أسرى الداخل - بين هويتهم الفلسطينية ومواطنتهم

أسرى الداخل - بين هويتهم الفلسطينية ومواطنتهم

تتعامل الحكومات الإسرائيلية مع المعتقلين الفلسطينيين من ابناء الداخل كما تتعامل مع نظرائهم الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة.معتقلو الداخل يعيشون ظروفاً بالغة الصعوبة فهم " مواطنون إسرائيليون " ، لكن إسرائيل لا تعاملهم كذلك، والسلطة الفلسطينية لا توليهم الاهتمام لالتزامها باتفاقيات دولية، تمنعها من التدخل في شؤون الدول الأخرى، ويتم استثناؤهم من صفقات التبادل.

وقد وصل عدد الأسرى من فلسطينيي الداخل إلى مائة معتقل منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية و عقب هبة أكتوبر في الداخل، بينهم 22 معتقلا قبل توقيع اتفاقية أوسلو.

تقول سناء سلامة، الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الاسرى العرب والفلسطينيين في جمعية أنصار السجين - الطيره، أن المحاكم الإسرائيلية تعامل فلسطينيي الداخل على أنهم " مواطنون عليهم واجبات، ولكن ليس لديهم حقوق ". وتبين أن إسرائيل تنظر إلى معتقلي الداخل على أنهم مواطنون اقترفوا جريمة الخيانة العظمى، وبالتالي فهي تتعمد القسوة عليهم في الأحكام القضائية و ترفض حتى مجرد الحديث عن معتقلي الداخل، فهي تطلب من السلطة الفلسطينية عدم التدخل في الأمر، كونهم مواطنين إسرائيليين، وفي الوقت ذاته تتعامل معهم على أنهم مواطنون من درجات منخفضة أكثر.

وتشير سلامة إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية ما انفكت تطالب بسحب الجنسية من المعتقلين وذويهم، وتهدد بهدم منازل من يعتقل، فضلاً عن تعرض العديد من أقارب الأسرى إلى الطرد من العمل، أو المضايقات من قبل قوات الأمن الإسرائيلية، والمؤسسات الرسمية الإسرائيلية.
تقول أم المعتقل مخلص برغال، وهو من سكان مدينة اللد، ان ابنها اعتقل يوم الحادي عشر من أيلول 1987، بعد اتهامه بإلقاء قنبلة على باص إسرائيلي، لكن القنبلة لم تنفجر. وتشير الأم، التي يعتصر قلبها حزناً على فراق ابنها الى ان برغال اعتقل مرة سابقة في العام 1984 لمدة ثلاثة أعوام ونيف، قبل أن يفرج عنه في العام 1987، وكان يقبع في معتقل هداريم.

وكان برغال قد أصيب غير مرة خلال قمع سلطات الاحتلال وقوات الجيش الإسرائيلي للمعتقلين في السجون، لا سيما في معتقل هداريم، حيث أصيب في شهر تموز الماضي بإصابات بالغة الخطورة نقل على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج.

وتمنع سلطات الاحتلال الإسرائيلي ذوي أسرى الداخل من زيارة أبنائهم، منذ قرابة تسعة أشهر، وتقول الأم إنها لم تتمكن وعائلتها من زيارة ابنها منذ أشهر تسعة، ولم تعد تعلم شيئاً عن أخباره. وتشير الأم إلى أن منع الزيارة جاء عقب الإجراءات القمعية الإسرائيلية بحق الأسرى العرب والفلسطينيين بشكل عام.
ام محمد : لم نسمع عنه أي شيء منذ مدة طويلة لأننا لم نزره منذ تسعة أشهر، وذلك بسبب الإضراب المستمر الذي أعلنه الأسرى السياسيون إحتجاجاً على ظروف إحتجازهم وعلى تدني شروط حياتهم داخل السجون. تصلنا بعض الأخبار عن طريق بعض المحامين في أنصار السجين وغيرها من المؤسسات الفاعله من أجل الأسرى.

المعامله (معاملة السجانين للأسرى) تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.فأي سلوك لا يروق للسجان يقوم بالتعرّض للسجين وإستفزازه لينتهي أمره بالزنزانه وتصادر الأموال المرسله إليه من قبل أهله. فمثلاً قبل مدة قام أحد السجناء بحلق لحيته بدون أن يطلب "إذن" إدارة السجن الذي يمكث فيه فقامت الوحدات الخاصه بضربه ضرباً مبرّحاً وعزله ومصادرة حسابه ومنعه من الزياره لشهور طويلة لهذا السبب الواهي. حتى زيارات المحامين تكون بشق الأنفس هذه الأيام فلا يسمع لكل المحامين بالزيارة. فقد حاول شقيق مخلص، وهو محام، زيارته كما كان يفعل في السابق فرفضوا بحجّة أنه يستطيع زيارته مع العائله وهم يعلمون جيداً أنه ليس هناك زيارات عائله وأهالي منذ مدة طويلة.
ام محمد : نحن نزور السجون منذ عام 1975. كانت الأوضاع أفضل وذلك بسبب نضال الأسرى ومطالباتهم وإضراباتهم التي استشهد فيها أسرى عديدون. كانت الزيارة مسموحة للأهل والأقارب والأصدقاء أما اليوم فقد منعت زيارة هؤلاء وحتى أنهم حددوا أعمار الزائرين من جيل 17 وأصغر ومن جيل 40 وأكثر. كذلك إدخال الطعام والملابس للأسرى بات الآن ممنوعاً وهذا يتبع في أغلب الأحيان مزاج السجانين.
ام محمد : شعوري هو شعور بالأسى. إنه شعور لا يوصف، شعور بالألم، بالخوف وباليأس أيضاً .. حيث تمر برأسي كأم هواجس كثيرة نتيجة خوفي على كل الشباب في السجون. فإستمرار إستفزازهم من قبل الوحدات الخاصه، كما حدث أمس في سجن نفحه، وضربهم والإعتداء عليهم والتحرّش بهم يخيفني ويقلقني جداً. خوفي عليهم من إضراب عن الطعام يؤدي إلى تدهور حالتهم الصحيه وغير ذلك من قضايا أخرى في إطار الصراع والنضال المستمر من أجل أن ينالوا حقوقهم بالعيش الكريم داخل السجون.
ام محمد : إني أقول لهم أنهم إذا كانوا لا يملون الحديث عن معاناتهم بسبب ما تعرّضوا له على أيدي النازيين وإذا كانت هذه المعاملة دفعتهم إلى التكاتف والتلاحم والسعي كي تصبح لديهم دولة فإننا كشعب فلسطيني لا نختلف عنهم. وكل عاقل في الدنيا يدرك أن المصلحة الخاصة به تتطلب منه أن يغير الأوضاع المجحفة وغير إلانسانية التي يعيشها إلى أوضاع أكثر إنسانية. وكل عاقل في الدنيا يدرك أن ظلمه وعدوانه لن يدوم له وحده وبإستطاعته التعامل مع من هم تحت حكمه بعدل فيحفظ قيمته وقيمتهم وتسجل لصالحه تاريخياً.

ام محمد : إذا كان لي أن أتوجه لعرب الداخل كشريكة معهم في كافة مجالات المعاناة، فإنني أتوجه إليهم بطلب التكاتف والمحافظة على أبناءهم من كل مخاطر هذا العصر بكافة أشكالها. وبالنسبة لأبناءنا في السجون فهم لم يدخلوها لأهدافهم الشخصية وإنما لإيمانهم بحق شعبهم وبعدالة قضيتهم ودفاعاً عن حقهم بالعيش بكرامة على أرضهم، ولهذا أتوجه إلى كافة العرب في الداخل – 48 وفي الخارج أيضاً بأن يتواصلوا مع الأسرى سواء كان ذلك بمتابعة أخبارهم أو كان ذلك بمراسلتهم، ونحن يمكننا أن نعد قائمة بأسمائهم وبعناوين السجون التي يقضون فيها زهرة شبابهم. وأود أيضاً أن أتوجه إلى المسؤولين والمثقفين العرب في الداخل أن يضعوا دائماً قضية الأسرى السياسيين نصب أعينهم وأن يحاولوا المساعدة قدر إستطاعتهم من أجل إبقاء قضية الأسرى مطروحة على جدول أعمال الجماهير العربية في الداخل.

ام محمد : لم تعد لحياتنا أية قيمة أو معنى منذ دخول أول ولد لي السجن منذ أكثر من 28 عاماً. الشعور الغالب هو شعور الفقدان المستمر والحزن الذي لا يفارقك. ولكن من جهة أخرى فإنني أعلم جيداً أن فقدان إبني وإعتقاله الذي لا أرى له أفقاً هو أمر مرتبط بقضية عادله ما زالت حيه وما زال الشهداء يسقطون لأجلها في كل يوم.