القذافي يروي تفاصيل اللحظات الاخيرة قبل تسميم السرداب بنابلس

القذافي يروي تفاصيل اللحظات الاخيرة قبل تسميم السرداب بنابلس

روى احد الناجين من عملية تصفية قائد كتائب شهداء الاقصى في الضفة نايف ابو شرخ وستة مسلحين آخرين، تفاصيل عملية اغتيال السبعة في البلدة القديمة في نابلس. وقال الناشط في كتائب شهداء الاقصى الملقب بـ "القذافي" ويعرفه سكان نابلس القديمة بهذا الاسم انه كان بين ثلاثة نشطاء آخرين من المجموعة نجوا باعجوبة السبت الماضي من السرداب حيث لقي السبعة حتفهم.

وقال ان اكتشاف المخبأ "تم صدفة وليس بناء على معلومات استخباراتية دقيقة كما يدعي الجيش الاسرائيلي. ربما كان الجيش يعرف اننا في تلك المنطقة لكنه لم يعرف اين كنا تحديدا".

واضاف "القذافي": "عندما اجتاحت قوات الاحتلال البلدة القديمة ليل الاربعاء الخميس اشتبكنا مع الجنود ثم انسحبنا بعد ان اطبق الجيش على البلدة الى مخبئنا الواقع في حوش الجيطان، وهو عبارة عن غرفة قديمة صغيرة مظلمة ورطبة تحت الارض ندخلها من فتحة في سقفها بمساحة 50 سم في 50 سم ومموهة جيدا باربع بلاطات يمكن ازاحتها".

وتابع "مكثنا داخل المخبأ ثلاثة ايام وكنا عشرة اشخاص، ثمانية من كتائب شهداء الاقصى وواحد من حماس وآخر من الجهاد الاسلامي وكان قائدنا ابو شرخ معنا. يوم السبت قرر ابو شرخ ونضال الواوي ان يخرجا من المخبأ لاستطلاع الوضع واجراء بعض الاتصالات لمعرفة اين يتواجد الجيش وقد مكثا في بيت مجاور للمخبأ نحو نصف ساعة. لدى عودتهما، دخل ابو شرخ من فتحة السقف ثم حاول ان يدخل بعده الواوي لكن جنودا اسرائيليين كانوا يكمنون في الجوار عاجلوه باطلاق النار عليه فاستشهد فوق باب المخبأ وعندها مد ابو شرخ يده محاولا جر نضال الواوي الى الداخل الا ان الجنود اطلقوا النار عليه واصابوه بيده فقفز الى الداخل طالبا منا ان نحمل اسلحتنا الا ان الجنود قاموا مباشرة بالقاء قنابل دخانية وغازية داخل المخبأ".

وتابع: "كنا نعلم بوجود سرداب ضيق يمتد من المخبأ الى واجهة من الجبص اذا كسرت تؤدي الى مطبخ احدى الغرف المجاورة. وبالفعل كنت اول الزاحفين عبر السرداب البالغ طوله خمسة امتار وخلفي عدد من الشباب وقد فضلت الموت بالرصاص على الموت اختناقا تحت الركام". واوضح القذافي انه "عندما وصلت الى الواجهة كسرتها بحجر وقفزت عبرها وانتهزت الفرصة متسلقا حافي القدمين ماسورة حديدية ترتفع نحو ثلاثة امتار باتجاه نافذه كسرتها بيدي ودخلت منها ثم تمكنت من الابتعاد رغم انني كنت اكاد اختنق من الغاز والغبار والدخان".

واكد ان صادق النابلسي (كتائب الاقصى) الذي كان "خلفي قفز من الواجهة لكنه سلك طريقا آخر فراه الجنود واطلقوا عليه النار فاصابوه واعتقلوه".

واضاف القذافي "لم اصدق انني نجوت لكنني كنت على يقين تام بان الشباب قد استشهدوا لأن الجيش واصل اطلاق القنابل عليهم بكثافة داخل المخبا قبل ان يتمكنوا من الخروج كما فعلت".
وعثر المواطنون بين الجثث على عارف طبنجة (كتائب الاقصى) الذي اصيب بساقيه الا انه تمكن من النجاة بفعل كوة صغيرة داخل السرداب كان احتمى داخلها. وبدا وجه القذافي، الذي ارتدى بنطالا من الجينز وقميصا اسود، شاحبا تغطيه لحية خفيفة فيما كانت عيناه دامعتين ويردد باستمرار "لا حول ولا قوة الا بالله كانوا افضل الشباب، كان ابو فتحي (يقصد نايف ابو شرخ) بمثابة الاب لنا جميعا".

ولا ينكر القذافي ان الضربة الاخيرة التي لحقت بكتائب الاقصى في نابلس كانت كبيرة" لكنه قال "بدأنا العمل بتنظيم انفسنا من جديد ولن نستسلم ابدا".
"كنت دوما أتوقع استشهاده، كثيرا ما تخيلته في جنازة كل شهيد، ظل طيلة عمره في مقدمة المطلوبين لدى الاحتلال الإسرائيلي"، بهذه الكلمات بدأ عمار الحديث عن أخيه الشهيد نايف أبو شرخ -45 عاما- قائد كتائب شهداء الأقصى بالضفة الغربية الذي اغتالته قوات الاحتلال الإسرائيلي مع ستة من رفاقه خلال العملية العسكرية الأخيرة بنابلس.

وقال عمار وهو يستقبل المهنئين باستشهاد شقيقه وسط ساحة النصر داخل البلدة القديمة بنابلس في اليوم الثالث على استشهاد اخيه: "مثل الكثير من الفلسطينيين سمعت عن استشهاد سبعة مقاومين في نابلس، حينها حدثني قلبي أنه معهم، فقد كان منذ سنوات من أبرز المطلوبين لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي".

وأشار إلى أنهم لم يروه منذ ما يزيد على عامين ونصف العام سوى مرات معدودة وقصيرة جدا، وأنه قضى حياته متنقلا بين أزقة البلدة القديمة في نابلس.

ولم يكن قائد الأقصى الشهيد مطلوبا للجيش الإسرائيلي منذ انتفاضة الأقصى فقط، وإنما ظل لسنوات طويلة على قائمة المطلوبين لدى الاحتلال، حيث اعتقل عام 1987 وقضى بالسجون الإسرائيلية نحو ثماني سنوات.

وولد أبو شرخ لعائلة بسيطة في البلدة القديمة في نابلس، حيث تربى وترعرع، واشتهر بين أقرانه بـ"صقر نابلس"، كما عرف عنه طيبة القلب وإخلاصه في التعامل مع القضية الفلسطينية.

وتزوج أبو شرخ قبل 22 عاما، وله 4 أولاد، أكبرهم فتحي الذي يقبع الآن في سجون الاحتلال منذ أكثر من 14 شهرا، وفادي 20 عاما، بالإضافة إلى شادي -7 سنوات- وعميد 6 سنوات.

وشكل الاجتياح الأول لمدينة نابلس في إبريل 2002 نقلة هامة في حياة أبو شرخ، فقد بات على رأس المطلوبين لقوات الاحتلال الإسرائيلي، التي داهمت منزله عشرات المرات في منطقة سوق البصل داخل البلدة القديمة بنابلس بغية اعتقاله، لكنها لم تفلح في ذلك.

وقال عمار الذي قضى هو الآخر أكثر من 15 عاما في سجون الاحتلال: إن شقيقه "لم يتوان لحظة عن الدفاع عن القضية الفلسطينية وتقديم المساعدة لأي من الشباب المقاومين وخاصة المطاردين من قبل الاحتلال". وأضاف: "رغم رحيله وغيابه عن العيون فإنه لن يفارق قلوبنا. كان الأب والأخ والصديق، أحب الغريب قبل إخوته وأولاده. أحب وطنه وآثره على الجميع. من يسير على هذا الدرب يجب أن يتوقع ما حدث لنايف، فقد كنت أرى جنازته مع كل جنازة شهيد تخرج" أشار عمار.

بدأ التركيز على نايف منذ بداية انتفاضة الأقصى لكن في الثلاث شهور الأخيرة كان جنود الاحتلال يوزعون بيانات وكانوا يطلبون فيها من الناس عدم تقديم المساعدة له ولرفاقه. ويشير عمار إلى أن معاناة الأسرة بدأت بعد اجتياح نيسان عام 2002 "لتبدأ بعدها مداهمة المنزل كل أسبوع وكل شهر، وتعرضنا للاعتقال ولتحقيق شرس وتعرضنا لضغوط كبيرة انا واخوتي، ومن ثم تم تفجير المنزل ثلاث مرات حتى يضيقوا علينا".

وعن حياة نايف يتابع عمار بحزن شديد: كان يربي أولاده على محبة الناس والوطن، وكان منذ صغره حنونا، صبورا يحب الناس كثيرا، ويعمل على مساعدتهم، هكذا عاش حياته التي تعتبر حافلة بالمعاناة والعطاء.
أبو شرخ كان يعمل في منشار حجر منذ كان عمره 15 عاما إلى أن اعتقل عام 1986 وحكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات وأفرج عنه على اثر اتفاق اسلو قبل انتهاء محكوميته ب 20 يوما، وخرج بعد ذلك ليكون من مؤسسي نادي الأسير وكان رئيسا له لفترة محدودة، ومن ثم انتقل للعمل في جهاز الارتباط العسكري ومن ثم عمل في جهاز المخابرات الفلسطيني في المدينة ليتحول مع بداية الانتفاضة إلى أبرز المطلوبين لإسرائيل.

نايف كان من أبرز الأشخاص الذين وحدوا الفصائل الفلسطينية وظهر هذا من خلال استشهاد قائدي حماس والجهاد الإسلامي معه وهما جعفر المصري وفادي بهتي ("الشيخ إبراهيم") إضافة إلى أربعة آخرين من مقاتلي كتائب الأقصى. فهو يعتبر بمثابة محور تتوازن عليه الفصائل والتنظيمات كافة، وكان يتمتع بعلاقات طيبة مع جميع قادة التنظيمات الفلسطينية، وهو رجل قيادي محنك، يمتلك حسا امنيا مميزا.

وعن الشهيد أبو شرخ يروى عمار توجهاته السياسية قائلا: لقد عاش أخي حياته محبا للسلام، كان مؤمنا بضرورة أن نحصل على حقوقنا، ولذلك خاض نضاله الطويل والصعب في سبيل سلام حقيقي دائم وثابت. لقد قتله شارون وجيشه لأنه كذلك، لأنه رجل قائد ومقاتل في سبيل السلام، توقعنا ذلك، فهم يريدون للحرب أن تدوم وتستمر، أبو شرخ يدرك قيمة السلام وكيف يتحقق وهو شخصية فذة في مجال تعامله مع واقعنا السياسي المعقد، وهؤلاء ما تحاول إسرائيل تصفيتهم.

"أخبرني المسعفون، بداية، أن نايف لم يستشهد. لم أصدقهم، كان لدي أحساس كبير بان صدمة نايف ستأتي لا محالة، قلبي كان يقول لي: نايف في خطر، هذه المره غير كل تلك المرات".

تتابع أم نايف تفاصيل ألمها بحرقة. قالت انها كانت اعدت طبقا من "ورق الدوالي" وراحت تتمنى ان ياتي ابنها ليشاركها لذة الطعام. لكن عندها سمعت عن استشهاد الشاب نضال الواوي، عندها أيقنت ان نايف في خطر.

وتضيف : " لقد صدمت، شعرت بشيء يغلي في داخلي، ابني الذي كان يحب العيش بسلام شعرت أنه يموت، أو مات مع نضال، كنت اعرف ان نضال مع نايف، القيت "بالدوالي" جانبا، خرجت رغم حظر التجول، كنت أصرخ بقوة، وخرجت إلى الشارع وتوجهت إلى حي الجيطان حيث استشهد نضال.

"قلت لهم أين نايف؟ أخبروني انه لم يستشهد، أكتشفت لاحقا أنني في مستشفى رفيديا، هناك لم أجد نايف، أخبروني مرة ثانية انه لم يستشهد، لم أصدقهم، قلبي كان يقول انه في خطر.

بعد بكاء طويل أخبر المتواجدون داخل المستشفى ام نايف ان ابنها في مستشفى نابلس التخصصي وهو بحالة جيدة، لكننها لم تصدق، ونقلت بسرعة إلى هناك، وصلت لتكتشف انه لا زال على قيد الحياة.

لكن خمسة دقائق كانت الأخيرة في حياة أبو شرخ ونظرات والدته مشدودة إليه، لتصعد روحه إلى السماء بعد ان عجزت جهود الأطباء ونظرات الأم ودموعها وتوسلات الرفاق ودعواتهم له بالشفاء. فقد استخدمت القوات الاسرائيلية غازا خاصا في عملية تصفيتهم.

وخلال فترة الخمس دقائق قامت أم نايف التي يصفها الجيران وأهالي البلدة القديمة "بالجبارة" بتقبيل ابنها في كل أنحاء جسده، وتكلمت معه على امل أن يرد عليها، ان تسمع منه كلمة واحدة تشير إلى انه سيعيش، لكن روحه فاضت إلى باريها، لتصرخ صرختها المقدسة التي سمعها جميع من في المستشفى.

زوجة أبو شرخ "أم فتحي" التي ذاقت مرارة مطاردة زوجها كما استشهاده، لا يمكن أن تنس كل لحظة من العذاب الذي مرت به أثناء بحث قوات الاحتلال عن زوجها، لا تنسى أيضا لحظة اعتقالها مع شقيق زوجها، عندما اقتادها الجنود إلى قصر عبد الهادي حيث اعتقد جند شارون أن نايف يختبئ هناك، ومن ثم طلب منها الجنود أن تنادي على نايف وتقول له بالحرف الواحد:" نايف سلم حالك"، لكن لم يرق لهذا ما طلب منها وأن تطلب من زوجها أن يسلم نفسه وبدأت بالنداء كامرأة فلسطينية أحبت وطنها وقالت عبر مكبرات الصوت :" نايف الكابتين يانيف يقول لك سلم نفسك" هي قالت ذلك لكي لا تطلب هي من زوجها تسليم نفسه، لكن طلب منها الضابط مرة أخرى أن تقول:" نايف سلم حالك" لكنها لم تفعل ذلك أبدأ.

ويشير عمار شقيق أبو شرخ ان جثمان أخيه لم يصب سوى برصاصة واحدة في يده، وهذا يشير إلى أن عملية إعدام الشهداء السبعة كانت بدم بارد استعمل الجيش خلالها الغازات السامة الكيماوية.

ويتابع: العلامات على أجساد الشهداء وألوانها تشير إلى ذلك، كانت اجسادهم زرقاء كأنهم اختنقوا في داخل النفق. وهذا ما دفع الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن بمطالبة المجتمع الدولي ومجلس الأمن بتشكيل لجنة تحقيق دولية للتحقق من قيام الجيش الاسرائيلي باستخدام غازات كيماوية سامة محدودة الانتشار لقتل سبعة فلسطينيين خلال العملية العسكرية الاخيرة في نابلس.

وقال ياسر علاونة منسق الهيئة في محافظات شمال الضفة الغربية أن الكثير من الشواهد تشير الى استخدام الجيش الاسرائيلي مثل ذلك السلاح وهناك جثث لعدد من الشهداء لم تصب بالرصاص أو القذائف الإسرائيلية ومع ذلك استشهد هؤلاء المواطنون وهذا يستوجب النظر في أسباب الوفاة الحقيقية لاسيما أن قوات الاحتلال قد استخدمت هذه الغازات في قطاع غزة من قبل دون ان تعرف طبيعتها أو نوعية تلك الغازات الى اليوم.

وتساءل علاونة حول طبيعة تلك الغازات قائلا أن احدى المواطنات القاطنات قريبا من مكان العملية الإسرائيلية في البلدة القديمة أصيبت بالاغماء , بسبب انبعاث رائحة كريهة, كما أكد المواطنون أن رائحة غريبة انبعثت في المكان خلال تنفيذ العملية العسكرية.

واضاف علاونة أن الجيش الاسرائيلي مارس سياسة العقاب الجماعي خلال عمليته الأخيرة في البلدة القديمة حيث فرض حظر التجول عليها ومارس عمليات الإعدام خارج نطاق القانون والتي كان ضحيتها سبعة شهداء تم اعدامهم بشكل جماعي دون محاكمة أو تحقيق وهذا يخالف كل المواثيق والأعراف الدولية وعلى رأسها اتفاقية جنيف.