الأسير وليد دقة يكتب من داخل السجن

 الأسير وليد دقة يكتب من داخل السجن

الأسير وليد نمر دقه من فلسطينيي الداخل، من مواليد باقة الغربية عام 61، كان قد التحق في بداية الثمانينات مع ومجموعة من شباب الداخل في صفوف إحدى فصائل الثورة الفلسطينية "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، تم تنظيمهم في مجموعة عسكرية مؤلفه من سبعة عناصر ثلاثه منها من قرى الجليل وأربعة من منطقة المثلث، وفي عام 1984 تم فرز ثلاثة من أعضاء المجموعة للقيام بتدريبات عسكرية وأمنيه ليقوموا لاحقاً بتشكيل ومتابعة جهاز عسكري يعمل داخل إسرائيل.

وقد ترأس هذا الجهاز الشهيد إبراهيم الراعي من سكان مدينة قلقيلية الذي اعتقل وتمت تصفيته جسدياً في زنازين سجن الرملة وقد أدعت إدارة السجون بأنه قام بالانتحار. الأسير دقة كان واحداً من الثلاثة الذين تم اختيارهم، مثلما يسرد الأسير وليد دقة، تقرر تسفيرنا سراً بجوازات مزوره إلى سوريا بعد أن سافرنا إلى دول أوروبية مختلفة كمحطة مؤقتة نتسلم بها أوراقنا وهويتنا الجديدة .. وفعلاً أجريت لنا التدريبات اللازمة في إحدى المعسكرات التابعة للجبهة الشعبية في سوريا قريباً من الحدود الأردنية، حيث استمرت التدريبات شهر تقريباً تلقيت خلالها تدريبات مختلفة على الأسلحة الخفيفة والمتفجرات بالإضافة لدورة نظريه في كيفية جمع المعلومات.

وقد التقيت هناك بمسئول فرع الأرض المحتلة في حينه أبو نضال، الذي كان واضحاً من حديثه بأن مهمتنا كجهاز عسكري تتلخص بثلاث نقاط، الأولى جمع المعلومات حول قاده ومسئولين إسرائيليين لهم علاقة بأحداث لبنان عموماً ومجزرة صبرا وشاتيلا خصوصاً، والثانية القيام بعمليات عسكرية لتصفية هؤلاء المسئولين والثالثة اختطاف عسكريين بهدف مبادلتهم بأسرى فلسطينيين وعرب معتقلين في السجون الإسرائيلية. وقد عملت وأعضاء الجهاز لمدة عامين تقريباً إلى أن تم اعتقالي عام 86 بتهمة خطف وقتل جندي إسرائيلي ومحاكمتي بالسجن المؤبد حيث أمضيت حتى الآن سبعة عشر عاماً.

السجن كحالة فقدان الحرية تختلف بهذا المعنى عن الموت أو الخوف أو الجوع، فأنت بإمكانك أن تكتب عن حريتك المسلوبة وعن تجربة الأسر وأنت في الأسر، أن تعيش اللحظة وأن تصفها معاً، في حالة فقدان الحرية يؤكد لي بأن الحرية أقل أساسية من الوجود المادي للإنسان الذي يتهدده الموت أو الجوع. وعندما تكون الكتابة ممكنة عن فقدان الحرية في لحظة فقدانها يعني بأن الكتابة ستكون أكثر دقة وقرباً لصورة الواقع.

والقدرة على الكتابة عن فقدان الحرية في لحظة فقدانها ممكنة، لأن الكتابة هي حالة تسلل خارج أسوار السجن ووسيلة هروب للوعي خارج زنازينه حتى لحظة الكتابة عن الزنازين . وبهذا المعنى أن تكتب وأن تعيش الحالة تغدو الحرية أو فقدانها هي حالات ذهنية أو فكرية واعية تمارس من خلال الكتابة أو الحديث عنها بمعزل عن الحاله المادية للجسد المأسور والمعزول عن العالم الخارجي. وفقدان الحرية أو توفرها ليسا حالة قانونية فوفقاً لوضعي القانوني فأنا أسير لا يمكنني الوصول إلى سريري إلا بفتح ثمانية أبواب.

لقد أوصدت هذه الأبواب منذ ثلاثة وعشرون عاماً وبقيت أرفضها وأرفض مترتبات تصنيفي كأسير، هذه ليست حالة إنفصام عن الواقع وإنما رفضاً له كما لو كان قدراً .. رفضاً مبنياً ومؤسساً على قناعة بأنه واقع لكنه ليس الواقع، وهو حياة أعيشها لكنه ليس الحياة.

لقد حاولت طوال سنوات الأسر أن أوسع مساحة حريتي ووسائل توسيع مساحة الحريه متعددة، فالقراءة هي انتقال إلى عالم غير عالم السجن، والتلفاز وسيلة مهمة لكنه وسيلة رخيصة سريعة تعطّل الخيال الإنساني الطبيعي، فأنت لست بحاجه لأكثر من ضغطة على زر المتحكم وزوج عيون تتابع بهما الشاشة.

الهروب خارج الأسوار عبر الخيال الإنساني الطبيعي يحتاج إلى قدرات ذهنية وإلى لعبة دماغية خاصة وممتعة، أنت، بعكس التلفاز، أنت الذي تختار المشهد وتطوراته، تختاره حسب حاجتك ورغبتك، الرواية تأتي ما بين التلفاز والتخيل الحر في الرواية، تأخذ صورة مشهد أولي ولكنك تطوره وتضيف عليه ما تشاء وكيفما تشاء.

والحرية بهذا ليست تخيل وخيال بل هي حقيقة دماغية تقررها أنت وتنقلها خطوة أخرى إلى الأمام إن أردت .. إن الكتابة هي خطوة أولى في نقل الحرية المتخيلة إلى واقع، ففي البداية حروف وكلمات ومن ثم أفكار وخطوات عملية، والحرية على كل حال ليست حالة ذهنية، لكنها بنفس الآن ليست محكومة بالواقع المادي، قد تكون هي الحالة الإنسانية بزئبقيتها أو غازيتها متهربة متسلّلة، كم هم كثر أولئك الذين يعيشون خارج الأسوار وحريتهم تتهرب وتفلت منهم ويعيشون في سجون محكمة.
لقد كان للدمار الذي خلفه الإجتياح الإسرائيلي للبنان وخصوصاً مذبحة صبرا وشاتيلا الأثر الكبير عليّ وعلى نفوس الكثيرين من الشباب من أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل، وقد دفعتنا هذه الأجواء للإلتحاق بفصائل المقاومة الفلسطينية في محاولة منا لحسم التناقض الذي عاشه المواطن العربي في إسرائيل، وجيلنا عاشه بتكثيف عال بفعل ما أفرزته الحرب من مآس. وهذا التناقض باعتقادي أيضاً تعيشه فئة الشباب اليوم بتكثيف عال في ظل ما يقوم به الإحتلال من جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة.
إن التناقض الذي كان وما زال بين كوننا ننتمي للشعب الفلسطيني ونحمل الهوية القومية العربية بهمومها وأحلامها، بآمالها وآلامها، وبين كوننا نحمل المواطنة الإسرائيلية والتي تتيح لنا قانونياً أن نبقى في وطننا وعلى أرضنا ومواطنين في دولة تعرف نفسها بأنها دولة اليهود .. أمام هذا التناقض حسمنا في حينه خيارنا لصالح فلسطينيتنا وعروبتنا بالإلتحاق بفصائل المقاومة في الوقت الذي كنا به فاقدين لأي صبغة سياسية أو نظرية أو حتى قانونية تمكننا من تطويع التناقض بالنضال بين انتمائنا الوطني والقومي وبين مواطنتنا.

إلا أن حسمنا هذا الذي قد يكون حلاً فردياً ممكناً لكنه ليس حلاً لشعب بأكمله وليس حلاً لمليون ومئتي ألف عربي من المواطنين العرب في إسرائيل، لقد اختلطت علينا الأمور ولم نعرف كيف نتعامل مع مفهومي المواطنة والوطنية ولم يوفر لنا أي حزب أو قوة سياسية عربية فهماً أو إطاراً يتيح لنا مساحة كافية من النضال نحافظ من خلالها على هويتنا القومية ونمارس واجبنا الوطني من جهة، ومن جهة أخرى نحافظ على وجودنا وأن ننزرع في أرضنا ونطالب وبجدية بمواطنتنا الكاملة.

لقد اعتقدنا كما حاولت أطروحات القوى والأحزاب العربية واليهودية إقناعنا بأن نختار بين المواطنة والهوية الوطنية، لكننا نعتقد اليوم بأن الحسم لأحد الخيارين عبر شطب الخيار الآخر يعني في ظروفنا كأقلية قومية وفي ظل واقع سياسي وقانوني ذو خصوصية مركبة بأننا نفقد الخيارين معاً . فما معنى المواطنة على حساب الهوية القومية؟، يعني مواطنة مجزوءة، مواطنة غير كاملة تستجدي الحقوق ولا تحصل على فتاتها كما تعني بالتالي الأسرلة.

وما معنى أن نحسم الخيار كما فعلنا في حالتنا لصالح الإنضمام لإحدى فصائل م.ت.ف يعني فقدان المواطنة، وفقدان المواطنة في حالتنا كعرب في إسرائيل يعني اللجوء وفقدان الوطن، بل ويعني توفير المناخ والمبررات لمنظري الترانسفير لمزيد من مصادرة حقوقنا كأصحاب الأرض الأصليين .. وهذا كما قلت قد ينفع لحسم حالة التناقض لدى الأفراد، لكنه لا يمكن أن يكون مشروعاً نضالياً للأقلية القومية العربية في إسرائيل وخصوصاً بعد أن قفزت إتفاقيات أوسلو عن هذا القطاع من الشعب الفلسطيني بل وقفزت عنا كمن التحقوا في صفوف المقاومة الفلسطينية، حيث اعتبرت قضية الإفراج عنا كسائر المناضلين في إطار إتفاقيات أوسلو مسأله لا علاقه للمفاوض الفلسطيني بها وإنما هي شأن إسرائيلي داخلي.
لم تتح لي فرصة الدراسة الجامعية فقد التحقت بسوق العمل مباشرة بعد إنهائي الدراسه الثانويه في عام 79 حيث عملت في ورش البناء والمطاعم والفنادق في تل أبيب، وقد وفرت لي سنوات الإعتقال فرصة للدراسة الذاتيه بل وفرصة لخوض تجربة عملية نادرة للمشاركة باعتقادي بأصعب وأشق جبهات المقاومة، حيث كان مطلوباً، في ظل الإعتقالات الواسعه أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، إعادة تنظيم وترتيب صفوف هذا الجيش الفلسطيني الذي وصل إلى ما يزيد على 13 ألف معتقل فكانت فرصة لنقل ما اكتسبته من دراسة وفهم نظري عبر إكساب هؤلاء الشباب ما كنت قد اكتسبته من أسرى الرعيل الأول الذين أمضوا سنوات طويلة داخل الأسر، أمثال الشهيد عمر القاسم الذي توفي في السجن بعد أن أمضى ما يقارب ال 20 عاماً إثر مرض عضال.
لقد كان بالنسبة لي الإلتحاق بجامعة تل أبيب المفتوحة، حيث حصلت على شهادة الباكالوريوس في العلوم السياسية وأعمل الآن على إنهاء دراستي لشهادة الماجستير في الديمقراطية، محاولة لتطوير أدوات النضال لجانب التجربة العملية واليومية، بل ولجانب ضرورة الحفاظ على الذات من التآكل نفسياً ومعنوياً جراء سنوات الإعتقال الطويلة، فالسجن يأخذ مني كل يوم وأحاول تعويضه بالدراسة والتواصل مع شعبنا من داخل الزنازين.

فأخطر ما قد تواجهه الحركة الوطنية الأسيرة هو أن يتحول عناصرها إلى أناس يتركزون فقط بهمومهم الشخصية ويعيشون محنة الأسر والحرمان من الحرية ويغدون كالمرضى متركزين بمرضهم وشكواهم بدل التركيز بواقع شعبهم وهمومه وقضاياه، ففي هذه الحالة يتحول المناضلون إلى هم بدل أن يكونوا حاملي الهم الوطني وإلى كم مفرغ بدل أن يمثلوا نخبة النضال والمقاومة.
بهذا الفهم جاء توجهي لصديقي الدكتور عزمي بشاره بضرورة تدوين تجربة الإنتفاضة والمقاومة الفلسطينية الباسلة في مخيم جنين، حيث وفر من وقته وجهده وعلاقاته لإيصال صوت هؤلاء المناضلين ووفر كل ما يلزم لنشر روايتهم بشكل يليق بتضحيات الشهداء والجرحى ليطلع عليها المواطن العربي من مصدرها الأول.

إن نشر رواية المقاومة الفلسطينية في مخيم جنين وعلى لسان المقاومين أنفسهم تحول دون تشويهها أو إستغلالها من قبل أولئك الذين تنكروا لها في خضم المعركة، واليوم تسمع بعض هذه الأصوات تقوم حيناً بتعهير المقاومة وحيناً تستغلها لصالحها والمقاومة براء من الطرفين، بل ويحمي النشر فكرة المقاومة وبالتالي الروح المعنويه للمقاومين في ظل حملة تحريض شرسة إنطلقت بعد الحادي عشر من سبتمبر تهدف توصيف النضال الوطني الفلسطيني كإرهاب.


ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018