مُخرج العرائس يترك الخشبة/ مجد كيال

مُخرج العرائس يترك الخشبة/ مجد كيال

ليس من الضروري أن تشاهد مسرحية العرائس “الليلة الكبيرة” لتجد نفسك تعرف أسماء وأبياتًا مُغناة وألحانًا ومصطلحات منها. “الليلة الكبيرة” من أهم العروض المسرحية التي ولدت من رحم “المولد” المصري ليكبر خلال أكثر من 40 عامًا في وعي الشعب المصري وثقافته. كتبه الشاعر صلاح جاهين، لحنّه سيّد مكاوي، صمم ديكوره مصطفى كامل وصمم عرائسه ناجي شاكر… ووقف في مركز العمل، وإن لم ينل ما يستحق من شهرة، مخرج واحد: صلاح السّقّا، ذاك الذي نال شغفه بمسرحة العرائس والدمى معظم أعوامه الـ78 إلى أن أرخى مُحيي الدمى حبال عرائسه وفارقنا.  تعطّلت الكلى والقلب فتوقّف عن الدهشة.

 

أنجز السقًا تخلصه من عمل المحاماة بعد عام من تخرجه من جامعة عين شمس حائزًا على ليسانس الحقوق، فحزم أمتعته وانطلق نحو دورات التدريب وتعليم فن العرائس (الدمى) على يد سيرجي أورازوف، أكبر فناني العرائس في العالم، ثم نحو رومانيا ليحصل من جامعاتها على دبلوم في الإخراج المسرحي وتخصّص في فن العرائس ليعود إلى نهضة ما بعد الثورة المصرية ويشقّ مسارًا جديدًا في الحالة الفنية الصاعدة…  جمال عبد الناصر وضيفه، الملك المغربي محمد الخامس، كانا من ضيوف “حُمص” و”الأراجوز” في أحد عروض “الليلة الكبيرة” في العام 1960.

 

في العام ذاته أُسس أول مسرح مصري للعرائس، واشتغل السقّا مديرًا للمسرح لسنوات طويلة أخرج خلالها مسرحيات لا تزال تُعرض حتى يومنا هذا، وتُنتج من وحيها مسرحيات أطفال ومسرحيات عرائس في دول عديدة مثل “صحصح لما تنجح”، “حمار شهاب الدين”، الأطفال يدخلون البرلمان و”عودة الشاطر حسن”، بالتعاون مع كبار الثقافة المصرية أمثال صلاح جاهين وسيّد حجاب والأبنودي.

 

وغير ما أسسه في مصر من “مسرح شكوكو” و”مسرح القاهرة”، حمل السقّا مسرح الدمى وجال في العالم، وفي الوطن العربي خاصةً، ليساهم حيث وجد مسرح العرائس، ويخلقه حيث لا يكون؛ فقد ساهم في إنشاء مسارح العرائس في قطر وسورية والكويت والسودان وتونس والعراق. كما وجد بين التنقل وبذل الجهود وقتًا للدراسة والبحث في تاريخ المسرح وفنّ العرائس وينجز عشرات الدراسات، منها “محاضرات عن تاريخ فن العرائس” و”خيال الظلّ والأراجوز.”

 

بالرغم من الجوائز والتكريمات الكثيرة التي حازها السقّا، وبالرغم من الأعمال المسرحية الكثيرة التي وقف وراءها، تبقى “الليلة الكبيرة” العمل الأكثر تميّزًا. “درّة أعماله المسرحية”- كما أطلقت عليها الصحافة، حيث تشكّل علامة هامة في الفن المصري وفي المسرح خاصةً، ولا زالت، بعد أكثر من 40 عامًا تُعرض في المسارح المصرية من قبل فرقٍ مختلفة. خرجت “الليلة الكبيرة” من أيدي صانعيها لتصبح ملكًا للتراث المصري عامةً، فمنه ولدت لتنقل بساطته بنقل تفاصيله الحية عبر وصف “المولد” في الأحياء الشعبية، فتجمع بين بائع الحمصّ والفلاح والراقصة والعمدة و”بائع البخت” والأراجوز. المسرحية لا تعرض حتى اليوم فحسب، بل لا زالت تحطم أرقامًا قياسية بإيراداتها حتى يومنا هذا؛ فقد نشرت الصحف المصرية منتصف هذا الشهر خبرًا يفيد بأنّ المسرحية ضربت رقمًا قياسيًا بتجاوز الأربعين ألف جنية إيرادات، خلال يومين فقط.