"صُنِع في الخليل"؛ حكايةُ صناعة الكمامة الفلسطينيّة الأولى لمواجهة كورونا

"صُنِع في الخليل"؛ حكايةُ صناعة الكمامة الفلسطينيّة الأولى لمواجهة كورونا
بعض عمّال المصنع أثناء عملهم (أ ب أ)

من يستمع إلى حكاية صناعة الكمامة الأولى في فلسطين، والتي صُنِعَت من أجل الوقاية من فيروس كورونا المستجد؛ يظنّ أنها أسطورة وأقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.

"الحاجة أمّ الاختراع"؛ هذا ما قاله لنا الشاب أمجد ازغير، الذي يبلغ من العمر 30 عامًا، ويسكن في مدينة الخليل المعروفة لكثيرين بأنها مدينة التجارة الكبرى في الضفة الغربية المحتلة، ومدينة الصناعات المحلية، حتى أنّ البعض يلقبها بـ"صين فلسطين".

ولادةُ الفكرة

وقال أمجد في حديث مع موقع "عرب 48": "سمعنا عن الحالات الأولى لتفشي وباء كورونا في مدينة بيت لحم بتاريخ 5 آذار/ (مارس)، وفي اليوم التالي علَت أصوات من المستشفيات في بيت لحم ومن بقية المحافظات، تُفيد بأنّ هناك نقصًا حادًّا في الكمامات".

وأضاف أمجد: "بشكل عام تُصدَّر الكمامات من الصين، وبسبب الظروف العالمية في الوقت الحاليّ، أُغلِقت كل الطرق، وتوقف تصدير الكمامات من الصين، كما توقف تصدير أغلب البضائع، لذا اشتريتُ كمامة من السوق، وتفحّصتها وقلّبتها بين كفيّ شمالا ويمينا، وقلت في سرّي: ليس من الصعب صناعة كمامة. أنا أستطيع فأنا ابن السوق أبا عن جد، كما أننا عملنا في صناعة الأحذية منذ زمن، ونملك مصنعا لصناعة الأحذية، ولمّا استطعنا أن نصنعَ أحذيةً فلِمَ قد لا نستطيع أن نصنع كمامة؟".

الشاب أمجد ازغير

وهكذا بدأت رحلة أمجد الشاقّة والشيّقة والمضحكة بعض الشيء، لصناعة الكمامة الفلسطينيّة الأولى.

وتابع أمجد: "أدركت أن المواد الخام التي تُصنع منها الكمامة تشبه إلى حدٍّ كبير المواد الخام التي نصنع منها الأحذية، لذا توجهت إلى صديقي الصيدليّ، الدكتور أديب شرباتي واستشرته في الموضوع، ليُفاجئني بأنّ مادة صناعة الأحذية تختلف كثيرا عن المواد الخام لصناعة الكمامة، وشرح لي بالتفصيل الممل أي مادة خام سأحتاجها كي أصنع كمامة".

وأضاف: "بدأتُ بالبحث في أنحاء الخليل عن المواد الخام الطبيّة، ووصلت بعد عناء إلى تاجر قام باستيراد كمية كبيرة من تركيا قبل عام لكنه لم يصنع الكمامات لأنه اكتشف حينذاك أنّ تكلفةَ استيراد الكمامات من الصين أقلّ من صناعتها محليًا، وهو ما دعاهُ لتكديس بضاعته حتّى اشتريتها أنا منه، وعدت إلى مصنعي".

"لم أرفع يداي"

وهنا بدأتْ أولى الخطوات الفعليّة، والتي ستليها محاولات كثيرة، باستخدام آلات وأجهزة مختلفة، والتي سردَ لنا أمجد تفاصيلَها بكلّ شغف، ضاحكًا من المحاولات المتكرّرة.

وقال أمجد: "حاولتُ أن أخيط الكمامة بواسطة ماكينة الخياطة العادية، لكنني لم أنجح في ذلك لأن المادة الخام التي تُصنع منها الكمامة رقيقة جدا، ما أدّى إلى تمزُّقِها أثناء الخياطة. فكرت جليًّا؛ كيف أستطيع أن أصنع الثلاث ثنيّات للكمامة، وفي سبيل تحقيق ذلك حاولت فعلَ ذلك بالمكوى العادي لكيّ الطيات لكن المادة الخام احترقت".

وأضاف: "فكرت بطريقة أخرى لصنع الطيات في الكمامة، واهتديت إلى فكرة التنظيف الجاف بالبخار، فتوجهت في الحال إلى مكان لتنظيف الملابس بالبخار، وجربت كوي المادة الخام لكنها احترقت كذلك لأن درجة الحرارة كانت مرتفعة، ولكنني لم أرفع يداي (لم أستسلم)".

وأوضح أمجد أنه كان يتجول في الخليل، محاولا طرقَ كلّ باب قد يساعده، لذا فقد استشار مهندسين، وحرفيين، وخياطين مَهَرة، حتّى اهتدى بعد ذلك كله إلى آلة كهربائية يُطلَق عليها "فلسييه"، والتي تستطيعُ صناعة الثنيات الثلاث، للكمامة، إذ إنها "ماكينة خياطة وبنفس الوقت، تخيط وتكوي بدرجة حرارة مرتفعة جدا".

واسترسلَ أمجد بصوت تملؤه نشوة النجاح: "أعطيتُ الشاب الذي يعمل على الآلة مقاييس الكمامة وقام بخياطتها بشكل دقيق. كانت فرحتي لا تُوصف، ولا سيّما أن النجاح جاء بعد عدة محاولات لم أُوفَّق فيها، إلا أن فرحتي لم تكتمل لأنني واجهتُ مشكلة جديدة، والتي تمثّلت بالكيفيّة التي سأقوم فيها بخياطة رباط الكمامات المطاطي".

خاصّ بـ"عرب 48"

وقال: "حاولنا أن نخيطه بنفس آلة الخياطة لكننا لم ننجح في ذلك، لذا عدتُ إلى منزلي شبهَ يائسٍ، ولم أكن أعرف ما يتوجّب عليه فعلهُ، ونمتُ محبطًا".

ولم يستسلم أمجد للمحاولات الفاشلة التي قام بها لصنع الكمامة، كما لم يتمكّن اليأس من قلبه وبخاصّة عندما استمع للأخبار وعرف أن عدد الإصابات في المدينة، آخذ في الازدياد، وأن نقص الكمامات يسبب مشكلة كبيرة، ويساهم في نقل العدوى. ومع بداية يوم جديدٍ تجددت معه الأخبار المُقلقة حول تفشّي الفيروس في الضفة؛ ازداد أمجد إصرارا وعزيمةً على إيجاد حلّ سريع.

وذكر أمجد: "قلت لنفسي إذا استطعت أن أصنع هيكَلَ الكمامة، فما الذي تبقّى؟ إنه الرباط المطاطي، ولا بُدّ أنني سأجد طريقة ما لفعلها، إذ لا أستطيع أن أقف مكتوف اليدين وأنا أرى ما يحدث حولي".

إتمام صناعة أول كمامة فلسطينية

وأكمل: "حملت الكمامة غير الجاهزة في يدي، وانتقلتُ بها من مكان إلى آخر، بالإضافة إلى إجراء كثيرٍ من التجارب، حتى اهتديت إلى ماكينة كهربائية تُثبّت (تكبس) الرباط من الأطراف، فجرّبناها ونجحنا، وأخيرا باتت أوّل كمامة فلسطينية بين يديّ".

ولم يتبقَ لأمجد بعد تجربةٍ ليومين متتاليين مضنيين، إلا موافقة رسمية من وزارة الصحة الفلسطينية على الكمامة، وهو ما دفعه للاتصال بالغرفة التجارية في الخليل، وإخبارهم بأنه نجح في صناعة الكمامات، فقاموا بدورهم بالاتّصال بمحافظ الخليل، الذي قام بالاتّصال بوزارة الصحة في رام الله ليخبرهم بكل فخر واعتزاز؛ بأنّ أول كمامة فلسطينية، أُنجِزَت وصُنعت في الخليل.

(أ ب أ)

وقال أمجد: "لم أصدق أن (اتّصالا) من مكتب محافظ الخليل، وصلني، وطُلِب مني أن أُحضر عشر كمامات وأن أتوجّه إلى مكتب المحافظ شخصيا في تمام الساعة التاسعة ليلا، وأُخبِرتُ أن مندوبًا من وزارة الصحة من رام الله، قد حضر خصيصا في ساعة متأخرة إلى الخليل ليستلم الكمامات بنفسه ويؤخذها إلى فحص آخر".

وأضاف: "ذهبت في الميعاد المحدد، ووجدتُ أن مدير الغرفة التجارية في الخليل كان هناك، وأخذ مندوب وزارة الصحة الكمامات مني وخرج متوجها إلى رام الله، ولم أستطع النوم في تلك الليلة من فرط القلق، وفي تمام الساعة التاسعة صباحا تلقيت هاتفًا من محافظ الخليل شخصيا، أعلَمني فيه بأن وزارة الصحة قامت بفحص الكمامات، مؤكدا أن ’الكمامات الخليلية’ نجحت في الفحص، فطرتُ من السعادة!".

بدايةُ الإنتاج

وبدأت كل هذه المحاولات بتاريخ 6 آذار/ مارس، وفي 9 آذار/ مارس من الشهر ذاته، بدأ أمجد ومصنعه عملهما بعد أن صادقت وزارة الصحة الفلسطينية على الكمامات الخليلية، ليتحوّل بذلك مصنعُ صناعةِ الأحذية، إلى المصنع الأول في فلسطين لصناعة الكمامات، الأمر الذي أثبتَ أن مدينة لمدينة الخليل القدرة الصناعية والتجارية كي توفّر الكمامات التي اختفت من السوق الفلسطينية، والأسواق العالمية في ظل الوباء المتفشي.

3 أيام فقط كانت كافية لأمجد، البعيد كل البعد عن صناعة الكمامات، أن يتعلم مهنة جديدة بعيدة عن مجال اختصاصه، فيما أوضح أمجد أنه من السهل إيجاد ايدي عاملة في الخليل وعلى حد قوله فقد " جنّدَ 30 عاملٍ بسرعة، ولا سيّما أن الأوضاع في الخليل صعبة وهناك الكثير من الشبان عاطلون عن العمل".

(أ ب أ)

وحولَ بداية الإنتاج، قال أمجد: "بدأنا الإنتاج لكننا لم ننجح في اليوم الأول إلا بصناعة 500 كمامة. وفي اليوم الثاني 100 كمامة، لذلك قمتُ بتشغيل 20 عامل آخرين".

وهكذا أصبح مصنع ازغير الأول من نوعه في فلسطين، وبات المصنع ينتجُ كمية تتراوح بين 7 آلاف و9 آلاف كمامة في اليوم، لكن الطلب على الكمامات لا يتوقف، وما ينتجه أمجد في اليوم غير كافٍ لسدّ حاجة السوق المحلي، فالوزارات والمؤسسات الحكومية تأخذ كماماته، والشرطة الفلسطينية كذلك، والمستشفيات والصيدليات حتى، ناهيك عن التجار الذين يتوجهون إليه.

فخر الصناعة الوطنية؛ عينٌ على الأسواق العالميّة

وقال أمجد: "وجدت طريقة أخرى مكّنتنا من صناعة 15 ألفَ كمامة في يوم واحد، وقمت مجددا بتشغيل عمال جدد، إلا أن مصنعي غير كاف لاستيعاب هذا العدد من العمال، لذلك استأجرت مخيطة، وهناك عمال يعملون بها لزيادة الإنتاج"، مُشيرا إلى أنه لم يبدأ بصنع الكمامات "لأسباب تجارية"، وموضحا في الوقت ذاته: "من خلال المصنع أنا اخدم أبناء شعبي في الأزمة التي نعاني منها، والأهم أننى وفّرت عملا لـ50 عاملٍ، وباتَ المصنع يعيلُ 50 عائلة فلسطينية".

(أ ب أ)

ورغم أن الطلبات لا تتوقف، إلا أن أمجد يبيع الكمامات للمؤسسات الحكومية بأجهزتها المختلفة وللمستشفيات، بسعر شيكل ونصف للكمامة، لكن هذه الأسعار لا تشمل الصيدليات الخاصة والتجار، كما تلقّى أمجد طلبيات من كل صوب، ليتعدّى بذلك فلسطين، إذ وصلت عدة طلبيات من الأردن، والكويت، والإمارات، وكندا، وتجار إسرائيليين، وتجار من فلسطينيي الداخل، لكن الكمية التي يقوم بإنتاجها لا تفي بالغرض، وبعد أسبوع ستنفذ المواد الخام التي يملكها، لكنه متفائل وقام بطلب كمية كبيرة من المواد الخام من تركيا، ما قد يُسبب مشكلة جديدة سوف تواجهه، إذ كيف سيستطيع إدخال البضاعة إلى فلسطين في الوقت الذي تُغلق فيه الدول حدودها، ما تسبب بتوقف كثير من مرافق التجارة والطيران؟ وفي الحقيقة، إن هذا السؤال أقلقَني أنا، ولم يُقلِق أمجد الذي قال: "لا تخافي فقد نسقتُ الأمر مع الغرفة التجارية الفلسطينية، التي قامت بالاتصال بالغرفة التجارية الإسرائيلية، والغرفة التجارية الإسرائيلية، قامت بالاتصال بالجمارك وأكدوا لي أن الشحنة سوف تصل في الوقت المناسب لأنها مواد طبية ونحن والعالم أجمع، نعاني من كارثة إنسانية ونحن في حالة طوارئ".

خاصّ بـ"عرب 48"

ولم يكتفِ أمجد بما حقّقه خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، فقد أكد أن مصنعه سيبدأ خلال أسبوع واحد، بإنتاج 100 ألف كمامة يوميا، مُشيرا إلى أن كمامته "سوف تُباع في جميع أسواق العالم".

وأضاف أمجد:" كمامات الخليل مُميّزة جدا، إذ إنها لا تشبه أي كمامة صُنعت في العالم، ومن يرى الكمامات التي أصنعُها سوف يعرف فورا بأنها صُنعت في الخليل؛ فخر الصناعة الوطنية".



"صُنِع في الخليل"؛ حكايةُ صناعة الكمامة الفلسطينيّة الأولى لمواجهة كورونا

"صُنِع في الخليل"؛ حكايةُ صناعة الكمامة الفلسطينيّة الأولى لمواجهة كورونا

"صُنِع في الخليل"؛ حكايةُ صناعة الكمامة الفلسطينيّة الأولى لمواجهة كورونا

"صُنِع في الخليل"؛ حكايةُ صناعة الكمامة الفلسطينيّة الأولى لمواجهة كورونا