مدينة بابلو إسكوبار تُصارع من أجل نسيانه

مدينة بابلو إسكوبار تُصارع من أجل نسيانه
(نيويورك تايمز)

انتشرت في السنوات القليلة الماضية، عدّة أعمال تلفزيونية وأفلام روائية وأخرى وثائقية، عن تاجر المخدرات الأغنى في التاريخ، والأكثر شهرة، بابلو إسكوبار، ابن ثاني أكبر مدن كولومبيا، ميديلين. ومن غير الواضح لماذا قرر المنتجون والكتاب التركيز على شخصيته بعد نحو عقدين من مقتله، إلا أن الأمر المؤكد، هو أن إسكوبار بات يحظى بشعبية كبيرة جدا في أنحاء العالم نتجية هذه الأعمال التلفزيونية.

ميديلين (نيويورك تايمز)

وتناولت صحفية "نيويورك تايمز" الأميركية، الأسبوع الحالي، شهرة إسكوبار من زاوية أخرى، حيث أعد الكاتب المختص بشؤون دول في أميركا اللاتينية، نيكولاس كيسي، تقريرا بعنوان "ميديلين تُكفاح من أجل القضاء على أسطورة إسكوبار بعد مرور 25 عاما على وفاته"، فصل فيه أزمة المدينة بالتعامل مع إرث أخطر مجرميها.

وتحدث كيسي عن تجربته بالعيش في المدينة منذ عدّة أشهر، وعن مدى ارتباطها بحقبتها الدموية عندما كانت تحت سيطرة إسكوبار، رغم كل محاولاتها لبناء نفسها من جديد.

وتحدث التقرير عن مدى استياء السلطات في المدينة وسكانها من تركيز شركات الترفيه وخصوصا "نتفليكس" على قصة إسكوبار، وترويجها لملايين الناس بعد محاولات كثيرة لشطبه من التاريخ، رغم أن منزله أصبح مزارا سياحيا للزوار المولعين بإسكوبار.

عمارة "موناكو" (نيويورك تايمز) 

وعاش إسكوبار مع عائلته في مبنى "موناكو" المكون من ستة طوابق وشقة فاخرة فوق السطح، فجره أعداؤه عام 1988، مما دفع تاجر المخدرات الشهير إلى مغادرته بعد فترة وجيزة. وكانت المدينة بدأت بنسيان المبنى وذاكرته المريرة، إلى أن وصلت شركات الإنتاج إلى المنطقة.

ويتوافد السياح على المنزل المهجور الذي اشتهر بعد ظهوره في مسلسل "نتفليكس"، "ناركوس"، الذي يتناول جوانب حياة إسكوبار بطريقة دراماتيكية، وكان بعضهم يلجأ إلى رجل عصابات سابق كان مسؤولًا عن الاغتيالات في عصابة إسكوبار، لإرشادهم في جولات سياحية، يسرد للوافدين السيّاح خلالها ذكريات القتل والتعذيب والأموال الطائلة.

وذكر التقرير أن التعامل مع ذكرى إسكوبار من خلال السياحة، أغاظ السلطات المحلية والسكان، مما دفع رئيس بلدية ميديلين في نيسان/ أبريل الماضي، إلى الإعلان عن نيّته هدم المبنى العام القديم، وتشييد حديقة عامة مكانه من أجل تذّكر ضحايا جرائم إسكوبار، حيث قال إن "هذا الرمز الذي يرمز إلى الخروج عن القانون والشر سوف يُدمر".

أحد المتاجر السياحية في المدينة (نيويورك تايمز) 

وقال كيسي إنه رغم مرور 25 عاما على قتل عناصر الشرطة لإسكوبار على أحد أسطح المدينة التي يبحث سكانها منذ ذلك الحين على محو هذه الذكرى من أذهانهم، إلا أنه يبدو أن المدينة سوف تبقى تتذكر إسكوبار مع أنها تحولت إلى مكان عصري يتنافس فيه المعماريون العالميون على بناء أجمل العمارات، وامتلأت بالشركات التكنولوجية الناشئة والمطاعم الفاخرة.

وتصارع المدينة فكرة انجذاب بعض السياح إليها من أجل رواية إسكوبار التي تُصور على أنها بطولية في العالم، ويعتقد سكانها أن لهم الأحقية في ذكر تفاصيل قصّة معاناتهم في حروب المخدرات، وغربلت الأشرار من الأخيار.

وتحدث سكان المدينة عن قاتل مأجور يستخدم الاسم المُستعار "بوبيي"، أطلقت السلطات الكولومبية سراحه عام 2016، بعد أن قضى محكوميته عن الجرائم التي ارتكبها لصالح إسكوبار، ليتحول إلى مُرشد سياحي يُسهب في شرح تفاصيل عمل العصابة آنذاك دون خجل أو ندم. (أُعيد اعتقاله لاحقا في أيار/مايو الماضي، بعد أن أُدين بتهم ابتزاز وترهيب).

من زيارة السياح للحي الذي سكنه إسكوبار (نيويورك تايمز) 

ووصف ممثل الحي الذي تقع فيه عمارة إسكوبار الشهيرة، لويس هرناندو، جولات "بوبيي" السياحية بأن ذلك يُشبه السماح لأفراد من تنظيم "القاعدة" إجراء جولات سياحية في نيويورك ليشرحوا كيف خططوا لتفجيرات عام 9 أيلول/ سبتمبر 2001.

وشرح كيسي ردود أفعال سكان المدينة والكتاب المحليين حول قضيّة إسكوبار، فرغم أنهم عانوا من الفظائع التي ارتكبها إسكوبار وعصابته خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حتى مقتله عام 1993، فإنهم قليلا ما يذكرون أن المدينة بشكلها الحديث شيّدتها أمواله المصادرة.

وعند لقائه أحد الكتاب المحليين، جوان موسيكارا، أخبره كيسي أن سكان المدينة يتجنبون ذكر مبنى "موناكو" فقد عرفوه على أنه قصر الرعب، فلم تكتف عائلة إسكوبار بالسكن فيه، بل عذبوا وقتلوا أشخاصا هناك، وخططوا أيضا لأكبر التفجيرات التي حصلت في المدينة".

عمارة "موناكو" (نيويورك تايمز) 

وأفصح أحد أشهر الروائيين في كولومبيا لكيسي، ويُدعى هيكتور آباد، عن تجربته الشخصية مع عصابة إسكوبار التي قتلت والده عام 1992، وقدم منزله كدليل على أن جميع منازل ميديلين طالتها جرائم إسكوبار، حيث اكتشف بعد شرائه للمنزل بفترة وجيزة، سبائك ذهب وأموالًا مزيّفة وهياكل عظمية داخل جدران المنزل.

وحول أسباب رغبة رئيس البلدية هدم مبنى "موناكو"، قال إنه يُريد أن يُثبت للناس أن المدينة "وُلدت من جديد"، بالإضافة إلى أن ميديلين سئمت من رواية "قصة الشرير ذاتها طوال الوقت".

 

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية