أنجيلا ميركل: مستشارة ألمانيا الدائمة

أنجيلا ميركل: مستشارة ألمانيا الدائمة
(أ ف ب)

"ملكة التقشف"، "زعيمة العالم الحر"، "طوق نجاة اللاجئين"، كلها أوصاف أطلقت على المستشارة الألمانية البالغة من العمر 63 عامًا، أنجيلا ميركيل.

وبعد أن سجلت ابنة القس، التي نشأت خلف الستار الحديدي في ألمانيا الشرقية، أطول مدة في الحكم في أوروبا، تتجه لتولي ولاية رابعة على رأس أقوى اقتصاد أوروبي، وبات العديد من الألمان يطلقون عليها اليوم لقب "المستشارة الدائمة".

ونجحت "ماما" أو "موتي ميركل"، بفضل نهجها البراغماتي البسيط، في البقاء في السلطة في بلد ثري يتقدم سكانه في العمر ويفضل الاستمرارية والاستقرار على التغيير.

وفي عهد دونالد ترامب المتقلب، وبريكست، والأزمات العالمية العديدة، باتت ميركل تمثل ركيزة بلد حريص على الحفاظ على نموه الاقتصادي ومعدلات التوظيف التي يحسده عليها جيرانه.

وهي على قناعة راسخة بما تعلمته منذ الصغر في ظل النظام الشيوعي، بأن على ألمانيا وأوروبا أن تحافظا على ميزاتهما التنافسية والتخلص من العجز في الميزانية في ظل تغيرات اقتصادية عالمية متسارعة.

وعبر الألمان عن امتنانهم لها بإبقائها في السلطة منذ أن أصبحت أصغر مستشارة في سنة 2005، عندما كان جورج بوش وتوني بلير وجاك شيراك في السلطة.

وتعيش ميركل، التي لم تبهرها السلطة والجاه، في شقة في برلين مع زوجها العالم يواكيم سوار، الذي يفضل البقاء بعيدا عن أضواء الإعلام. وتتسوق من متجر قريب وتقضي إجازاتها في ممارسة رياضة المشي في جبال الألب.

وعندما أعلنت صحف عالمية بعد فوز ترامب المفاجئ أن ميركل اصبحت حاملة راية الديموقراطية الليبرالية، وصفت المستشارة ذلك بأنه "سخيف ولا معنى له".

شعبية واسعة

ورغم اتهامها بأنها تجنبت خوض تحديات، اتخذت ميركل قرارات جريئة ومفاجئة بدءا من التخلي عن مفاعلات الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما في 2011، إلى فتح الأبواب أمام أكثر من مليون لاجئ منذ 2015.

وكلفها تدفق اللاجئين الكثير على المستويين الوطني والأوروبي وتوقع كثيرون أفول نجمها.

ولكن مع تراجع حركة الهجرة وتشديد سياسة اللجوء، تحسنت شعبيتها إلى مستوى ما قبل الأزمة، لا بل بلغت مستوى جعل وسائل الإعلام تسخر من منافسيها من اليسار الوسط بصفتهم يخوضون مهمة سياسية انتحارية في مواجهة تقدمها.

وترفض ميركل عادة ذكر منافسيها بالاسم أو الخوض في جدل سياسي حاد، ما جعل الحملات الانتخابية الأخيرة هادئة وأغضب منافسيها غير القادرين على توجيه اللكمات لها.

ولذلك هاجمها المرشح الاشتراكي الديموقراطي مارتن شولتز، في حزيران/ يونيو 2017، واتهمها بالانتقاص من الديموقراطية، فقوبل بوابل من الانتقادات من طرف أنصارها.

ولكن العديد من المعلقين يرون أن ميركل أدخلت ألمانيا في سُبات لا سياسي، وبأنها تنأى أكثر فأكثر بنفسها عن الصراعات. وسماها الكاتب في صحيفة "در شبيغل" ألكسندر أوسانغ، حديثا، "امرأة العنبر"، وقال إنها مهيبة مثل "أبو الهول أو مغنية شهيرة أو ملكة"، وإن خطاباتها لها أثر "تنويم الحشود مغناطيسيا".

"ميركيلفيلي"

ولدت أنجيلا دوروتيا كاسنر في سنة 1954 في هامبورغ، وعرفت التقشف بعدما قرر والدها الانتقال من الغرب إلى الشطر الشيوعي من البلاد للمساهمة في نشر المسيحية.

ويقول كاتبو سيرتها إن حياتها في ظل النظام البوليسي علمتها كيف تتكتم عن آرائها.

وكانت في صغرها تلميذة موهوبة تحب الرياضيّات واللغة الروسية. وتابعت دروسها الجامعية في ظل النظام الشيوعي حتى حصولها على شهادة دكتوراه في الكيمياء. ومع رفضها العمل كمخبرة للبوليس السري، لم تجازف في الانخراط في النشاط المؤيد للديموقراطية.

ومكّنها تفوقها في اللغة الروسية من التحاور مع الرئيس فلاديمير بوتين، الذي كان مسؤولا في الاستخبارات السرية الروسية في درسدن لدى سقوط جدار برلين.

وفي الفترة التي سقط فيها جدار برلين، نهاية 1989، انخرطت في العمل السياسي، ثم انضمت إلى الاتحاد المسيحي الديموقراطي المحافظ بزعامة هلموت كول.

وسلمها المستشار "العملاق" آنذاك أولى مسؤولياتها الوزارية. وكان في ذلك الحين يناديها بـ(تودد) "يا ابنتي".

ولكن كول لم يكن الوحيد الذي أساء تقدير قدراتها ودفع ثمن ذلك. فعندما بدا أنه تورط في فضيحة مالية داخل حزبه في 1999، حثت ميركل الحزب على التخلي عنه.

هذه الحركة التي أطلق عليها اسم "ميركيلفيلي" هي التي أوصلتها إلى أعلى درجات السلطة.

ورغم انضمامها الحديث إلى الحزب، فقد أعادت بناءه ورسخت مكانته السياسية عبر الدفع باتجاه تبني سياسات اجتماعية تقدمية وإلغاء الخدمة العسكرية ومن ثم التخلي عن الطاقة النووية.

وبرزت بصفتها زعيمة أوروبا خلال أزمة الديون السيادية رغم تسميتها "ملكة التقشف" في دول الجنوب الأوروبي.

وبعد عشر سنوات من ذلك، لا تزال في سدة الحكم وهي قد تتجاوز سنوات حكم معلمها كول في غياب أي منافس جدي من داخل حزبها حتى الآن.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018