عام مضى على المؤامرة؛ والحركة الوطنية ماضية بصمودها

عام مضى على المؤامرة؛ والحركة الوطنية ماضية بصمودها

لا تدخر المؤسسة الإسرائيلية جهدا في ضرب الحركة الوطنية وفي مركزها د.عزمي بشارة، جهاز الأمن الإسرائيلي يشمر عن سواعده أكثر من أي وقت مضى وفي وتيرة غير مسبوقة من التحقيقات مع نشطاء حزب التجمع الوطني الديمقراطي.

فشلت المؤسسة الإسرائيلية وأذرعها الأمنية في النيل من التجمع بواسطة المؤامرة التي حاكتها ضد المناضل المفكر بشارة، وظنت ان وجوده القسري خارج البلاد سينهك الحركة الوطنية ويفقدها البوصلة، ويحولها من خصم عنيد للفكر الصهيوني ومهاجم شرس للسياسات العنصرية، الى مدافع عن نفسه بعد شنها لحملة الترهيب والتخويف في أوساط التجمع الوطني على مختلف الأجيال.

مضى عام على المنفى القسري للمفكر د.عزمي بشارة، لكن المؤامرة لم تمض، فعزمي يقلق المؤسسة أينما وطأت قدماه، ولهذا فان جهاز الأمن الاسرائيلي العام يحاول خلال التحقيق مع نشطاء وقيادات التجمع الحصول على تعهد مكتوب منه بعدم اللقاء ببشارة.

في ظل هذه الهجمة السلطوية التي يتعرض لها د. بشارة والتجمع الوطني الديمقراطي، شارك ابناء الحركة الوطنية في الندوة السياسية الفكرية التي دعا إليها التجمع وصحيفة "فصل المقال" في الناصرة، بعنوان: " عزمي بشارة القضية والفكر"، والتي تضمنت محورين مركزيين، الأول ناقش تداعيات المؤامرة على عرب الداخل وعلى حاضر ومستقبل الحركة الوطنية والتيار الوطني- القومي وكيفية مجابهة التحديات المستجدة. والثاني بحث تأثير فكر عزمي بشارة على الخطاب السياسي لعرب الداخل، واستشراق آفاق هذا الخطاب في ضوء تصاعد تطرف الدولة العبرية.
علاء حليحل، رئيس تحرير صحيفة فصل المقال، أدار الندوة الاولى وافتتحها قائلا ان هذه الندوة لن تفي د.بشارة حقه والطريق الطويل الذي خاضه، بل جاءت الندوة بهدف تشخيص وتقييم هذه الفترة، وطرح التصورات من أجل الوصول الى نتائج تنير طريق الحركة الوطنية.

المحامية سونيا بولس، تحدثت عن مخططين رئيسيين ترسمهما المؤسسة الإسرائيلية في التعامل مع الأقلية الفلسطينية في الداخل، وهما السيطرة على أكبر مساحة من أرض فلسطين الداخلية مع أقل عدد من الفلسطينيين في الداخل، والثاني هو إعادة بناء وصقل هوية العربي الإسرائيلي الذي تستطيع ان تتعايش معه، والحديث عن الجيل الجديد الذي يعتز بهويته وقوميته وإسرائيل لا تستطيع التعايش معه، ولذلك فانها تحاول إعادة العربي الى صورته ايام الحكم العسكري.

وتحدثت بولس عن إستهداف القيادات السياسية العربية، وإعتبرتها جزءا لا يتجزأ من هذه الاجندة، فلجنة "اور" كما قالت اعطت العلامات والدلائل حول من هو المستهدف، واشارت الى عدد من اعضاء الكنيست العرب مستندة على معلومات من جهاز الامن الإسرائيلي العام الذي يعرف بالشاباك. وكان اول المستهدفين هو التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية، ولذلك لا يعتبر إستهداف التجمع غريبا بعد عدم رضوخ التجمع لقواعد اللعبة السياسية الإسرائيلية، والمواجهة مع التجمع كانت سريعة بسبب ترشح التجمع لخوض إنتخابات الكنيست، وطرحه لشعار "دولة جميع المواطنين"، الذي رأت المؤسسة الإسرائيلية فيه تحديا كبيرا وخروجا عن قواعد اللعبة، لانه فضح الديمقراطية الإسرائيلية المزعومة، التي تعاملت معها الأكاديمية الإسرائيلية "كبقرة مقدسة"، ومن ثم جاءت مرحلة المطالبة من قبل أحزاب اليمين بشطب التجمع ومنعه من خوض الانتخابات.

لكن التحول حصل عندما تجند وإنضم المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية الى المطالبة بشطب التجمع، بتنسيق مع جهاز "الشاباك"، ولم يتوقف الامر عند مطالبة اليمين الإسرائيلي. وفي المرحلة التالية تم تقديم بشارة شخصيا للمحاكمة بتهم "التحريض على الدولة" وزيارة دولة "معادية" أو ما يعرف بخطاب القرداحة!

وتقول بولس ان محاولة نزع الشرعية عن التجمع وملاحقته لم تتوقف منذ تأسيسه، حتى احيكت المؤامرة الكبرى ولفقت له قبل نحو عام تهمة تزويد حزب الله بالمعلومات خلال الحرب الأخيرة على لبنان. وبعد ذلك أقرت سلسلة قوانين "بشارة" التي تتزايد كل يوم بهدف الحد من العمل السياسي للتجمع وللأحزاب الاخرى.

وعن تدويل قضية التجمع وعرب الداخل، وما يتعرضون له من ملاحقة قالت بولس، ان ذلك ليس بالضرورة مجد، بل ان المواجهة والتحرك الشعبي والجماهيري القانوني ورفع سقف النضال هو الضمان الوحيد لتحقيق المكاسب.

المحامي حسن جبارين، مدير المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في الداخل – عدالة، قال ان التحول الذي طرأ على العنصرية الإسرائيلية هو ان إسرائيل في السابق مارست عنصريتها من دون قوانين، وهذا كان احد الفروقات مع نظام الابرتهايد الذي كان مكشوفا، فاذا نظرنا الى الضفة الغربية اليوم فإن الحديث يدور عن أبرتهايد بكل المعايير، لكن لا يوجد قوانين ابرتهايد في إسرائيل، وهي أذكى من ان تضع قوانين ابرتهايد.

لكن اليوم نحن في مرحلة جديدة، فيها إسرائيل مستعدة لتبنى قوانين عنصرية، وفي مقدمتها قانون منع لم الشمل بين الفلسطينيين على جانبي الخط الاخضر. قضايا عزمي بشارة والتجمع منذ عام 95، تعطينا فكرة عن التغييرات التي حصلت في الساحة الإسرائيلية وما هي الاسباب وما هي الإستراتيجيات.

الملف الأول كان في عام 1995، عندما تم تقديم طلبات لمسجل الأحزاب لمنع تسجيل التجمع كحزب سياسي، لكن مسجل الأحزاب أقر تسجيل الحزب. في عام 99، كان طلب آخر من قبل اليمين في أعقاب مقابلة مع بشارة في صحيفة "هآرتس" العبرية الإسرائيلية التي تحدث فيها بشارة عن أن مكونات الشعب اليهودي جاءت بعد قيام دولة إسرائيل، لكن المستشار القانوني روبنشتاين رفض طلب الشطب، وفي عام 2001 قام روبنشتاين بنفسه بتقديم لائحتين إتهام بمساعدة الشاباك، واعترف حينها ان الشاباك كان أساس ادعائه في هذه اللوائح.

في 2003 كان طلب آخر من قبل المستشار القانوني والشاباك لمنع التجمع وعزمي بشارة من الترشح للكنيست، هذا الطلب رفضته المحكمة العليا.

لذا فقبل عام 2000 كانت الملاحقة السياسية لعزمي بشارة والتجمع من قبل المجتمع المدني اليميني الإسرائيلي، أما التحول الذي حصل بعد عام 2000 هو ان المؤسسة القضائية والأمنية بنفسهما أخذتا تلاحق التجمع وعزمي بشارة، وفي بعض الأحيان المحكمة العليا التي أعطت إذنا بالتنصت على بشارة أكثر من مرة.

التطور حصل، كما يقول جبارين، بسبب المشروع الإسرائيلي الجديد "الفصل"، والآخر الاستراتيجي وهو إعادة تعريف الدولة اليهودية. بعد أن أنهت إسرائيل مشروع التوسع والسيطرة على فلسطين التاريخية أصبح امرا غير ممكن، ولذلك تبحث عن تسوية مبنية على أساس الفصل القومي العنصري في فلسطين التاريخية، ولذلك تقيم الجدار، والطرقات الإلتفافية حول القدس وفي الضفة، وكذلك فصل الضفة عن غزة.

أما بالنسبة لداخل الخط الأخضر فسياسة الفصل العنصري أخذت شكلا آخر، إذ أن إسرائيل لا تستطيع أن تبني مثلا جدارا أو طرقا التفافية أو شوارع ابرتهايد في داخل الخط الأخضر، ولذا لجأت إلى سياسة تفريغ الخط الأخضر من عروبته وهويته الفلسطينية إضافة إلى طلب الولاء للدولة اليهودية.

ولذا أصبحت سياسة الفصل العنصري لعرب او لفلسطينيي الداخل برأي جبارين هو فصل عن الفلسطينيين في الاراضي المحتلة مستعينة بقوانين منع لم الشمل، منع الزيارات إلى دول عربية عرفتها إسرائيل كـ"دول عدو"، وإستعمال ما يعرف بـ "قوانين بشارة"، وحتى منع تلقي أبسط الخدمات من الاراضي المحتلة كتصليح السيارات، وهذا هو فصل عنصري بامتيار وفق كافة الأسس، و"الولاء" الذي تحدث جبارين عنه هو مطالبة المؤسسة للمواطنين العرب بخدمة الدولة عن طريق ما تسميه "الخدمة المدنية"، ومطالبة القيادات بالمباركة على المشروع وعدم عرقلته، واقتراحات قوانين جديدة تطالب بالولاء من النواب العرب للدولة اليهودية، وتخول وزير الداخلية بسحب المواطنة لمن لا يؤدي الولاء للدولة اليهودية، وهذا يعتبر صياغة جديدة للدولة اليهودية التي تعمل ضد الوجود العربي تلاحقه، وتعمل على تعزيز الهوية اليهودية وضد الهوية الفلسطينية العربية. إذا الدولة اليهودية اليوم هي ليست الدولة التي تريد أن تحقق حق تقرير المصير لليهود فقط، بل هي أيضا الدولة التي تعمل على معاداة الهوية العربية الفلسطينية داخل الخط الأخضر. وهذا لا يعني أنه في السابق لم تكن الدولة اليهودية معادية للهوية العربية والفلسطينية، لكن اليوم هذه المعاداة تأخذ شكلا قانونيا آخر، ففي السابق كنا أزمة أمنية لدولة إسرائيل، أما اليوم فنحن أزمة أيديولوجية لإسرائيل. من هنا فإن القوانين أصبحت تعبيرا جديدا عن هذه الأزمة.

وبعود جبارين على قضايا بشارة قائلا ان الهجوم عليه جاء بسبب المشاريع التي يحملها، وبالتحديد مشروع "دولة المواطنين"، الذي هو النقيض لسياسة "الفصل العنصري"، والذي هو بحد ذاته يتناقض مع تعريف الدولة كدولة يهودية وديمقراطية. ومن الواضح أن مشروع دولة المواطنين يتصادم بشكل مباشر مع سياسة التسوية الجديدة المبنية على الفصل بين الفلسطينيين واليهود من جهة، وبين الفلسطينيين وبين أنفسهم من جهة أخرى. كما أن مشروع دولة المواطنين يؤكد على تواصل الفلسطينيين في الداخل مع أمتهم العربية كحق طبيعي، كمواطنين وسكان البلاد الأصلييين، وهذا بالطبع يتناقض مع إعادة تعريف الدولة اليهودية الذي يتناقض مع إمكانيات إبراز رموز عروبية للعرب في الداخل، ولذا نرى أنه بعد عام 2000 هناك قوانين جديدة تمنع زيارات لدول عربية عرفت كـ"دول عدو"، أو حتى لم الشمل مع مواطنين من هذه الدول.

وفي نهاية كلمته تساءل جبارين لماذا لا يفكر التجمع في توسيع مشروع دولة المواطنين، حيث يتطور باتجاه المطالبة بإقامة نظام ديمقراطي لجميع المواطنين في فلسطين التاريخية، حتى ولو كانت هناك دولتان في المستقبل، لكن النظام الديمقراطي عليه أن يحترم حقوق الجميع بخصوص حرية الحركة والمسكن والعمل في فلسطين التاريخية، وهذا بالطبع يشمل حق العودة.

ويضيف جبارين أن هذا ليس جديدا، فإن المقالات الثلاثة الأخيرة لـ د.عزمي بشارة، التي نشرت مؤخرا، حول الخيار التاريخي، تعتبر مقالات مفصلية تؤكد على هذا التوجه في تطوير مشروع دولة المواطنين.

الأمين العام للتجمع الوطني، عوض عبد الفتاح، قال في مداخلته إن هذه الندوة ستكون مقدمة لنشاطات مستقبلية في مختلف المناطق، للتأكيد على التمسك بالمشروع الوطني القومي، وكذلك التأكيد على التمسك السياسي والقومي بالشخصية المناضلة المفكر د.عزمي بشارة، الذي يعتبر ظاهرة مركزية لافتة التي برزت على ساحة 48، والذي بفكره وبطاقاته سابق لحزب التجمع!، ولذلك تم اختيار هذه الندوة بدلا من مهرجان شعبي، لنتوقف أمام حقيقة المشروع وخطاب التجمع، الذي يعتبر مشروعا قوميا ثقافيا تنويريا وليس فقط حزبيا.

وقال عبد الفتاح، إن التجمع بعد المؤامرة يدافع عن القضية ويعمل على إبقائها حية باستمرار، وقد رد طوال العام الماضي على محاولة ضرب الرأس بالعمل الدؤوب وعدم التراجع عن الموقف والمشروع الوطني.

وتابع عبد الفتاح: قضية عزمي بشارة ليست قضية حزب بل هي قضية الحركة الوطنية الفلسطينية عموما، وتأتي هذه الحملة في إطار الصراع العام، وايضا في الصراع ضد الحركة الوطنية وعرب الداخل عموما. خاصة ان الجولة الاخيرة من الصراع ( الإنتفاضة) الاكثر دموية، اعيد طرح كل الأسئلة التي طرحها مؤسسو الدولة العبرية منذ البداية، وهي "الخطر الديمغرافي"، والمشروع الوطني الديمقراطي المناقض للمشروع الصهيوني. إن فشل إسرائيل في الحد مما تعتبره الخطر الديمغرافي جعلها تعتمد أساليب اخرى، وكذلك فشلها في قمع الهوية الوطنية والتطلعات السياسية المشروعة لعرب الداخل، وبعد الإنتفاضة الثانية وجدت الحركة الصهيونية نفسها أمام خيارين؛ إبقاء نظام الابرتهايد وهذا سيحرج إسرائيل التي تعتبر نفسها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، او القبول بدولة واحدة.

وقال: إن نشوء التجمع شكل تحديا للدولة التي عملت منذ البداية على الحد من تمدده السياسي بين الفلسطينيين في الداخل.

وقال عبد الفتاح ان التجمع يطرح حلا ديمقراطيا وإنسانيا. ودولة المواطنين التي طرحها التجمع شكل تحديا للدولة ونافيا لبنيتها العنصرية، ولذلك لا نستغرب هذا الهجوم وهذه المؤامرة، التي كان الرد الجماهيري عليها قويا. والعمل مستمر داخل الحزب للحفاظ على المشروع ، وقد نجح الحزب في ذلك.

وأضاف: ما زال التجمع كحزب أمام تحد كبير، فالتجمع طرح مشروع دولة المواطنين، ولكننا لسنا منغلقين، ففكرة الدولة الواحدة يجري نقاشها مؤخرا، وإن على نطاق ضيق داخل التجمع، ولكن التجمع حتى الآن لا يزال يعمل وفق مشروعه الأصلي.

وفي ختام كلمته قال عبد الفتاح ان ملاحقة نشطاء التجمع هو دليل قاطع على فشل نظرية "ضرب الرأس" التي انتهجتها المؤسسة الإسرائيلية، والالتفاف الجماهيري هو دليل أيضا على ذلك. وقال إن هنالك حاجة لتطوير آليات التوجه إلى المجتمع الدولي والمحافل الدولية في المرحلة المقبلة، ليكون هذا التوجه رافدا آخر بالإضافة إلى النضال الشعبي المتطور.

*



سنلحق المحور الثاني في وقت لاحق.................

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018