الخطاب الافتتاحي للنائب د. باسل غطاس في الكنيست

الخطاب الافتتاحي للنائب د. باسل غطاس في الكنيست

شدد النائب د. باسل غطاس، النائب الجديد عن التجمع الوطني الديمقراطي، في خطابه الافتتاحي بعد ظهر أمس، الثلاثاء، على جملة من القضايا الحارقة التي تعني الأقلية الفلسطينية في الداخل، مشيرا إلى أنها تأتي في سياق استمرار الاحتلال والاستيطان بكل موبقاته، وفي الوقت نفسه محذرا من انتفاضة قادمة يكون للعالم دور فيها في فرض عقوبات على إسرائيل.

وضمن القضايا التي عرضها د. غطاس كانت قضية المهجرين والأسرى الأمنيين، والأوضاع الاقتصادية للعرب في الداخل، وقضايا مصادرة الأراضي وهدم البيوت، والأكاديميين العاطلين عن العمل أو العاملين في غير مجال تخصصاتهم، إضافة إلى الاحتلال والاستيطان.

فيما يلي النص الكامل للخطاب:

ألخطاب ألافتتاحي للنائب الدكتور باسل غطاس- التجمع الوطني الديموقراطي 
حضرة الرئيس أعضاء الكنيست المحترمين الضيوف الكرام
أقف أمامكم ويراودني سؤال كبير حول ماهية ومعنى أن تكون نائبا عربيا في برلمان دولة تعرف نفسها على أنها "دولة اليهود" بمعنى أنها تقصي في واقع الأمر مواطنيها العرب من اللعبة السياسية الحقيقية. هل هناك ثمة أسباب جيدة تبرر لي تركي لأعمالي وانشغالاتي السابقة وخوض غمار العملية الديموقراطية والتي شارك فيها أكثر من 60% من أصحاب حق الاقتراع العرب؟ في كل مرة أدخل فيها من أبواب الكنيست يدخل معي مئات الآف المهجرين وأبنائهم وأحفادهم الذين تحولوا إلى لاجئين في وطنهم، وهم يشكلون ربع المواطنين العرب في البلاد.

أرى أمام عيني يوميا على وجه الخصوص لاجئي إقرث، كفر عنان وفراضة الذين نشأت معهم في قريتي الرامة التي لجأوا اليها عام 1948. أرى آلاماهم ومعاناتهم وشعورهم بالظلم والمرارة هذا الشعور الذي لم ينطفئ أبدا وإنما يتعاظم من جيل إلى جيل. هذا الشعور الذي لا مثيل له من حيث القسوة معاناة الناس التي ترى يوميا أراضيها وأطلال بيوتها، ولا تستطيع العودة إليها، وتراقب الغرباء الذين أتوا واستولوا عليها وشيدوا فيها بيوتهم وأقاموا عائلاتهم. وأحيانا بلغت القسوة ما لا يتحمله بشر حيث اضطر بعض المهجرين للعمل عند هؤلاء المستوطنين من أجل لقمة العيش. لم تنفع هؤلاء مواطنتهم، وحتى قرارات المحكمة العليا بإعادة بعضهم ظلت حبرا على ورق.

في كل مرة يرافقني إلى هذا المكان عشرات الأسرى الأمنيين الذين يقضون في السجون الإسرائيلية عشرات السنين ذلك أن اتفاقيات السلام ورياحه قد تغاضت عنهم، وخلفتهم في السجن يدفعون ثمن مواطنتهم الإسرائيلية، وتظل قضية إطلاق سراحهم بعد قضائهم عشرات السنين في السجون الإسرائيلية بدون حل. وقد أعلن الأسير ماهر يونس أكبر الأسرى سنا الإضراب المفتوح عن الطعام بهدف إعادة وضع قضية الأسرى على جدول الأعمال الجماهيري والرسمي. من الدقيقة الأولى لبدء عملي تحولت قضية أسرى الحرية المضربين عن الطعام وفي مقدمتهم سامر عيساوي إلى شغلنا الشاغل.

يدخل معي سوية مئات آلاف الأطفال العرب من عائلات تعيش تحت خط الفقر، وهي تبلغ نصف العائلات العربية. وتدريجيا تفقد هذه العائلات الأمل في الخروج من خالة الفقر لأنه يزداد ثقلا وعمقا. والتأمين الوطني الذي من المفروض أن يحارب الفقر عمليا يعمق الفوارق بين العرب واليهود حيث بعد تحويل مخصصات التأمين الوطني تزداد نسبة العرب بين العائلات الفقيرة من 27% إلى 39%.

يعيش معي في كل دقيقة آلاف اصحاب الأراضي والبيوت المهددة بالهدم والمصادرة في النقب حسب "خطة برافر"، وآلاف أصحاب البيوت غير المرخصة وغير المرتبطة بشبكة الكهرباء والذين يدفع كل منهم عشرات آلاف الشواقل غرامات تفرضها المحاكم إضافة إلى أوامر الهدم. وكان يفضل هؤلاء أن يبنوا بيوتهم طبقا للقانون وأن يدفعوا رسوم الرخص للبناء ومصاريف التخطيط. لقد زرت أحد هؤلاء الأسبوع الماضي سعيد سواعد من حي أم السحالي بالقرب من شفاعمرو. بدأ سعيد يهدم البيت الذي بناه بشق النفس حتى أكمله من كل شيء. بدأ يهدمه بيديه وكل ما كان مطلوبا لحل قضية حي أم السحالي هو قرار وزير الداخلية بضمه إلى شفاعمرو، والقضية مطروحة للحل من عام 1998.  هل في هذا المكان قدر من الإنسانية لفهم درجة الألم والغضب لدى إنسان يهدم بيته بيديه ويدفع ثمن حلمه ببناء بيت وإنشاء عائلة وهو يشاهد أمام عينيه على مسافة عشرات الأمتار فيلات جيرانه اليهود في بلدة "عدي"؟ 

يدخل معي إلى هنا ويتابعون عملي آلاف الأكاديميين العرب العاطلين عن العمل أو العاملين في غير مجال تخصصهم. بعض هؤلاء يحمل اللقب الثالث، وأنهى سنة أو أكثر في العمل في ما بعد الدكتوراة في الخارج ويعودون ليجدوا أبواب الجامعات الاسرائيلية مقفلة أمامهم.

أشعر بتواجد خاص وحميمي لمئات المبادرين العرب الشباب الحالمين بالبدء بمشاريعهم الخاصة والمناقسة كمتساوين في الثورة التكنولوجية العالمية، وينتظرون الفرصة التي يحرمون منها بسبب انتمائهم القومي مما يصعب عليهم شق الطريق.

لكل هؤلاء ماذا أستطيع أن أقدم كبرلماني عربي عمل جاهدا لكي يقنع جمهوره العربي بأخذ مواطنته بجدية والمشاركة بالتصويت؟ لقد وصلنا الليل بالنهار أنا ورفاقي وزملائي لكي نحارب حالة العزوف عن التصويت نتيجة قناعة آخذة بالازدياد أن الانتخابات الاسرائيلية هي لعبة ليست لنا ولا نؤثر فيها. حاربنا  حالة اليأس والاستسلام والإحباط لدى المواطن العربي لدرجة الإقصاء والتهميش الذاتي، ونجحنا إلى حد بعيد في هذا حيث ارتفعت نسبة التصويت بين العرب قليلا. وقد وصلنا إلى هنا ممثلين شرعيين لشعبنا ولمنتخبينا لنكتشف أن الديموقراطية هنا هي ديموقراطية فقط لجزء من المواطنين. وفشل قائد ثاني أكبر كتلة برلمانية يائير لبيد في امتحانه الأول حيث أقصى العرب خارج إمكانية تشكيل جسم مانع، أما رئيس الحكومة المكلف فبالنسبة له نحن خارج أي احتمال ولو تكتيكي لدعم الائتلاف للضغط على شركائه في التفاوض. نعم أيها السيدات والسادة هذه الديموقراطية هي ديموقراطية اختيارية تعمل لصالح فقط جزء من المواطنين.

نحن طبعا جئنا إلى هنا حتى نمثل شعبنا وحقوقه وقضاياه، وحتى نتصدى للتمييز والإقصاء التي يواجهها العربي في كل خطوة. جئنا نتصدى للعنصرية بشكل عام وللتشريعات العنصرية بشكل خاص. سنعمل من أجل مصالح المواطنين العرب، من أجل زيادة الاستثمار في التعليم والاقتصاد والبنى التحتية، سنستغل الإمكانات المتاحة في العمل البرلماني من أجل تطوير مصالح شعبنا في جزء من فعالياتنا مثل محاربة الفقر أو الدفاع عن البيئة، سنعمل بطبيعة الحال للصالح العام وليس لصالح جمهورنا فقط. أعد من هنا شعبنا بأننا سنكون فعالين جدا ومهنيين جدا ومتميزين جدا في أداء رسالتنا في خدمته.

أيها السيدات والسادة

استمعت إلى خطابات أعضاء الكنيست والوزراء في الأسابيع الماضية وقد دهشت من حالة العمى السياسي المطبق الذي أصيبت به المنظومة السياسية الإسرائيلية. ما هذا العمى السياسي؟ وكيف يدفن شعب بأكمله رأسه بالرمل؟ باعتقادي هذا الوضع هو نتيجة منطقية للثقافة السائدة نتيجة علاقات القوة في المنطقة أو بالأصح نتيجة حالة من نشوة القوة الفائقة التي هي نتيجة لفهم وتفسير مخطوء لموازين القوى في المنطقة. لقد وصف إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق هذه الحالة تماما وشرح السياق السياسي والتاريخي والثقافي للعلاقة بين الاستشراق واللاسامية والكولنيالية، وبيّن أننا لا يمكننا الفصل بين المجتمع والثقافة، وأنه يتعين علينا دراستهما معا.

هل يعقل أن تكون الانتخابات في دولة تحتل شعبا أخر منذ 46 عاما، وتخوض حربا قبل شهرين مع قطاع غزة يقضي أكثر من مليون شخص فيها أياما في الملاجئ، حول قضايا المساواة في الأعباء والعدل الاجتماعي وكأنه لا يوجد احتلال ولا استيطان ولا عنصرية متفشية (فقط الأسبوع الماضي خمسة اعتداءات عنصرية على عرب). نتانياهو يسوق لشعبه فكرة أن بالإمكان إدارة الصراع ولا حاجة إلى حله، وأنه فنان في إدارة الصراعات. بينما تقوم القوى التي تعرض نفسها كبديل عنه بالتركيز على مواضيع مرتبطة بالحالة الإسرائيلية الداخلية مثل التساوي في تحمل الأعباء أي تجنيد اليهود المتدينين وفرض الخدمة المدنية على العرب، أو عن موضوع العدل الاجتماعي ودعم الطبقة الوسطى مشهد عجيب غريب من مسرحيات كافكا بامتياز. حتى يشعياهو ليبوفيتش عجز عن التنبؤ بما سيؤول اليه الحال. فقد توقع أن يسبب الاحتلال كل الموبقات وأنه سينبت العنصرية والفاشية وهذا ما حصل، إلا أنه لم يتوقع أن يحدث هذا كله وأن يقنع كل ذلك بحالة من التجاهل business as usual  وبظهور نجوم في الظلام  كمنقذين للشعب.  

هذه الحالة من العمى السياسي تستشري عندما يصل ذلك لموضوع الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، وقد عكست الكنيست الثامنة عشرة هذه الحالة من خلال التشريعات العنصرية غير المسبوقة ضد العرب. من ناحية ثانية فإن الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين العرب في تدهور مستمر وذلك بتناقض كامل حتى مع تصريحات الحكومات الإسرائيلية وتعهداتها لمنظمة التنمية الدولية الـOECD  وكذلك عكس توصيات "لجنة أور" التي تبنتها الحكومة الإسرائيلية.

إن قضايانا أيها السيدات والسادة ليست قضايا عدل اجتماعي، ومن يعتقد ذلك عليه أن يزيل الستار من أمام عينيه، وأن يتيقن أننا أمام موبقات احتلال ومصادرة أرض وإقصاء وتمييز قومي وهذه القضايا هي التي بحاجة إلى حل ولا يمكن خلط الأمور ومزجها في شكشوكة جيو-سياسية وتاريخية واحدة. لا يمكن تورية هذه القضية المركزية بشعارات العدل الاجتماعي والدفاع عن الطبقة الوسطى. وبعد هذا كله يتجرأون لطرح قضية التساوي بالأعباء معنا؟؟ إن الأعباء التي يتحملها أي شاب عربي منذ لحظة ولادته وحتى جيل 18 عاما هي شديدة الوطأة وسيسره تقاسمها مع آخرين حتى ولو بشكل غير متساو.

الحقيقة الواقعية أقوى من من كل شيء وستبقى على السطح، الانتفاضة القادمة، وهي قادمة لا محالة، لن تكون هنا إنما في العالم الذي سيصل إلى وضع لا يقبل فيه أن تبقى إسرائيل دولة محتلة ومسيطرة على شعب آخر ولن يكتفي بمقاطعة المستوطنات، وإنما سيبدأ بمعاقبة إسرائيل كدولة تضرب بالقوانين الدولية عرض الحائط وتدوس حقوق الانسان. سيأتي اليوم الذي يحسب فيه كل إسرائيلي وخاصة رجال الأعمال ألف حساب عندما يسافرون للخارج، الإسرائيلي سيتحول إلى "شخص غير مرغوب فيه" حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، عندها سيجد الإسرائيليون أن "خارج البلاد" يبتعد وماذا سيفعلون بالبلاد إذا لم يعد هناك "خارج البلاد" كما قال "هجشاش هحيفير" في مقطوعته الفكاهية الشهيرة. فقط عندها ربما يستفيق الإسرائيليون من حالة النشوة ويدركون أن للقوة حدودا وعوائق. كثيرون يعتقدون أن المقاطعة والعقوبات الدولية  هي الطريقة الوحيدة غير العنيفة التي ستجبر إسرائيل على التراجع وإنهاء الاحتلال وإجراء سلام يؤمن للفلسطينيين عدلا نسبيا وتصحيحيا. هناك بالطبع من يعتقد أن هذا أصبح مستحيلا، وأن المشروع الاستيطاني الصهيوني الممنتشر مثل الورم الخبيث على الأرض يمنع أي امكانية لإنشاء دولة أخرى بين النهر والبحر، مما يعني استمرار الاحتلال والفصل العنصري إلى سنوات طويلة يعرف كل من يجلس هنا إلى أين سيؤدي.

أمثل هنا حزب التجمع الوطني الديموقراطي الذي كنت من مؤسسيه عام 1995، وحزبنا هو الوحيد الذي يملك برنامجا ديموقراطيا لضمان المساواة المدنية في دولة كل مواطنيها والحقوق القومية الجماعية للأقلية الفلسطينية في إسرائيل.

أختتم بالشكر لكل الرفاق والأصدقاء والمؤازرين والداعمين ولأبناء شعبي كافة، وأعدهم بالتواصل والعمل من أجلهم ليل نهار، كما وأخص بالذكر عائلتي التي دعمتني وآزرتني طيلة حياتي، والمرحوم الوالد الأستاذ غطاس معلم التاريخ الأسطوري الذي اشتهر بدقته وحبه للحقيقة والمعلومة وبعطائه الفريد والمميز، ولوالدتي التي منحتنا بحرا من المحبة والقيم سأحمل ذكراهما معي للأبد. كما وأشكر باقي أفراد العائلة وخاصة زوجتي الشاعرة المبدعة سوسن مويس غطاس وابنتي سهيلة التي تنهي حاليا دراسة القانون وعلم النفس في جامعة حيفا لهم جميعا شكري العميق وامتناني وشعوري الدائم بفضلهم.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018