الظاهر والباطن في استطلاع رأي اللاجئين 2003 / انور حمام*

الظاهر والباطن في استطلاع رأي اللاجئين 2003 / انور حمام*

منذ فترة والجدل دائر حول الاستطلاع الذي تم من أجل استطلاع اراء اللاجئين حول قضايا الحل الدائم ، حيث انقسمت الآراء والمواقف حول الاستطلاع فهناك من ينادي بضرورة التروي والتفكير بالنتائج التي خلص اليها على اعتبار أن المركز ومديره مشهود لهما بالكفاءة العلمية البحثية وهم أهل " مكة " في هذا المضمار، وهناك من يشكك ويذهب الى اتهام القائمين على الاستطلاع بالتزوير والتضليل، ومحاولة ارضاء أطراف ومواقف سياسية ،على اعتبار أن هذا الاستطلاع ما كان ليكون لولا أُريد له مثل هذه النتائج.

الموضوع يرجعني الى " بيار بورديو " وما كان يقوله ويكرره دائما في مؤلفه حرفة عالم الاجتماع من انه " بقدر ما لا يوجد تسجيل كامل الحياد فانه لا يوجد أيضا سؤال محايد "، وبالتالي الباحث الذي لا يخضع أسئلته للاستجواب العلمي فان تحليله للأجوبة لن تكون حيادية وستبدو مشوهة تماما كما أراد حين قام على نحو مقصود بتشويه الأسئلة، وبالتالي فالاستطلاع والجدل الدائر حوله يطرح وبجدية ضرورة التفكير بالأسئلة وصياغتها وهل حقا أُجري عليها تدقيق منهجي حيادي، أم أُريد لها أن تصاغ بهذا الشكل لتقود المبحوث من حيث لا يدري الى بحر متلاطم من الاجوبة التي ستلتصق به، وهنا لا بد من الاتيان على ملاحظات حول الاستطلاع وما جاء به ليس من باب التخوين أو التكفير، ولكن من باب الأمانة العلمية التي تحتم على كافة الباحثين الفلسطينيين التمعن والنظر بشكل دقيق للاستطلاع ومستوياته المختلفة وكافة مراحله نتائجه.
من حقنا كباحثين وكلاجئين أن نستفسر عن مصادر التمويل، وهل حقا أن هذه المصادر حيادية أم أن لها أجنده خاصة ورؤية خاصة لكيفية حل موضوع اللاجئين، فشخصيا شاركت بأكثر من بحث أثناء دراستي وبعدها هنا فلسطين، وفي دولة الدراسة تونس، وكنت أشاهد وقاحة الممول وهو يفرض شكل الأسئلة التي بالضرورة ستفرض نوعية الاجابات، فهل حدث هذا في استطلاعنا موضوع النقاش ؟ لا أحد يمكن أن يجيب عن السؤال افضل من الأسئلة نفسها ونتائجها، ولا تحتاج أي استمارة الى الكثير من الحذلقة لمعرفة ان كانت تروج الأفكار أم هي حيادية أم موجهة من أطراف أخرى ، والجدل هنا يجب أن يتسع لا ليتم نقاش موضوع اللاجئين فقط بل النقاش يجب أن يطال علمية العلم وهل هناك صرامة ورقابة منهجية على الأبحاث التي تجرى في مجتمعاتنا وحولها وبالتالي على كل المهتمين أن يعيدوا قراءة الاستبيان بتمعن .
الاستطلاع تم في كل من الاردن قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان، ويتحدث الاستبيان في احد ملاحقه بأن عدد اللاجئين هو الرقم المسجل لدى الانروا والبالغ 4025684 والموجودين في الأقاليم الأربعة التي تمثل أماكن عمل الانروا، ولكن أين ذهب أصحاب الاقليم الرابع" سوريا " الذين لم يمثلوا في الاستطلاع، وما هو مصير اللاجئين في العراق ومصر والخليج وأوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وكافة أماكن الشتات الفلسطيني، ان الحديث في الاستبيان يدور على أن اللاجئين هم زهاء أربعة ملايين لاجئ في حين أن الحقيقة أن اللاجئين هم أكثر من سبعة ملايين، كيف لنا أن نتحدث عن عينه ممثله مهما كانت التقنيات المستخدمة في اختيارها ونحن نلمس استثناءً لأعداد هائلة من اللاجئين من كونهم لاجئين، هذا من جهة ،ومن جهة اخرى لماذا أُعطي اللاجئين نسب متساوية من حجم العينة في كل من فلسطين والأردن ولبنان مع العلم بان نسبهم مختلفة ومتفاوتة من المجموع العام لعدد اللاجئين فهم على التوالي ( 38% ، 42% ، 10 % ) كما جاء في احصائية الانروا للعام 2002 بالتالي من الضروري أن يكون تمثيلهم بالعينة يعكس تمثيلهم بالنسبة للعدد الكلي للاجئين المسجلين على أقل تقدير ان تعذر الحصول على العدد الكلي للاجئين في كافة انحاء العالم .

اضافة لكل ما سبق فقد تم اسقاط اللاجئين داخل الخط الأخضر المعروفين باسم أبناء القرى المهجرة، ولم نلحظ أي تمثيل لهم داخل العينة، وهي محاولة تنسجم وتتماشى مع الموقف الاسرائيلي حول رفض التطرق لهم باعتبارهم يعيشون ضمن الدوله الاسرائيلية، وباعتبارهم شأن داخلي اسرائيلي.

هذا الضعف في التمثيل أساسي يجعلنا نقف مليا أمام أعداد الأفراد المبحوثين في الضفة الغربية على سبيل المثال والبالغ عددهم 482، ونتساءل كيف تم اغفال النظر لمخيمات كبلاطه والعين ونور شمس والفارعة وعقبة جبر وبيت جبرين وعسكر الجديد وقدورة وغيرها من المخيمات غير المعترف بها من قبل وكالة الغوث، فنجد أحيانا انه تم أخذ ثلاث مخيمات من نفس المحافظة، وأحيانا لم يتم النظر لسكان المخيمات في محافظة كاملة كجنين، وأحيانا أخرى لم يتم النظر للاجئين سكان المدن تماما كما حدث مع أريحا ، لا أدري كيف تمت القرعة أو اختيار العينة العشوائية المنظمة ، وأيضا بالنسبة للمبحوثين تم الاعلان عن أن المبحوث هو رب الاسرة أو من ينوب عنه ، فلماذا لم يبرز لنا الاستطلاع متغيرات العمر والجنس والمستوى التعليمي لدى المبحوثين ، ان هذه المرونة حول من هو المبحوث وفكرة الانابة وعدم التحديد العمري والجنسي والتعليمي ، وبناءً على التجربة العملية تجعل من الباحث الميداني يستسهل وتترك له هامش ليختار من يقوم بالإجابة على الاستبيان ، عدا كون العينة من حيث الحجم صغيرة جدا فمثلا على مستوى التجمع السكاني كيف يمكن لعشرة أفراد أن يعكسوا ميولات ومواقف الآلاف من البشر ، وكيف يمكن أن تقنع اللاجئين في المخيمات التي لم تكن جزءً من العينة بأن عدم تمثيلهم في جاء محض صدفة عشوائية قررتها الطريقة والمنهج ، في حين أن قرى تحتوي على عشر لاجئين كقرية تل تم اختيار جميع أفراد اللاجئين فيها ليصبحوا أفراد في العينة .
البحث يسعى وعلى نحو محموم لجس النبض وعمل ما يمكن تسميته بالديمغوجيا أو أدلجة وبث ثقافة أو اقتراحات جديدة ، فالبحث مبني على اقتراح سياسي يتم الترويج له وهو ما يعرف باقتراح طابا ، ففي مفاوضات طابا 2001 قدم الجانب الفلسطيني اقتراحا للحل والذي يشمل على رؤية واليات للحل ، وقد قدم الجانب الاسرائيلي رداً غير رسمي على المقترح الفلسطيني والذي يحمل في طياته الكثير من المغالطات والتجاوزات لحقوق اللاجئين ، والاستطلاع يتبنى من حيث الصياغة والمضمون الرد الاسرائيلي ويحاول أن يجد لهذا الرد موطئ قدم في ذهنية اللاجئين المبحوثين ، وكان من باب الحيادية والعلمية أن يتم الاعلان في مقدمة الاستطلاع من أنه استطلاع يهدف لقياس مواقف اللاجئين من المقترحات الاسرائيلية المقدمة في طابا بشكل غير رسمي.الاستطلاع يحاول وبشكل ملفت للانتباه التحايل على طموحات اللاجئين عبر طرح فكرة " هل ترغب بالعودة الى أراضي في 48 والتي سيتم مبادلتها لتصبح جزء من الدولة الفلسطينية ، وهذه الصيغة المبهمة جعلت النسب في التعاطي مع هذه السؤال عالية نوعا ما ، رغم أن اللاجئين في هذا السؤال تم التغرير بهم فهم لا يعرفون معنى التبادلية في الأراضي وربما ظن الكثير منهم انهم سيعودون الى مناطق قريبة من يافا والرملة والناصرة وقريبة من قراهم وأراضيهم ، أو ربما ظنوا أنهم سيعودون الى أراضيهم مباشرة ومن ثمة سيتم تحويلهم خلال العملية التبادلية الى الدولة الفلسطينية، ولم يدركوا بأن المقصود بهذا الأراضي المعروضة للتبادل هي أراضي صحراوية قرب الحد الجنوبي لقطاع غزة ، والتي تختلف قيمتها المادية والجغرافية والتاريخية، فهي اراضي جرداء مقترح مبادلتها بأراضي بمنتهى الأفضلية كالتي يقام عليها تجمع المستوطنات المحاذية " لمستوطنة أرائيل ".
العودة للدولة الفلسطينية هي للذين نزحوا عام 1967، ولكن عند الحديث عن لاجئين منذ العام 48 والذين يجري اقتراح حلول لمشكلتهم في الانتقال للدولة الفلسطينية كحل دائم فهذا يسمى توطين أو دمج أو اعادة توطين، ولا يمكن أن يطلق عليه عودة، فالعودة هي للأرض والبيت ومصدر الرزق التي طرد منها اللاجئ عام 48، ولكن الاستطلاع يحاول أن يخلق نوعا من ثنائية العودة وكأن الانتقال للعيش داخل الدولة الفلسطينية يوازي شرعيا وقانونيا "العودة" للبيت في أرض 48، وكان الأجدر عند طرح السؤال ان يتم كالتالي هل ترغب بالعودة الى مناطق 48 أم " ترغب بالتوطين أو الانتقال في الدولة الفلسطينية "، إن التلاعب بالمفاهيم كما أعلنا منذ البداية قد يقود أو بالضرورة سيقود الى اجابات مغلوطة ولا تعكس طموح اللاجئين ولا رغباتهم ولا مشاعرهم، هذا بالإضافة الى ان الاستطلاع يمارس نوعا من العنف الرمزي اتجاه اللاجئين فهو يحاول تنفير اللاجئين من العودة الى أراضي عام 48 وعلى نحو ملحوظ تقول الاسئلة للاجئ انك ان عدت هناك فسوف تحمل الجنسية الاسرائيلية والهوية وتخدم في الجيش ويطبق عليك القوانين الاسرائيلية وتقيم في دولة يهودية.

ويلاحظ أن الاستطلاع وطوال مدة الأسئلة يطغى عليه الميل نحو معالجة كافة الموضوعات التي قد تنشأ في حال قبول اللاجئين بالانتقال للدولة الفلسطينية وتسعى الأسئلة لمعالجة قضايا السكن والمستوطنات كمكان بديل والتعويضات، وقد تم اغفال معالجة القضايا التي قد تنشأ بالضرورة عن عودة اللاجئين الى مناطق 48، فلم نلحظ أي سؤال أو خيار هل ستعود للمدن والقرى الموجودة أم ترغب بمدن جديدة مخصصة للعائدين في مناطق 48.

والمبكي المضحك في هذا الاستطلاع هو أنك تقرر سلفا أن العودة للأراضي عام 48 هي عودة جزئية وكوتا، ولكن في نفس الوقت تخير اللاجئين، وهذا تناقض بنيوي على مستوى الحل والاقتراح وانعكس في الاستطلاع وفي تحديد الاجوبة، وكل ما بني عليه من اجابات هي أوهام، فأنت قررت سلفا فلماذا هذا التخيير.فالاستطلاع يستبعد احتمالية العودة مع التعويض وهو يقرر سلفا اما عودة أو تعويض، وفي أحس الأحوال توطين وتعويض، فلم نلحظ أي خيار يتحدث عن أن اللاجئين الذين سيعودون الى بيوتهم عام 48 سوف يعوضون، والاستطلاع يظهر التعويض وكانه عن الممتلكات والأراضي في حين ان التعويض يتجاوز هذا الفهم الى مستويات متعددة فهو تعويض عن الأضرار النفسية والألم، وعن الفرصة الضائعة وعن عدم استغلال الأرض طيلة السنوات التي كان اللاجئ فيها لاجئاً ، وهو تعويض وعن البيوت والممتلكات المدمرة.

والاستطلاع يطرح موضوع التمثيل وهو قضية قانونية شائكة تفوق قدرات اللاجئين عن فهم أبعادها، فعادة المفوضية اللاجئين هي التي تقوم بتمثيل اللاجئين حول العالم، ولكن في الحالة الفلسطينية هناك شيء مختلف فهناك جدل كبير على المستوى القانوني حول الموضوع، ولكن سياسيا تم حسم الموضوع باعتبار أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد.

ويثير الاستطلاع تخوفات من مدى قدرة فهم اللاجئ العادي لقضايا ذات ارتباطات سياسية وقانونية وعلى سبيل المثال الاستطلاع يتطرق حول مشاركة اللاجئين في الانتخابات المحلية والبلدية، فلماذا لا يتم التفصيل حول هذه المسألة التي لها ارتباطات سياسية ليس من المفترض أن يكون جمهور اللاجئين على دراية تامة بتبعاتها، والسؤال عن هل هناك ظروف يمكنك ان تقبل فيها ان تعيش مع اليهود بسلام وأمن وتصالح سؤال مبهم وغير واضح ويقود الى التشتيت، فلماذا مثلا لم يتم السؤال على النحو التالي "هل إذا انسحبت اسرائيل وإعادة الحقوق الفلسطينية وعلى رأسها حق العودة هل أنت مستعد للعيش بسلام وأمن وتصالح ؟" ويتساءل الاستطلاع عن هل هناك وجود ظروف اقتصادية واجتماعية في الدولة الفلسطينية قادرة على استيعاب اللاجئين ، لماذا لم يتم كذلك التساؤل عن نفس الظروف في اسرائيل، ولماذا لا يتم التساؤل عن دور وكالة الغوث بعد الحل ، ولماذا فقط التساؤل حول وجودها ، وهذا أيضا مذكور في الاقتراح الاسرائيلي الداعي الى الغاء وكالة الغوث، ودائما يسأل الاستطلاع اللاجئين ذا كانوا سيلعبون دورا في بناء الدولة الفلسطينية ، فلماذا لم يتم سؤال الذين يفضلون العودة داخل أراضي 48 عما اذا كانوا يفضلون المساهمة في اعادة بناء المجتمع العربي الفلسطيني داخل الخط الأخضر.

أخير فان النظره السريعة للاستطلاع تجعل بما لا يدع مجالا للشك أن منطلق هذا البحث وان غلف بغلاف أكاديمي وعلمي منطلقا سياسيا بالأساس ومصدره الرد الاسرائيلي على الاقتراح الفلسطيني المقدم في طابا حول موضوع اللاجئين عام 2001.







*باحث بموضوع اللاجئين