"استيقظتُ تحت الركام".. محمد السّواركة يروي شهادته

"استيقظتُ تحت الركام".. محمد السّواركة يروي شهادته
حطام مسكن عائلة السواركة

لا صوت في الأرجاء أعلى من صوت الطائرات، وأخبارٌ تفيد بأن هناك حديثًا عن وقف إطلاق النار عند الساعة الخامسة والنصف فجرًا، كانت هذه الساعات طويلة على أهل قطاع غزّة كحُلم سجينٍ ينتظر حريته.

خلال هذه اللحظات كان الهدوء سيد المعركة، هدوءٌ مريب كهدوء الصحراء، وكأن الاحتلال يتربص بالجو ليعلن انتصارًا زائفا، وبالفعل، تعمد الاحتلال خداع الناس بـ"هدوء كاذب"، ليباغتهم بجريمة راح ضحيتها ثمانية أفراد من عائلة أبو ملحوس (السواركة)، مجزرة سارع الاحتلال بمحاولة التغطية عليها بالزعم أن رب الأسرة، رسمي أبو ملحوس، هو قائد الوحدات الصاروخية للجهاد الإسلامي، ليتضح كذبه.

"إحنا غلابة"

محمد السواركة

في دير البلح، وسط مدينة غزة، يقع منزل عائلة السواركة، غلبهم النُعاس ليلة الأربعاء الماضية، ناموا جميعًا واطمأنوا بأن هناك يومًا جديدًا ينتظرهم في الصباح دون قصفٍ وخوف، فيما بقيت نور مستيقظة قلقة من صوت الطائرات المحلقة بشكل مكثف، تحرسهم وهم نائمون، وسط ترقّب إعلان عن انتهاء جولة التصعيد.

جلس محمد السواركة الابن الأكبر لهذه العائلة، على حجرٍ من بقايا حطام مسكنهم البسيط، متحدثًا لـ"عرب 48"، "لم أكن مستيقظًا عندما تم قصفنا، استيقظتُ وفوق رأسي حيطانُ المنزل، بعد فترة بسيطة من القصف أتى الناس لكي ينقذونا، ولم أخرج سوى أنا واثنان من إخوتي أحياء، فجميع من تبقى من أفراد العائلة استشهدوا، والدي رسمي ووالدتي مريم، مهند، وسيم، محمد، يسرا، معاذ، فراس، كلهم استشهدوا".

وأضاف "لم يحذرنا الاحتلال، ولم يكن هناك قائد عسكري كما ادعوا"، مضيفًا "إحنا ناس غلابة، بيتنا من ‘الزينكو‘ (ألواح الصفيح)، استهدفتنا الطائرة الحربية بأربعة صواريخ متتالية، الاحتلال ارتكب جريمة بحقنا ونطالب بأن يتم محاسبتهم على جريمتهم".

ومن جهته، قال حمدان السواركة، ابن عم الشهيد رسمي، في حديث لـ"عرب 48": "بيتهم لا يصلح للعيش، يسكنون في دير البلح في منطقة ‘البركة‘، المنزل يقع على أرض حكومية، ليست ملكهم، الشهيد رسمي متزوج من ثلاثة نساء ولديه 17 طفلًا، ستة أطفال لا تزيد أعمارهم عن 14 عامًا، بأي ذنبٍ قتلوا".

وأكد السواركة أن "الشهيد رسمي ليس له علاقة بأي تنظيم. هو موظف سلطة متقاعد، وراتبه لا يكفيه ليعول عائلته الكبيرة"، وأوضح أنه "بالقرب من منزلهم موقع للجهاد الإسلامي، استهدفته طائرات الاحتلال خلال أيام التصعيد، بمعنى أن الاستهداف لمنزل ابن عمي لم يكن عن طريق الخطأ، بل هو نتيجة لتخطيط مسبق ويبدو أنهم أنهو التصعيد كما بدؤوه، بمزيد من الجرائم".

مدرسة تودع شهداءها الأطفال

ودعت مدرسة عبد الله بن رواحة، الطلبة وسيم (13 عاما) ومهند (12 عاما) ومعاذ (سبعة أعوام) من عائلة السواركة الذين قتلوا خلال المجزرة التي نفذها الاحتلال بحق الأسرة المدنية، وعلى غير العادة اليومية، انتظم الطابور الصباحي بمدرسة عبد الله بن رواحة، بدير البلح وسط قطاع غزة، متوشحًا بالألم.

فغياب ثلاثة من الطلبة الذين قضوا شهداء خلال التصعيد الأخير، قلب الموازين، وبدل أن يرفع العلم الفلسطيني على نغمات السلام الوطني، ظلّ منكسًا حزنًا على فقدانهم.

بسرعةٍ انتهت الإذاعة المدرسية التالية للطابور، والتي لم تخل فقراتها من رثاء الشهداء، فانطلق الطلبة مسرعين نحو فصولهم التي ما إن وصلوها حتّى بدؤوا بالبكاء حزنًا على مشهد مقاعد أقرانهم الفارغة. ساعاتٌ مضت، تجمّع خلالها الطلبة والمدرسين وحشدٌ من العاملين في وزارة التربية والتعليم ومواطنين، في الباحة الخارجية للمدرسة، ورفعوا صور شهداء المدرسة.

كان من المفترض خلال هذا الأسبوع إقامة رحلة مدرسية، انتظرها أطفال عائلة السواركة بفارق الصبر، حسبما أوضحت إدارة المدرسة في حديث لـ"عرب 48"، وقالت "لو كانت تعلم إدارة المدرسة بأن ثلاثة من تلاميذنا سيرتقون شهداء لعجلنا في الرحلة المدرسية التي كانوا ينتظرونها بلهفة".

الصمت هو سيد الأجواء، سرعان ما تشعر بذلك عندما تدخل إلى الفصل الدراسي للشهيد وسيم، عيون زملائه شاردة في ذكرياتٍ تجمعهم، احتضنوا صورته الموجودة على مقعده، وأخذوا ينظرون إليه وكأنهم يقولون لبعضهم البعض إن "وسيم غائبٌ اليوم وسيحضُر غدًا فامسحوا دموعكم يا أصدقاء".

 



"استيقظتُ تحت الركام".. محمد السّواركة يروي شهادته

"استيقظتُ تحت الركام".. محمد السّواركة يروي شهادته

"استيقظتُ تحت الركام".. محمد السّواركة يروي شهادته