يوميات غزة: ثلاث أمهات وثلاثة شهداء أطفال..

يوميات غزة: ثلاث أمهات وثلاثة شهداء أطفال..
توضيحية (أ ب أ)

لا أحد يدري على وجه الدقة ماذا حصل في اللحظات الأخيرة من حياة الأطفال محمد السطري (13 عاما)، وخالد أبو سعيد (14 عاما)، وعبد الحميد أبو ظاهر (13 عاما)، لكنّ ذويهم يخمنون أن الطفلين السطري وأبو ظاهر انشغلا بنصب شبكة لصيد الطيور البرية، فيما كان الطفل أبو سعيد ينبش الأرض بيديه كي يجمع بعض "الحشائش" البرية، وجبة عشاء لأغنامه التي يرعاها وتنتظره في حظيرته الصغيرة.

الاحتلال بدوره رأى ثلاثة شبان يعملون على تخريب السياج الأمني الفاصل، وينبشون الأرض لزراعة عبوة ناسفة تستهدفه دورياتهم المكثفة على طول المناطق الحدودية شرقي القطاع المحاصر من 12 عاما. 

بعد مرور نصف ساعة على غروب الشمس يوم الأحد الماضي، تجمّع الأطفال الأصدقاء الثلاثة شرقي قريتهم الحدودية، "وادي السلقا"، تجمعهم هواية صيد العصافير، وحب الطبيعة.

لم يكن تواجدهم في هذا المكان الخطر غريبا، فقد شاءت الأقدار لقرية "وادي السلقا"، أن تلاصق السياج الحدودي بين قطاع غزة وأراضي الـ48.

أصدقاء فتيان أكبرهم بالرابعة عشر من عمره، يقطنون في نفس الحي "وادي السلقا" ويعيشون حياة بسيطة، منازلاهم لا تبعد عن المناطق الحدودية المحاذية للسياج الأمني الفاصل شرقي القطاع المحاصر سوى 500 متر، اعتادوا أن يذهبوا للعب وصيد العصافير والحمام في الأراضي الزراعية القريبة، استهدفهم الاحتلال في إحدى رحلات "ألعاب الصيد"، ليلة الأحد الماضي، وادعى أنه قصف شبان يحاولون زرع عبوة ناسفة على الطرف الآخر من السياج.

"نور عيني راح"

منيرة السطري

"يا حبيبي يا وحيدي يما رحت وراح قلبي معك"، هكذا استهلت والدة الشهيد محمد السطري (13 عاما) وهي منيرة السطري حديثها لـ"عرب 48"، وتابعت "محمد وحيدي (ولدي الوحيد) لديه 5 أخوات، خرج بالأمس بعد المغرب مباشرة، ذهب وأصدقاؤه للمنطقة القريبة لصيد العصافير، لم أكن أعلم أن هناك قصف أو شهداء".

وأوضحت "تعودنا على سماع القصف ولم يخطر لي أن محمد هو المستهدف، في الساعة 11 مساء بدأ صوت سيارات الإسعفات يقترب من المنطقة شيئا فشيئا، الضجة عمت المكان تدريجيًا وحركة كثيرة من حولي، لم افهم ما يجري، ألقيت نظرة على غرفة محمد لم أجده، إحساس بداخلي قال لي إن محمدًا قد استشهد".

استطردت السطري في حديثها "القصف كان بعد صلاة المغرب بنصف ساعة، جاءني الخبر في حوالي الساعة 11 مساء، احتجزهم الاحتلال أكثر من ساعتين ومنع دخول الطواقم الطبية للمنطقة".

نفسًا عميقًا نظرة خلاله في فراغ خلفه حصار أفقها في قطاع يعاني انقطاع سبل الحياة، أخذته، صمتت حينًا، ثم قالت: "كل يوم ننام على صوت القصف ونستيقظ على صوت القصف بحكم المنطقة التي نعيش فيها، دائما كان (محمد) مساعدا لوالده، قبل استشهاده بأسبوع عمل لنفسه مشروعًا للتصليح والتجميع، وكان يصلح للأطفال في الحارة عجلات درجاتهم الهوائية، ويقوم بتجميع قطع السيارات ويعيد تركيبها، كان يأتيني بوجه ملطخ ‘بالشحمة‘ وكأن عمره 27 عامًا، لم يكن صغيرًا، الحياة كبرته".

"تعمد الاحتلال قتل أطفالنا"

سلوى أبو سعيد

الحزن يلفها وعيونها لم تتوقف عن البكاء، قالت سلوى أبو سعيد، والدة الشهيد خالد أبو سعيد (14 عاما)، في حديثها لمراسلة "عرب 48": "خالد ترتيبه الثاني في إخوته، عند سمعنا الانفجار وكان قريبًا جدا من منزلنا، سمعناه بشكل قوي".

وتابعت "لكن من كثر ما بنسمع أصوات القصف أصبحنا لا نكترث، لم يخطر في بالي أن خالد ممكن أن يكون شهيدا في تلك اللحظات". وتابعت "كان يحب الحفلات إلي بتصير في الحارة وبيروح عليها، فخطرلي أنه هناك، ولم أكن أعلم أن طفلي أصبح جسده أشلاءً، أخوه الأكبر منه أبلغني الساعة 10 أن الأخبار تتحدث عن سقوط ثلاث شهداء وأعمارهم ما بين الـ14 والـ13 سنة، قلبي أخبرني أن خالد من ضمنهم".

وأضافت "الكاميرات ما حددت إذا هم أطفال ولا لا، لو اعتقلوهم أرحم من عذاب القلب، هوايته الصيد وتربية الأغنام، يومه يبدأ في المدرسة ويلعب ألعاب إلكترونية في محل بالحارة. تفاجآنا من ادعاء الجيش أنهم يمتلكون عبوة ناسفة، أطفال لا يعرفون ما هي العبوة أصلا لا أحد من أفراد العائلة عنده نشاط عسكري، تعمد الاحتلال قتل أطفالنا".

"بدي أجبلك بيت على البحر"

عايشة أبو ظاهر

فيما روت عايشة أبو ظاهر، والدة الشهيد عبد الحميد أبو ظاهر (13 عاما)، حادثة استشهاد ولدها بحرقة وألم كبيرين، وقالت في حديثها لـ"عرب 48": "في الصباح قبل ذهابه للمدرسة ضمني بقوة وقال لي أحبك كثيرا يا أمي وفيك حنان لا يعوّض وأريد البقاء في حضنك".

وأوضحت "حياتنا صعبة والوضع سيئ، دمر منزلنا في عدوان 2014، كان يقول لي دائما ‘سأعوضك يا أمي عن كل ما هو سيئ (...) بدي أجبلك بيت ع البحر وأرض عشان تزرعيها وتعيشي فيها‘، مليان حياة وطاقة، عدم وجوده في المنزل أصابني بهوس، سمعنا القصف كالمعتاد، بدأت الأخبار الساعة 11 مساء، شكيت في الأمر، ولم أشاهد التلفاز كي لا تؤكد النشرات ما كنت اشعر به، ولكن لا مفر، فراقه صعب، كان هو روح البيت".

وبعد إطلاق الصاروخ الذي اغتال الأطفال بدقائق، تحولت هذه المنطقة الحدودية إلى ساحة حرب، فطائرات عسكرية مُسيّرة تابعة للاحتلال الإسرائيلي وأخرى مروحية تحوم في سماء المنطقة، وآليات مدفعية على مشارفها، فيما أزيز الرصاص يدوي في الأجواء.

جثامين الأطفال الثلاثة (أ ب أ)

كل ذلك لم يثن أهالي "وادي السلقا" عن الخروج إلى الشوارع وهم في حالة غضب شديدة، فيما خرج المواطنون من كل منطقة في القطاع، وكانت هتافاتهم تطالب تخرج من حناجرهم عالية، تطالب فصائل المقاومة و"المسؤولين" بصوت واحد: "عليكم الرد على عملية الاغتيال الوحشية التي نفذتها طائرات الاحتلال بحق أطفالنا".