علي بومنجل... اغتيال تصرّ فرنسا أنه "انتحار"

علي بومنجل... اغتيال تصرّ فرنسا أنه "انتحار"
بومنجل من اليمين

لا تزال السلطات الفرنسيّة تتستّر على تفاصيل اغتيال المحامي والزعيم الوطني الجزائري علي بومنجل، بعد مرور أكثر من 63 عامًا على الجريمة.

وغطّت سلطات الاستعمار الفرنسي على الاغتيال بوصفه "انتحارًا".

وبعد أكثر من ستين سنة، استحضرت ابنة أخيه، فضيلة بومنجل شيتور، أستاذة الطب والناشطة في مجال حقوق الإنسان، بعاطفة كبيرة ذكرى عمّها الذي "رسم" موته فترة مسار مراهقتها.

وندّدت فضيلة (التي تعدت السبعين من العمر) بكذب دولة (فرنسا) الهدّام، وهي تروي قصة اغتياله بكثير من الغضب.

فقد تُوفّيت أرملته وأحد أبنائه ووالديه وإخوته دون الكشف عن الحقيقة رسميًا.

وكان بومنجل ناشطا سياسيا ومحاميا مشهورا وعضوا في حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي أسسه عام 1946 أوّل رئيس للحكومة الموقتة للجمهورية الجزائرية، فرحات عباس، وبذلك أصبح مدافعًا عن المناضلين الجزائريين متّبعا خطى شقيقه الأكبر أحمد، المحامي هو أيضا.

وقالت فضيلة بومنجل في شهادتها إنه "كان عالمًا ومفكرًا يحب قراءة قصائد فيرجيل (شاعر من العهد الروماني) أو الحديث عن الرسم ويرقص الفالس"، وروت "كان متفوقا في الرياضيات، ودرس الحقوق لأنه الاختيار الوحيد، كما كان يحب أن يقول، لأنه في ذلك الوقت لا يمكن ’للجزائريين’ دخول المدارس العليا".

وأضافت "كان منفتحًا على الثقافة العالمية. وفي الوقت نفسه قليل الكلام يُبطن ما يفكر فيه".

واعتُقِل خلال "معركة الجزائر" العاصمة بين كانون الثاني/ يناير وتشرين الأول/أكتوبر 1957، بعد تدخل القوات الخاصة للجيش الاستعماري لوقف هجمات جبهة التحرير الوطني.

وروت فضيلة بومنجل قائلة "عندما علمنا باعتقاله في9 شباط/فبراير 1957، كان والدي آنذاك محاميًا في باريس. أتذكر كيف أن مجرد إعلان اعتقاله شكل صدمة كالصعقة الكهربائية لوالدي"، وأنّه "كان يدرك أنه بالنظر إلى القمع المروع في ذلك الوقت، فإن الخطر يُحدق بأخيه الأصغر. لم يتوقف عن تنبيه السلطات المدنية والدينية في فرنسا عن طريق إرسال برقيات تندد باعتقاله التعسفي وغياب المعلومات". وكتب حتى للرئيس الفرنسي حينذاك، روني كوتي.

وفي نهاية شباط/ فبراير عرفت العائلة أنه نُقل إلى مستشفى مايو العسكري (في باب الواد بالجزائر العاصمة)، و"علم والدي أنه حاول الانتحار بزجاج نظارته. كان ذلك مروعا".

وتتابع "ما زلت أتذكر إلى اليوم، تاريخ الأحد 23 آذار/مارس، عندما سمعت صوت جدي. صوتًا فارغًا، صوتًا تغيّرَ عن ذلك الذي ألفته. هو الذي كان حنونًا جدًا قال لي ببساطة ’من فضلك هاتفي والدك ودعيني أحدثه’. أتذكر رد فعل والدي الذي صدم بالخبر إذ كان الأكبر سنًا وشعر بالمسؤولية" عن مقتل أخيه.

واستدعي طبيبان من الأسرة للتعرّف على الجثة "وتأسف جدّاي لأنهما لم يتمكنا من توديعه إذ تم تشميع نعشه".

وما أزعج الأسرة هو أنه حتى اعتراف الجنرال بول أوساريس، غُطّي موت علي بومنجل على أنه انتحار.

"لقد أوهمونا بأنه ألقى بنفسه من مبنى في حي الأبيار، آمل أن يكون قد مات بالفعل قبل السقوط. كان عمره 38 سنة".

أما صديق وأستاذ علي بومنجل في كلية الحقوق، الرجل السياسي روني كابيتان، فقدّم استقالته من الكلية.

"أعتقد أن المسؤولين السياسيين الفرنسيين لم يستوعبوا مدى الدمار الذي أصاب عائلات بأكملها بسبب أكاذيب الدولة"، كما قالت ابنة أخ المناضل المُغتال، وأضافت أنّ "إعادة الاعتبار له هو مقاربة للحقيقة. هذا جيد بشرط أن يعترفوا أنّه تعرض للتعذيب الوحشي لأسابيع وأن اغتياله تم تصويره على انه انتحار".

وختمت متسائلة " لماذا تمييزه؟ نحتاج لمعرفة الحقيقة للجميع. مشهورون أو مجهولون. لماذا لا نحتفل بالشهيد المجهول؟".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص