"زنقة الستات"... سوق حضارات الإسكندرية

"زنقة الستات"... سوق حضارات الإسكندرية
توضيحية

بنايات رمادية اللون، وشرفات حديدية قديمة تظهر عليها بصمات التاريخ، وحارات ضيقة يُفضي بعضها إلى بعض، تمتلئ بالرائحين والغادين من المصريين وقليل من الأجانب. لا مساحات بين الأجساد المارة وسط متاجر الأقمشة والذهب والأشغال اليدوية، في صورة تعكس حالة الرواج في شارعي 'زنقة الستات' و'فرنسا' بالإسكندرية، شمالي مصر.

شارعان متوازيان تحيط بهما كثير من المساجد الأثرية، ويحملان تاريخ الإسكندرية وآثارها، يعودان بك إلى بدايات القرن الميلادي الماضي، ولا يمكن أن تمر بأحدهما دون الآخر لترابط الحارات التي تصل بينهما كالأوردة الدقيقة في الجسد البشري.

ورغم الأزمة الاقتصادية بالبلاد، إلا أن حركة البيع والشراء في الشارعين لا تتوقف طوال العام، فشارع فرنسا، الممتد من ميدان التحرير في حي المنشية حتى حي الجمرك ببحري (غربي الإسكندرية)، لا يخلو من 'الزغاريد' في مختلف مواسم السنة، حيث تقع به كبرى محال الذهب والفضة.

يتردد على شارع 'فرنسا' المقبلون على الزواج لشراء الشبكة (هدية ذهبية للعروس قبل الزواج) ليخرجوا منه لـ'زنقة الستات'؛ لشراء ملابس ومستلزمات الزواج المختلفة من ملابس وأقمشة وزينة وعطور وزخارف منزلية.

وشهدت أسعار الذهب في مصر خلال العام المنصرم ارتفاعًا غير مسبوق، حيث قفز سعر عيار 21 (الأكثر تداولا في البلاد) من 260 جنيها (15 دولارًا) في يناير/ كانون الثاني، إلى 630 جنيها (35 دولارًا) في الشهر نفسه من هذا العام، قبل أن يتراجع حاليًا مجددًا إلى 550 جنيهًا.

وسُمي 'زنقة الستات' نتيجة الزحام الشديد لرواده، لاسيما من السيدات، رغم أن غالبية من يعمل به رجال، ولا تجد السيدات غضاضة في ذلك، فالباعة يعرضون بضاعتهم بأسلوب ماهر، ويؤمنون أن الابتسامة بوابة العبور لمحفظة نقود النساء.

وكان 'البيت الأبيض' من أشهر الأماكن بشارع 'زنقة الستات'، وهو مبنى كان مخصصا لفض النزاع بين المتخاصمين من التجار، ولا يخرجون من ذلك المكان إلَّا بعد أن يُفَضَّ النزاع عبر حكماء من التجار، ويصبح الطرفان متحابين، إلا أنه صار أثراً بعد عين، وأصبحت النزاعات تحل بشكل فردي.

ويعود تاريخ سوق 'زنقة الستات' إلى أوائل القرن الماضي، حيث كان التجار في المغرب العربي وليبيا يتمركزون في حي المنشية عند مجيئهم لبيع سلعهم داخل مصر ‏من‏ ‏أقمشة‏ وسجاجيد ومفروشات، وكان يسمى في البداية باسم 'سوق المغاربة'، ويتملك يهود ومغاربة وليبيون وشوام ويونانيون المنازل والمحلات‏.

فيما قال تجار، إن شارع فرنسا كان إسطبلا لخيول الجنود الفرنسيين خلال الحملة الفرنسية على مصر (1798 -1801) ومن هنا جاءت تسميته.

وبعد ثورة 23 تموز/ يوليو 1952، تم تأميم ممتلكات أولئك وهؤلاء وتبدل الحال ليتملك المصريون هذه المحلات، وتطورت البضائع لتشمل‏ ‏أدوات‏ الزينة والملابس النسائية ‏والثُريَّات‏ والحقائب والأحزمة الجلدية ولعب الأطفال.

وجاءت تسمية 'زنقة الستات' وصفًا دقيقًا لما يعانيه زائروه أثناء المشي في ممراته الضيقة، فبالكاد تستطيع الحركة دون احتكاكات جسدية داخل الشارع الأشبه بالممر بالغ الضيق، وبخاصة قبيل الأعياد والمناسبات.

واكتسب الشارع شهرة أكبر مع انتشار أسطورة 'ريا وسكينة'، اللتين اشتهرتا باستدراج النساء منه، واختطافهن وقتلهن بعد سرقة ما معهن من مشغولات ذهبية.

و'ريا وسكينة' شقيقتان مصريتان، من جنوبي البلاد، استقرتا في مدينة الإسكندرية بدايات القرن العشرين، وكونتا شبكة إجرامية عائلية لخطف النساء وقتلهن قبل أن يتم القبض عليهما وإعدامهما في كانون الأول/ ديسمبر 1921، وذاع صيتهما لدرجة إنتاج أكثر من فيلم مصري ومسرحية عن قصتهما.

داخل إحدى الأزقة، وفى محل تملؤه الأقمشة بمختلف أشكالها وألوانها، يقف مالك المحل، الحاج محمد إبراهيم، يحاول لفت انتباه المارة للشراء، يدعوهم لمعاينة الجديد من بضاعته.

ويقول الرجل الخمسيني: 'أنا هنا من 20 سنة، ورثت المحل أبًا عن جد، وطوال عمرنا نعمل في القماش وخاصة قماش السهرة والمناسبات، زنقة الستات جزء مني، عشت فيه كل حياتي، دائما زحام فيه حتى عندما ينحدر حال الاقتصاد وتغلو البضائع، زحام حتى لو أقبل الناس للفرجة لا الشراء'.

ويشير الحاج إبراهيم إلى المارة، قائلاً: 'يأتي إليّ زبائن من القاهرة والمنصورة (دلتا النيل) ومن كل المحافظات، وأجانب أيضًا ليشتروا مني؛ لأن هذا الشارع قلب الإسكندرية التجاري، كل شيء تحتاجه تجده'.

وفى محل آخر، يقف الحاج محمد الخردواتي (82 عامًا) على الباب يتابع حركة البيع والشراء في محله الذي يشتهر ببيع الخردوات والاكسسوارات ولوازم الأفراح.

ورغم صغر مساحة المحل إلا أنه يعج بالزبائن منهم من يشتري ومنهم من يدخل للسؤال فقط.

ويحكيالخردواتي عن الزنقة وتاريخها وزوارها قائلاً: 'الزنقة شهدت قصصًا كثيرة، منها سرقة، وخطف، ومنها زواج وزغاريد، يصادف أن تسمع من تزغرد لشراء شبكتها فيما تولول أخرى في نفس اللحظة لسرقة مالها'.

ويتابع: 'رأينا فيه كل الأشكال والألوان، يأتي لنا الغني والفقير، مصريون وأجانب، هو مزار سياحي وسوق في وقت واحد، لأنه تاريخ طويل من أيام الاحتلال الفرنسي (1798 – 1801) وسكانه من مختلف الجنسيات'.

ويشير الحاج محمد بيده إلى بعض المنازل المحيطة بالشارع، قائلا: 'هنا كان يعيش مغاربة ويهود وفرنسيون وتوانسة، واليهود هم أصحاب المحلات القدامى وهم بنوها، لكن بعد ما انتهت الحرب العالمية الثانية سافروا وعادوا لبلادهم، وأيضا المغاربة رجعوا بلادهم بعد استقلاله عن فرنسا في آذار/ مارس 1956'.

ويقول أحد ملاك محلات الملابس، أحمد طه: إنه 'رغم عدم خلو الشارع من المارة إلا أن التجارة تأثرت بارتفاع سعر الدولار وغلاء الأسعار؛ لكون أغلب البضاعة مستوردة إما سورية أو تركية، كما ارتفعت أسعار البضاعة المصرية نظرًا لارتفاع أسعار الأقمشة هي الأخرى'.

وانخفضت قيمة الجنيه أمام الدولار بعد تحرير سعر الصرف في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي في مصر التي تعاني نقصا حادا في العملة الصعبة، نتيجة تراجع إيرادات السياحة، والاستثمار الأجنبي، والصادرات، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018