عام على إعلان ترامب: توغل للاستيطان وتسريب للعقارات بالقدس

عام على إعلان ترامب: توغل للاستيطان وتسريب للعقارات بالقدس
القدس القديمة محط أطماع الاحتلال (عرب 48)

شكل إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس، مرحلة جديدة فتحت شهية الاحتلال أكثر على الاستيطان في المدنية وتهجير أهلها الفلسطينيين والاستيلاء على عقاراتهم والتنكيل بهم في حياتهم اليومية.

بدت دلالات إعلان ترامب توحي بمؤشرات خطيرة على مستقبل المدينة عبر حصار وتضيق على المقدسيين وإمعان في التوسع الاستيطاني في قلب التجمعات الفلسطينية، كما أخذ الصراع الديموغرافي أبعادا مختلفة عما كان في السابق ليكون عنوان المرحلة "الطرد والإحلال"، فيما ظهرت ملامح الإبعاد الدينية والصهيونية التي ترى بـ"القدس الكبرى".

وفقا للإحصائيات الفلسطينية ودائرة الخرائط ونظم المعلومات في بيت الشرق، يسكن القدس قرابة 400 ألف فلسطينيا، فيما يواصل الاحتلال مخططه لعزل وسلخ قرابة 150 ألفا خلف الجدار برصد قرابة 6 مليار شيكل لهذا المخطط.

وتطلع سلطات الاحتلال إلى إتمام المخطط الإستراتيجي بحلول عام 2020 بالإعلان عن تدشين "القدس الكبرى" التي ستقلص عدد الفلسطينيين إلى 12%، بينما سيكون الأغلبية من اليهود بواقع 88%، ليسكن القدس نحو مليون مستوطن، علما أنه يبلغ تعداد المستوطنين بالقدس الشرقية نحو 220 ألفا.

القدس الكبرى

ويرى مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية في "بيت الشرق"، خليل تفكجي، أن قرار ترامب أعطى الضوء الأخضر للحكومة الإسرائيلية بالتخطيط للقدس 2050 بعد أن أشرفت على إنجاز مشروع "القدس الكبرى" والإعلان عن القدس في عام 2020 عاصمة للشعب اليهودي في العالم.

كما أن عام 2018 وبعد نقل سفارة واشنطن إلى القدس تميز، بحسب تفكجي، بتراجع الضغوطات الدولية والأوروبية على حكومة الاحتلال بكل ما يتعلق بالتعامل مع الفلسطينيين بالمدينة المحتلة، كما أن ذلك حفز لانطلاق قطار التطبيع وهرولة بعض الدول العربية والإسلامية لإبرام علاقات علنية مع إسرائيل.

وقال تفكجي لـ"عرب 48"، إن عام 2018 أسس لمرحلة جديدة بالمشروع الاستيطاني بالقدس، حيث تم المصادقة والشروع في بناء أكثر من 10 آلاف وحدة استيطانية بالقدس ومحيطها، منها 2400 وحدة داخل الأحياء المقدسية، حيث وضعت إسرائيل برامجها ومخططاتها على الطاولة، بعد أن كانت بالأدراج وشرعت بالعمل فوق وتحت الأرض، وحتى في فضاء وسماء القدس.

ولفت إلى أن إسرائيل التي استغلت إعلان ترامب للإمعان في فرض هيمنتها وسيطرتها على القدس، استغلت أيضا الانقسام الفلسطيني وعدم منح القدس أولوية في أجندة العالمين العربي والإسلامي الذي كانت وجهته نحو التطبيع.

إجماع صهيوني

وشدد تفكجي على أن المتحول الجديد في هذه المرحلة، هو وضوح الإجماع الصهيوني لكافة أطياف الحركات والأحزاب بإسرائيل على أن القدس عاصمة للشعب اليهودي، مع غياب الصوت الذي كان يطرح إمكانية تقسيم المدينة أو منح الفلسطينيين أي مكان بالقدس في سياق أي تسوية سياسية مستقبلية.

تحولت القدس يقول مدير دائرة الخرائط ونظم المعلومات الجغرافية "إلى قلب الشعب اليهودي ورمز للدولة العبرية وحجر الأساس للمشروع الصهيوني، فيما تنظر إسرائيل للفلسطينيين مجرد مجموعات سكنية يتم ملاحقتها وخلق ظروف طاردة لدفعها على الهجرة الطواعية".

وأكد أن إعلان ترامب ساهم بالتعجيل في عملية البناء والتوسع الاستيطاني وضم الكتل الاستيطانية، والمصادقة على مخططات استيطانية إضافية لم نعهدها من قبل هدفها إحكام السيطرة، وفي المقابل، بدا طرح سلطات الاحتلال علانية بنقل أكبر مجموعة من الفلسطينيين إلى ما وراء الجدار وعزلهم عن المدينة المحتلة.

وأوضح أن إسرائيل ماضية في فرض وقائع على الأرض بكل ما يتعلق في الصراع على الرواية التاريخية والجغرافيا والديموغرافيا، إلى جانب الشروع بعملية طرد للمقدسيين وهدم منازلهم وإحلال للمستوطنين وتوسيع المشروع الاستيطاني حتى داخل الأحياء السكنية الفلسطينية، سواء في سلوان، وشعفاط، والشيخ جراح، ووادي حلوة، وبيت حنينا.

صراع الروايات

لم تقتصر مخططات الاحتلال على الاستيطان، بل أعطى إعلان ترامب منحى علني وإضافي برفع وتيرة الصراع على الرواية التاريخية، وبالتوازي مع ذلك أمعنت سلطات الاحتلال باستهداف المقدسيين من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والمعيشية، والتعلمية، والسياسية والدينية.

وعمدت سلطات الاحتلال إلى غلق الجمعيات الأهلية ومنظمات العمل المدني التي كانت العون والداعم للمقدسيين، كما تمادت باستهداف المقدسات الإسلامية والعربية والتصعيد في الاقتحامات للمسجد الأقصى والمشاريع التهويدية والاستيطانية على أسوار القدس القديمة، وتحويلها إلى ما يسمى "الحوض المقدس"، والسماح للمستوطنين بالسكن في الحدائق التوراتية وعين سلوان التي تعتبر خاسرة الدفاع الوحيدة عن جنوب الأقصى والبلدة القديمة.

تفكيك المجتمع

وقال المحامي، خالد الزبارقة، وهو مدير مؤسسة القدس للتنمية التي حظرتها سلطات الاحتلال، إن "إعلان ترامب عكس مضامين فعلية لسلطات الاحتلال بمخططاتها لتفكيك المجتمع الفلسطيني في القدس كمقدمة لتهجيره وإرغامه على الرحيل والمضي في تحويل المدينة كتجمع سكني لليهود، حتى تتحول المدينة نقية من الأغيار وخالية من كل ما هو غير يهودي".

وأكد زبارقة لـ"عرب 48"، أنه خلال الأشهر التي تلت إعلان ترامب القدس عاصمة للاحتلال الإسرائيلي، كان واضحا بأن الإعلان مشبع بالخطاب والمفاهيم والمعتقدات الدينية والصهيونية التي يؤمن بها ترامب، إذ أن تفعيل هذا الإعلان وإخراجه لحيز التنفيذ رافقه تفكيك لكل العوامل لبناء أي مجتمع، هدم، تشريد، حصار تجاري واقتصادي وغلق للجمعيات والمنظمات التي تعنى بكافة المجالات الحياتية والمجتمعية والسياسية والثقافية، وهذا بغية النيل من صمود المقدسيين.

وأوضح أنه تم استهداف وملاحقة عشرات النشطاء في الجمعيات والمنظمات التي تم حظرها، وذلك بهدف تفريغ المدينة من أي نشاط داعم ومساند للمقدسيين الذين يعيشون بغالبيتهم العظمى تحت خط الفقر، وذلك بسبب سياسات الإفقار التي تنتهجها سلطات الاحتلال ضد التجار والاقتصاد والمشغل والعامل المقدسي الذي بات رهينة للقمة العيش ويواجه مخاطر التفكك المجتمعي.

ويجزم الزبارقة بأنه بدون هذه الجمعيات والمنظمات أصبح المقدسي ضعيفا وعاريا قبالة مخططات سلطات الاحتلال لاستهدافه في أسرته ولقمة عيشه وتجاريته ومنزله وأرضه، لافتا إلى أن دور السلطة الفلسطينية غائبا عن المدنية المحتلة وأن الصوت الوطني في السلطة يعمل بشكل شخصي بكل جد وإخلاص لدعم المقدسيين، لكن هناك نوع آخر خطير له الدور في تسريب العقارات ومساومة المقدسيين الذين ورغم كل ما يتعرضون له صامدون وثابتون.

إعلان حرب

ويتفق مدير عام مركز معلومات وادي حلوة، جواد صيام، مع طرح الزبارقة، لكنه كناشط ومسؤول مقدسي يجزم بأن إعلان ترامب كان بمثابة إعلان حرب على العالمين العربي والإسلامي، ولما كان الرد العربي بالاحتجاج الخجول ومنهم من فتح باب التطبيع، فقد بات المقدسي الجندي الوحيد في ساحة الحرب مع إسرائيل على القدس والقضية الفلسطينية.

ولعل أخطر ما ترتب عنه إعلان ترامب يقول صيام لـ"عرب 48"، هو إن "الحكومة الإسرائيلية منحت الجمعيات الاستيطانية الضوء الأخضر وأطلقت لها العنان بالتوسع والنشاط الاستيطاني على كافة الأصعدة دون أي حسيب أو رقيب، إذ تنشط اليوم أكثر من 25 جمعية استيطانية وتتنافس فيما بينها لتعزيز الوجود اليهودي وإقصاء الوجود الفلسطيني بالقدس".

ويرى مدير مركز معلومات وادي حلوة، أنه منذ لحظة إعلان ترامب وبعد الشجب والاستنكار لوحظ تراجع الدعم الدولي للمقدسيين سواء بالمواقف أو حتى بتمويل الجمعيات، إذ أن ترامب وبظل تراجع الموقف الدولي ساهم بقراره حشد تأييد دولي لإسرائيل على حساب القضية الفلسطينية وتحديدا في ملف القدس.

لم تكن المشاريع الاستيطانية أو حتى وضع اليد على عقارات اللاجئين وتسريب العقارات للجمعيات الاستيطانية غائبة عن المشهد، يقول صيام، بيد أن إعلان ترامب من ناحية فتح الباب على مصارعيه للجمعيات الاستيطانية كما لحكومة الاحتلال التي شرعت القوانين أيضا من أجل وضع اليد على العقارات تحديدا في البلدة القديمة والأحياء في سلوان ووادي حلوة التي تعتبر الخاصرة الجنوبية الدفاعية عن المسجد الأقصى، فهناك نحو 700 عقار للفلسطينيين في محط أطماع الجمعيات الاستيطانية التي تحرك ملفات ملكية أمام القضاء الإسرائيلي الذي بات الختم المطاطي لتنفيذ مخططات الاستيطان والتهويد للقدس وطرد الفلسطينيين.

ويعتقد أن قضية تسريب عقار آل جودة "عقبة درويش" في البلدة القديمة، الذي أتى بعد إعلان ترامب كان بمثابة القشة التي كسرت ظهر البعير وفضحت المستور بكل ما يتعلق في توجه إسرائيل نحو وضع اليد على مئات العقارات تحديد في البلدة القديمة، إذ كان ذلك بمثابة جس نبض للسلطة الفلسطينية التي لم تتعامل بحزم مع ظاهرة تسريب العقارات التي تشكل خطورة وتهديدا للوجود الفلسطيني بالقدس.

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية