الحنيطي: اقتلاع التجمعات البدوية ضمن "تنظيف" مناطق "ج" من الفلسطينيين

الحنيطي: اقتلاع التجمعات البدوية ضمن "تنظيف" مناطق "ج" من الفلسطينيين
من الخان الأحمر المهدد بالتهجير (أ ب أ)

* ترحيل الخان الأحمر حلقة في مخطط "القدس الكبرى"

* هناك مخططات لتركيز بين 30 إلى 40 ألف بدوي في ثلاثة تجمعات

* إسرائيل تواصل ملاحقة البدو في الضفة بعد أن هجرتهم من النقب عام 48


أصابت نكبة 1948 بدو فلسطين مثلما أصابت فلاحيها وسكان مدنها، فمزّقت القبائل البدوية وشتّتت شملها بين الأردن والدولة العبرية الناشئة، والضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل لاحقا، لتتواصل عمليات الملاحقة والتنكيل التي يتعرض لها البدو أسوة بإخوانهم الذين بقوا في النقب عام 1948.

أحمد الحنيطي
أحمد الحنيطي

ويتوزع البدو الذين يعيشون في الضفة الغربية وفي وسطها بالذات، كما يقول الباحث الاجتماعي أحمد الحنيطي، على ثلاث قبائل رئيسية هي: الكعابنة والرشايدة والجهالين، التي نزحت جميعها بعد النكبة من صحراء النقب، وتحديدا شماله الشرقي، تل عراد وجنوب الخليل، حيث نزح جزء من تلك القبائل إلى الأردن وهُجّر البعض الآخر إلى الضفة الغربية.

وبعكس الفئات الاجتماعية الأخرى، لم يرغب البدو المهجّرون بالعيش في المخيمات، بل انتشروا في الأماكن التي تلائم حياتهم البدوية، فانتشروا في الأراضي شبه القاحلة في منطقة الخليل، لكن أدت زيادة أعداد الثروة الحيوانية إلى ما يزيد عن قدرة المراعي على استيعابها إلى جانب الثروة الحيوانية المحلية الكبيرة، ولذلك انتشروا من هناك إلى سائر المناطق، وبشكل أساسي في المناطق الرعوية شبه القاحلة وقليلة السكان في وسط الضفة الغربية.

ومارس البدو حياة التنقل الموسمية بطريقة مماثلة للحياة التي ألفوها في أراضيهم الأصلية في صحراء النقب، وتعتبر الأراضي المنتشرين عليها حاليا، من أهم الأراضي التي استخدموها في عملية التنقل والترحال، وذلك لأن هذه الأراضي تتناسب وتتلاءم مع ظروف حياتهم، فهي أراضٍ رعوية مشاعية، تتوفر فيها عيون الماء بكثرة وقليلة الكثافة السكانية.

ويرصد الحنيطي نزوع العائلات البدوية إلى الاستقرار في تلك المناطق، خاصة بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967 وبشكل أساسي في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، وهي عملية جاءت نتيجة للضغوط الإسرائيلية على البدو، وقيام الاحتلال الإسرائيلي بتقليص المساحات التي يمكن للبدو استخدامها كمراع والسيطرة على عيون المياه

ويشير الباحث إلى تمكن البدو ضمن الشروط الموضوعية التي فرضتها السياسات الإسرائيلية تجاههم، والزيادة السكانية الذاتية، وتقليص أو ثبات أعداد المواشي، من التمسك بثقافتهم ونمط حياتهم، وبقاء الاعتماد في مصدر دخلهم على الثروة الحيوانية، وعلى قدرتهم على إيجاد العديد من الوسائل التي مكنتهم من الحفاظ على نمط حياتهم البدوية.

ويعدّ الخان الأحمر، الذي يسعى الاحتلال إلى اقتلاعه، واحدًا من نحو 46 تجمعًا بدويًا تنتشر على طول الشريط الشرقي لجبال الضفة الغربية من طوباس شمالًا وحتى الخليل جنوبًا، يبلغ عدد سكانها وفق "الإحصاء الفلسطيني" 14 ألف نسمة، بينما يقدّر الحنيطي عدد سكّان مجمل التجمعات البدوية في وسط الضفة الغربية بـ 30- 40 ألف نسمة يشكلون "حجر عثرة" أمام مخططات الاحتلال، إذ تنتشر هذه التجمعات في المناطق الحيوية للاستيطان، خاصة وأنّها تقع في المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية القليلة، وبالتالي فإن صمودها في هذه المناطق يعوق عملية تهويدها واستيطانها بصورة كاملة.

ويقول الحنيطي إنّ إسرائيل تولي لمسألة التخلص من هذه التجمعات أولوية خاصة، وتستخدم مشاريع التهجير القسري كإحدى الآليات "المتحضّرة" لـ"تنظيف الأرض" من التجمعات البدوية.

وحول كتابه "التجمعات البدوية في وسط الضفة الغربية كحالة دراسية"، الذي صدر مؤخرًا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ومشاريع التهجير القسري ضد هذه التجمعات، كان هذا الحوار مع الباحث أحمد الحنيطي من جامعة بير زيت:

عرب 48: من الواضح أنّ محاولات الاقتلاع التي تسعى إسرائيل إلى تنفيذها في الخان الأحمر وغيره من التجمعات البدوية، تندرج ضمن مخطط التطهير العرقي للفلسطينيين في مناطق "ج"، التي تسعى إلى ضمها إلى إسرائيل بعد التخلص من سكانها الأصليين.

الحنيطي: هناك مخططات من قبل الاحتلال لتركيز التجمعات البدوية في مناطق ومساحات محددة، فالحياة البدوية التي تعتمد على الثروة الحيوانية والرعي تمتد على مساحات واسعة، تقع تحت سيطرة هذا النمط الفلسطيني للعيش، وتحدّ، بالتالي، من سيطرة الاحتلال على هذه الأرض، ولذلك فهو يسعى إلى تقليصها وتركيزها في تجمعات محدّدة وضمن مساحات صغيرة من الأرض، بالإضافة إلى إزاحتها من المناطق التي يعيق فيه وجودها من مخططاته الاستيطانية.

وإذا كان الاحتلال يمارس ضد التجمعات القروية سياسة الحصار الاقتصادي والتضييق ومنع تصاريح البناء لدفعها إلى الهجرة القسرية، فإنه لا يتورّع عن استخدام سياسة سافرة من الاقتلاع والترحيل لتحقيق نفس الغرض، وهو إخلاء هذه المناطق من سكانها الفلسطينيين.

عرب 48: الاحتلال يروّج لخلوّ المنطقة "ج" تقريبًا من السكان الفلسطينيين، حيث تتحدث مصادره عن وجود 300 ألف مستوطن مقابل 60 - 100 ألف فلسطيني، لا تخشى آييلت شاكيد مثلا، من منحهم الهوية الإسرائيلية بعد ضم المنطقة لإسرائيل؟

الحنيطي: المنطقة "ج" فيها 300 ألف فلسطيني يمارس الاحتلال ضدهم شتى صنوف الحرمان والحصار وتضييق سبل العيش ومنع التوسع وتطوير قراهم وتجمعاتهم السكنية، وذلك بهدف الوصول إلى تقليص عددهم إلى الحد الذي يسمح له بتمرير مخططاته السياسية ضد هذه الأرض.

ونحن نعرف أن هناك تفاوتًا بين مناطق معينة في المنطقة "ج" ذاتها، فهناك مناطق "خطرة"، مهدّدة بشكل لحظي وهناك مناطق تقع بين القرى، وبالتالي هذا ينعكس على تكيفات الناس وأين يبنون وما هي نسبة المخاطرة.

دائمًا كانت هناك مخططات لضم الغور، كما كانت هناك خطة لبناء جدار جنوبي ولم تخرج إلى حيز التنفيذ، لأن المنطقة مسيطر عليها لأنها مكشوفة وغير مأهولة، خلا بعض التجمعات البدوية التي تمتد على مساحات واسعة بشكل يعيق المخططات الإسرائيلية.

عرب 48: نحن نعرف أنَّ اقتلاع تجمع الخان الأحمر يراد منه تمرير المخطط الخاص بالقدس الكبرى؟

الحنيطي: تهجير التجمعات البدوية في منطقة النبي موسى وبضمنها الخان الأحمر يهدف إلى وصل مستوطنتي معاليه أدوميم وكفار أدوميم من جهة، ووصلهما بالأحياء الغربية لمدينة القدس من جهة ثانية، وتنفيذ مخطط "إي 1"، الذي يصل إلى حدود أريحا تقريبا، وهو المخطط الذي يفصل شماليّ الضفة عن جنوبيّها وينهي حلم الدولة الفلسطينية.

عرب 48: تجميع البدو في "مراكز حضرية" هي طريقة إسرائيلية للسيطرة على أكبر مساحة من الأرض وتركيز السكان في أقل مساحة منها، كما حدث ويتواصل ضد بدو النقب؟

الحنيطي: ملاحقة البدو تتواصل، فالقبائل التي نزحت عن النقب إلى الضفة عام 1948 لاحقها الاحتلال وما زال في مناطقها الجديدة في الضفة الغربية، وهو يعتبرها عدوا تقليديا بسبب تمددها على مساحات واسعة من الأرض بسبب نمط حياتها البدوي الذي يعتمد على الرعي والتنقل.

القبائل التي نزحت إلى الضفة الغربية هي الرشايدة، التي تسكن في أريحا وبيت لحم والكعابنة في أريحا والجهالين في القدس ومحيطها، وهم لم يسكنوا في المخيمات أسوة ببقية اللاجئين، علمًا بأنهم فقدوا الكثير من ثروتهم الحيوانية خلال النكبة، إلا أنهم واصلوا حياتهم التقليدية بحكم نمط حياتهم البدوي غير المرتبط بالأرض بل بالتاريخ، ولذلك واصلوا انتقالهم من أرض إلى أخرى وممارسة أسلوب عيشهم الذي تعودوا عليه.

كذلك يختلف بدو فلسطين بأنهم لا يمتلكون قوة سياسية أسوة ببدو بعض الدول العربية المجاورة، وذلك بحكم الطابع الفلاحي للمجتمع الفلسطيني، ولذلك تواصل تهميشهم أكثر مع وقوع الاحتلال الذي حاصرهم في نمط حياتهم ولقمة عيشهم.

عرب 48: يعتمد المجتمع الفلسطيني في أمنه الغذائي على الثروة الحيوانية التابعة للبدو، ولذلك، فإنّ تقليص هذه الثروة لا يعني الاستيلاء على الأرض وضرب نمط حياة سكانها فقط، بل يمس غذاء كل الفلسطينيين ومصادر عيشهم؟

الحنيطي: صحيح، فالبدو يملكون عشرات الآلاف من رؤوس الماشية التي تشكل مزوّدًا رئيسيا للمجتمع الفلسطيني من الحليب والألبان والأجبان، إضافة إلى أنهم يزرعون في النقب وفي الضفة الغربية آلاف الدونمات من الحنطة والشعير، وهم، في هذا المعنى، يرتبطون بأرض معيّنة يزرعونها ويرعون ماشيتهم فيها ويتمسّكون بها كمصدر رزق وقاعدة اقتصادية لا يستطيعون العيش بدونها.

كذلك، فإنّ الاحتلال الذي يتربّص بأرضهم دفعهم إلى اتّباع طرق جديدة للتنقل، بحيث تبقى هياكلهم الأساسية وحتى جزء منهم في مواقعهم الأصلية عند الانتقال إلى مواقع أخرى لغرض الرعي والبحث عن مصادر مياه، لأنهم يدركون أنهم إذا ما غادروا فلن يسمح لهم الاحتلال بالعودة.

عرب 48: تحدثت عن مخطط النويعمة الذي يستهدف تجميع 12500 إنسان في تلة النويعمة في منطقة أريحا، هل من مخططات تجميع أخرى؟

الحنيطي: هناك "مخطط الجبل" حيث قاموا بنقل عرب السلايمة الواقعة بجانب "معاليه أدوميم" إلى قرية الجبل التي أقيمت بالقرب من مكب نفايات أبو ديس، وهناك مخطط "الفصايل" لتجميع البدو في منطقة غور الأردن.


أحمد حنيطي: حاصل على شهادة الماجستير في علم الاجتماع، ونشر العديد من الدراسات عن المجتمع البدوي والمجتمعات الفلاحية في فلسطين، ويعمل في الأبحاث في معهد الصحة العامة والمجتمعية في جامعة بير زيت.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية