عانين... قرية فلسطينية مُهشَّمة وبوابة محتملة لعبور كورونا

عانين... قرية فلسطينية مُهشَّمة وبوابة محتملة لعبور كورونا
فلسطينيان يعملان في الداخل (صورة خاصّة بـ"عرب 48")

مع بزوغ فجر السادس والعشرين من شهر آذار /مارس الماضي، كثَّف الضبابُ تدريجيًا حضوره على قمم جبال قرية عانين، وراحت مشاهدُ البيوت القابعة بكبرياءٍ صامت تستسلم طوعًا للضباب من على تلة "اسكندر" في الجهة الأخرى من الوطن، وقد بدتْ فرصةُ العبور إلى الداخل عبر الجدار العازل جاهزةً للاقتناص. على وقع تحركات سيارات قوات الشرطة الفلسطينية، كانت مجموعة من عمال القرية تستعدُ للعبور للداخل في رحلة شقائهم اليومية، فيما كثّفت الشرطة الفلسطينية والاحتلال على حدٍ سواء، من تواجدهما في القرية والقرى الحدودية المجاورة لها، منذ إعلان حالة الطوارئ بسبب تفشي فيروس كورونا المستجدّ.

وصلتُ سيرًا على الأقدام من وسط قريتي إلى أقصى نقطة عند الجدار العازل. شاهدتُ سيارة تابعة لجهاز المخابرات الفلسطينية، مركونة إلى جانب مدرسةٍ مهجورة كُنتُ قد تعلّمتُ فيها قبل أعوام. يقفُ إلى جانب مدرستي القديمة خمسة شُرَطيين تواجدوا منذ طلوع الفجر لمنع العمال من العبور، كما كانوا يُدققون في هويات القادمين من إحدى مُدن الداخل، حيث كانوا يعملون.

وفي الجانب الآخر بدت تحركات عددٍ من جنود الاحتلال سريعةً على طول خط الجدار، وبصعوبة رصدتُ حركة جنديٍ يدقق بمنظاره في حركة المارَّةِ و بيوتِ القرية وتلالها.

إحدى الطرق المؤدية للقرية (صورة خاصّة بـ"عرب 48")

"تعلّمتُ هنا قبل أعوام"

قلَّبت -بألمٍ- دفاتر ذاكرتي، وعلى وقع خطواتي، شاهدتُ مدرستي التي أضحت خرابًا وقد تحولت إلى مكبٍ للنفايات! دلفتُ بقلب طفلٍ إلى غرفةِ الصف الأول، حيث كنت في صبيحةِ اليوم الأول من أيلول/ سبتمبر عام 1989، أجلسُ على أحد المقاعد بصحبة خمسة وأربعين طالبًا. بدت صبٌّورة الصف يتيمةً مُهشَّمةً: هنا صَلبني أستاذ اللغة العربية -كعقابٍ- طيلة الحصة الأولى لأنني فشلت بكتابة حرف الهاء في أول السطر! وعند هذا الشباك كنا نَتجمعُ كسنبلة قمحٍ، كي نُدقق في وجوه الكادحين الذاهبين إلى أعمالهم في الداخل، وخلف هذا الباب كنا نتلصصُ على معلمينا الجالسين أثناء استراحة الغداء. يا إلهي كيف مَزَّقت السنين كل هذه الذكريات وابتلعتها، قبل أن تُشمِّعها باللون الأحمر؟ غادرتُ الغُرَفَ الصفية التي بُنيت في الخمسينيات، إلى صفوفٍ أخرى تبعد عنها كيلوا مترًا واحدًا. كانت مدرسة القرية وقتذاك صغيرة، وكان الطلابُ يتلَقون فيها تعليمهم حتى الصف التاسع الأساسي، ومن ثم ينتقل من يريد متابعة تحصيله الدراسي منهم، إلى إحدى مدارس القرى المجاورة.

أفاقَ أهالي عانين في صباح أحد أيام أيار/ مايو، من عام 2002، على وقع صوت "بلدوزرات" الاحتلال وهي تنهشُ بنهمٍ كروم زيتونهم، وخلال اشهرٍ قليلة أُحيلت الجبال إلى طريقٍ واحدٍ مُجهزٍ لبناء جدار الضم والتوسع على أراضي القرية، ووقعت صدامات شارك فيها أهالٍ ومتطوعين أجانب؛ فشلت في تحقيق أي انتصار على الأرض، وقد تفتّقتْ قلوب الأهالي عقب مصادرة 11 ألف دونم راح نصفها في شارع أُقيم عليه جدار إسمنتي كما نُصِبَت أسلاك شائكة، فيما ظلَّ النصف الآخر محتجزًا بإهمالٍ خلف الجدار ولم يُسمح بالوصول إليه، إلا في يومين خلال الأسبوع فقط، وعبر بوابة زراعية، وبتصاريح يصدرها الاحتلال وفقًا لمزاجه!

تئنُ القرية التي يقاربُ عدد سكانها الخمسة آلاف نسمة تحت وطأة خوف مهول من انتقال عدوى الفيروس إلى سكانها، كونها معبرًا حيويًا للدخول والخروج من وإلى الداخل. تزامنت حالة الطوارئ التي تعيشها القرية مع وفاة عجوز ثمانينية في الحي المجاور للجدار العازل، وتحت أشعة شمسٍ خجولة أقامت عائلة الفقيدة صلاة الجنازة في ساحة صغيرة قريبة من منزلها، ومن ثم حُملَ الجثمانُ -بحضورٍ خجول- على الأكتافِ، وقد قدَّم أحد أقرباء الفقيدة عبر حسابه في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" اعتذارًا عن عدم استقبال المعزٍِّين، حرصًا على سلامتهم، وتماشيًا مع حالة الطوارئ التي يعيشها الوطن.

قرية عانين؛ تعرضت لإهمالٍ لأعوام (صورة خاصّة بـ"عرب 48")

ليس سرًا أن الجدار الذي يقطع القرية قد مُزقت أجزاءٌ كبيرة منه في السنة الأخيرة الماضية، وقد ضاق الكادحون ذرعًا بالمسافات الطويلة عبر نقاط العبور التي يُتاح العبور منها إلى الداخل، كما أنهم تعبوا وهم يرون مدينة أم الفحم "قِبلةَ" عملهم تقع على مسافة لا تتجاوز نصف كيلو متر واحدٍ، دون أن يستطيعوا الوصول إليها! وقد أسَرَّ لي في وقت سابق، أحد المقربين من الدوائر المحيطة من أجهزة السلطة، أن تجاهُل الاحتلال وتغاضيه عن دخول بعض أهالي القرية والقرى المجاورة إلى الداخل؛ يأتي في إطار تفاهمات سرية بين الجهات الفلسطينية والاحتلال لتخفيف الضغط على الفلسطينيين الذين يعتمد الكثير منهم على العمل في الداخل كي يُعيلوا عائلاتهم.

"وفِّروا لي مصروف عائلتي وسأجلس في بيتي"

استطعتُ الانفراد بحديث موجزٍ مع أحد رجال الشرطة الذي قال لي: "لسنا هنا للتنكيل بأهلنا، نريد سلامتهم فقط، عبرَ منعهم من التسلل إلى الداخل، خشية نقل عدوى فيروس كورونا الذي يتسارع انتشاره هناك بطريقة هستيرية".

وأضاف الشرطي: "(يتوجّب) على العائدين منهم إجراء الفحوصات الطبية اللازمة والضرورية". قطع حديثنا اتصالٌ هاتفي أفاد بأن إحدى الدوريات في القرية، قد حجزت مواطنًا غزيًا عائدًا للتو، من الداخل عبر إحدى فتحات الجدار، وقد نُقلَ بسيارة خاصة إلى المركز الكوري في مدينة جنين، للكشف عما إذا كان مصابًا بفيروس كورونا.

بصوت عالٍ طلبَ شرطي آخر من ثلاثة شبان بضرورة تسليم هوياتهم للشرطة وإجراء الفحص الأولي بعد أن اجتازوا الجدار للتو، قادمين من أم الفحم. في الأثناء تقدم الممرض يعقوب ناصر حمدان الذي يعمل متطوعًا في لجنة الطوارئ، لقياس درجة حرارتهم، وقدَّم لهم إرشادات توعوية قبل أن يؤكد على ضرورة مراجعتهم المركز الكوري لإجراء الفحوصات. انفجر أحدهم بالشرطي غاضبًا أثناء التدقيق في هويته، وقال: "ماهي بدائلكم لنا؟ وفِّروا لي مصروف عائلتي وسأجلس في بيتي".

في ضواحي القرية (صورة خاصّة بـ"عرب 48")

فحصُ عائلة بانتظار النتيجة

أرشدَ حمدان طوال أربعة أيام مضت ما يزيد عن خمسين مواطنًا مرّْوا عبر الجدار العازل، وقد أفصح باقتضاب شديد متجنبًا ذكر أسماء، أنه وزملاؤهُ في لجنة الطوارئ، تلقوا اتصالًا هاتفيًا من عائلة في القرية كانت قد استقبلت قبل يومين شخصا من قرية بدّْو قضاء القدس، كان قد خالطَ عائلة سُجلت فيها 18 إصابة بفيروس كورونا ، وقد بدت أعراض الحمى والسعال على ثلاثة من أفراد العائلة الذين قد خالطو الشاب من بدو، وعلى الفور نُقلت العائلة إلى المركز الكوري، ولم تظهر نتيجة الفحص حتى وقت كتابة المادة الصحافية هذه. وفي ساعة متأخرة من الليلة ذاتها نُقلَ طفل لم يتجاوز عمره عشرة سنوات على عجل إلى طوارئ المشفى الحكومي في المدينة بعد أن قاربت درجة حرارته الوصول إلى الأربعين مئوية، ما تسبّب بهلع بالنسبة لعائلته، التي أرى أن هلعها كان مبررًا لأن أحد أشقائه كان قد وصل قبل ثلاثة أيام قادمًا من عمله في إحدى قرى الشمال في الداخل، والتي سُجلت فيها إصابة واحدة بالفيروس، لكن الفحوصات كشفت أن الطفل مصاب بإنفلونزا اعتيادية.

وأنا أرتب حكايات هذه المادة الصحافية، تساءلت في سرّي؛ كيف سيتلقفُ القارئ البعيد -حينما يقرأ- آلام الضحايا الفلسطينيين على امتداد رُقعة هذا الوطن القابع تحت قهر احتلال غاشم، وأجهزة أمنٍ فلسطينية مارستْ على مرّ 27 عامًا "إخصاءً ذهنيًا" للأبرياء؟ وقد حوَّلت للأسف، أموال الدُول المانحة إلى جيوب طبقة برعت بتصدير الخطابات السياسة من خلف ربطات عنق، وهواء بارد، ومياه مُقطّرة. وفشلت منذ توقيع اتفاقية أوسلو في بناء نظام صحي كامل يكفل لفقراء الوطن علاجًا مجانيًا! وبتنا وكأننا معلّقون بين مطرقة كورونا المتفشي وتأمين لقمة العيش!

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"