الحقيقة، فإنّ السلطة تسلك سلوك دولة من حيث بناء وتطوير المجتمع ووجود الوظائف، ولكنها لا تمتلك مقومات الدولة، لأن إسرائيل تسيطر على المعابر والحدود والاقتصاد، مع تفتيت الضفة الغربية من خلال المستوطنات والجدار والمعابر ونقاط التفتيش، وهي، بذلك، تسدّ آفاق التطور باتجاه توسيع وتوحيد سيادة السلطة الفلسطينية على الأرض، وهي ذاهبة باتجاه تعزيز الوضع القائم وضم المزيد من أراضي الضفة الغربيّة إلى سيادتها، حيث تقلصت عمليا المساحة الواقعة تحت سيطرة الفلسطينيين في الضفة والقطاع من 22% إلى 14% من مساحة فلسطين التاريخية، كما تسعى إسرائيل إلى ضم مناطق "ج"، التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية.

من جهة ثانية، فإن ثلث ميزانيّة السلطة يتم صرفها على الأجهزة الأمنية، ويتم دعم الأمن الفلسطيني بقوة من قبل خبراء من الخارج. ما يشير إلى أن مصادر الدعم تعمل على تصميم السلطة وفق مقتضيات مصالح إسرائيل.

عرب 48: تعرّضتْ، أيضًا، للإشكالات التي تعيشها إسرائيل والتناقضات البنيوية التي تكتنفها، وهي استمرار لتناقضات الحركة الصهيونية، تتعمق في "الحالة الرمادية" التي وصل إليها الصراع؟

السمان: لقد عانى اليهود الاضطهاد من معاداة السامية في أوروبا، وبدلًا من إيجاد حل للمسألة اليهودية في الإطار الأوروبيّ، طرحت فكرة حلها من خلال إقامة "وطن" لهم، أو كما يقول عزمي بشارة، إنّ "الصهيونية محاولة لحل الصراع بدمج الأفراد اليهود الأوروبيين في عقد اجتماعي وطرح اليهودية كأنها لليهود فقط، إنها محاولة لتجاوز العداء للسامية وليس لمواجهته، ولذلك لم تضع نصب أعينها تغيير المعادين للسامية، بل تغيير اليهود وتحويلهم من طائفة دينية إلى قومية، ومن جماعة مقدسة إلى أمة حديثة".

أوروبا أرادت إلقاء اليهود خارج التاريخ، إلا أنهم جزء من التاريخ الأوروبي، ووجودهم في الشرق بواسطة الحركة الصهيونية ما هو إلا وسيلة للحفاظ على سيطرة الغرب في الشرق، ولولا دعم وسياسات بريطانيا الاستعمارية، ولاحقا الولايات المتحدة لما كتب النجاح لإقامة دولة إسرائيل.

إضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل في محتوى جوهرها تحمل الكثير من التناقضات الحادة، فهي تراوح بين الشرق والغرب، العلمانية والدين، العسكر والديمقراطية، الأوروبية وغير الأوروبية، الدولة القومية والدولة اليهودية كديانة، دولة لشرق أوسطيةَ أو دولة استعمارية استيطانية.

فالتركيبة السكانية لإسرائيل تشمل يهودًا من أصول عربية شرقية واليهودَ الإشكناز من أصول غربية، وهي تطرح نفسها كدولة غربية ولكن لها جذور تاريخية شرقية وهي، في هذا المعنى، أيضًا، دولة غربية في منطقة شرقية.

عرب 48: اللافت أن الصهيونية، ومن بعدها إسرائيل تنجح في التعامل مع تناقضاتها واحتوائها واختيار التوقيت المناسب لحسمها، كما حدث في حالة قانون القومية اليهودي؟

السمان: صحيح، فقد عاشت وما زالت مع الكثير من التعارضات، فمثلا، الحركة الصهيونية هي حركة علمانية قومية، أو حركة تحرر كما تدعي، إلا أن الدّين لعب دورا جوهريا في تأسيسها وهي تحاول بناء نسيج مجتمعي متماسك من خلال "الدين"، كالخلاص وأرض الميعاد، أرض الآباء والأجداد، وبناء الهيكل. وغيرها من القصص التوراتية التاريخية.

وهناك التناقض القائم بين تعريف إسرائيل لذاتها كدولة ديمقراطية وبين طبيعتها العسكرية ودور الجيش في قيادة المجتمع، فرغم تمفصل العسكر في كل مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والإدارية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية، ضمن شبكة رسمية وغير رسمية، إلّا أنها تمارس الديمقراطية والحقوق والحرية والمواطنة والقانون.

فكرة العسكر تتعارض مع ممارسة الديمقراطية، وإسرائيل، منذ نشأتها كدولة، وهي في حالة حرب أو حالة صراع، وهذا ينعكس على تركيبتها العسكرية، ويتعارض مع تطلعاتها أن تكون ديمقراطية، وفي هذا السياق فليست يهودية الدولة التي رسخها "قانون القومية" مؤخرا، هي ما يشوب ديمقراطيتها فقط بل "عسكرتها" أيضا.

وبلا ريب، فإن الحالة الرمادية من الصراع هي محطة لحسم تلك التناقضات أو بعضها لصالح أحد طرفيها، كما حدث مع يهودية الدولة وديمقراطيتها الذي حسمه قانون القومية لصالح اليهودية، وهكذا دواليك.


غادة علي السمان: طالبة دكتوراه في جامعة بير زيت – برنامج العلوم الاجتماعية، وحاليًا هي مرشحة للدكتوراه، وفي مرحلة كتابة أطروحتها التي عنونتها بـ"البيروقراطية الاستعمارية في الضفة الغربية". أنهت درجة الماجستير في الدراسات الدولية، وكان عنوان الرسالة "فرانتس فانون: الازدواجية والاستعمار- جنوب أفريقيا كحالة دراسية". كما أنهت ماجستير ثانيا في العلوم الاجتماعية من نفس الجامعة.

عملت في الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية في وزارة المالية، وأستاذة في الجامعة القدس المفتوحة في دائرة علم الاجتماع. وحاليا تعمل على الأطروحة وتدرس في جامعة بير زيت.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018