الاسير وليد دقة: كيف تحولت السجون إلى أضخم مؤسسة لصهر وعي جيل كامل من الفلسطينيين

الاسير وليد دقة:  كيف تحولت السجون إلى أضخم مؤسسة لصهر وعي جيل كامل من الفلسطينيين

سلطت وزارة شؤون الأسرى والمحررين الضوء على الكتاب الهام الذي أصدره الأسير الفلسطيني وليد نمر اسعد دقة، المحكوم مدى الحياة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وقد اعتقل بتاريخ 26/3/1986، وهو من سكان باقة الغربية في فلسطين المحتلة 1948، وقد تمكن من تحصيل البكالوريوس في العلوم السياسية أثناء الاعتقال.

إعادة تعريف التعذيب... أللايقين والقهر....

الأسير وليد دقة يركز في كتابه على واقع الحركة الأسيرة بعد اتفاقيات أوسلو، ويعالج ما يتعرض له الأسرى من تعذيب ممنهج ومدروس على يد سلطات الاحتلال، تعذيب من نوع آخر دون ان تشعر بالألم أو يظهر أثرا جراء هذا التعذيب، ويقول ليس هناك اشد وأقسى من ان يعيش الإنسان إحساسا بالقهر والعذاب دون ان يكون قادراً على وصفه وتحديد سببه ومصدره، انه الشعور بالعجز وفقدان الكرامة الإنسانية عندما يجتمع اللايقين بالقهر...

لقد أصبح القمع والتعذيب في سجون الاحتلال مركباً وحدثوياً يتماشى مع خطاب حقوق الإنسان، مخفياً ومتوارياً يسهل على سلطات الاحتلال تعتيمه وتضليله، انه قمع لا صورة له ولا يمكن تحديده بمشهد، انه مجموعة من الإجراءات الصغيرة والمنفردة وآلاف التفاصيل التي لا يمكن ان تدل منفردة على أنها أدوات للتعذيب، ويقول الأسير وليد دقة: انه كالاستغلال الذي لا وجه له أو وطن أو عنوان محدد لمستغلك.

المستهدف من واقع الحياة القاسي في سجون الاحتلال هو الروح والعقل عبر إعادة صياغة البشر وفق رؤية إسرائيلية عبر صهر وعيهم، لاسيما صهر وعي النخبة المقاومة في السجون، ويجب توضيحه للرأي العالم في إطار تعريف جديد للتعذيب وهي مهمة لجان حقوق الإنسان ولجان الأسرى، لكنها قبل كل شيء مهمة الفصائل الوطنية والقوى السياسية الفلسطينية، فالقضية المطروحة ليست قضية حقوقية أو إنسانية وإنما سياسية بالدرجة الأولى.

ويوضح الأسير وليد دقة ان تعريف جديد للتعذيب ان يشمل النظم غير الحسية وغير المباشرة التي تهدف للتدخل في تفكير الأفراد في عملية مسح دماغي زاحف ومتدرج وممنهج وتحاول ان تهندس الجماعة السياسية وتسيطر عليها.

لقد عبر قادة إسرائيليون عن مخطط صهر وعي الفلسطينيين بما فيهم الأسرى كطليعة، فشاؤول موفاز أطلق على عملية إعادة احتلال المناطق الفلسطينية عام 2002 أو ما تسمى (السور الواقي) كي الوعي أو الحسم الوجداني، مدير السجون السابق ( يعقوب حانون) عبر عن هذه الرغبة في السيطرة عندما قال في إحدى ساحات سجن جلبوع بعد تسلم وزير الأمن الداخلي (جدعون عزرا) الوزارة عام 2006، موجها حديثه للوزير على مسمع من الأسرى : أطمئن .. عليك أن تكون واثقا بأنني سأجعلهم يرفعون العلم الإسرائيلي وينشدون التكفا، وصرح قائد الأركان الإسرائيلي السابق ( بوجي يعلون) أثناء سنوات خدمته العسكرية في الانتفاضة، بأنه لا بد من إعادة صهر الوعي الفلسطيني.

عدم الإحساس بالمكان والزمان

الاستهداف الإسرائيلي للأسرى جعلهم في مرحلة من فقدان الإحساس بالمكان والزمان، وجعلهم عاجزين عن معرفة هويتهم الذاتية، كأنهم يعيشون في عالم الصفر، وغدوا صفحة بيضاء يمكن أن تكتب عليها إدارة السجون الكلمات والمفاهيم الجديدة التي أرادتها، عبر محو ذاكرتهم وما يتصوره الأسرى عن أنفسهم، أو محو ما تعلموه خلال حياتهم عن ذاتهم ومحيطهم وتحويلهم إلى لوح أبيض يمكن التغلغل لدماغهم، وتحويلهم إلى أشخاص آخرين نفسيا وعقليا. .

لقد سعت حكومة إسرائيل وإدارة السجون إلى تحويل مجتمع الاعتقال إلى مجتمع بدائي وما قبل وطني حسب الكاتب، وذلك من أجل إلغاء القدرة على مقاومة إرادة المحتل، ولضمان عدم ظهور أي إمكانية مستقبلية لمقاومة المحتل من خلال تحطيم كل ما هو قائم من إمكانيات ونظم ومفاهيم تحطيما شاملا، وصياغة أفراد وفقا لمصالحهم وأهدافهم.

ووفق الكاتب وليد دقة فإن الأسرى تعرضوا لمخطط صهر الوعي أو الصدمة بعد الإضراب الفاشل عن الطعام عام 2004 وخلاله، باتخاذ حكومة اسرائيل سلسلة إجراءات أهمها: تطبيق سياسة التفتيش العاري للأسرى على نطاق واسع، واستكمال تركيب الزجاج العازل في غرف الزيارات، وإبقاء النور مشتعلا في الغرف على مدار ساعات الليل والنهار لاستنزاف أعصاب الأسرى، ومصادرة كل وسيلة بحوزة الأسرى مهما كانت بسيطة، مصادرة ملح الطعام من الأسرى خلال الإضراب، تكثيف التفتيشات والمداهمات لغرف الأسرى خلال الإضراب، وغيرها من الإجراءات المقننة والمدروسة.

لقد فشل الإضراب عن الطعام في تحقيق مطالبه، ولكن الفشل الأهم والذي ترك تداعياته على حياة الأسرى لسنوات هو نجاح إدارة السجون في فكفكة السجون والأقسام المضربة الواحد تلو الآخر، ليتوقف الإضراب بشكل فردي وفوضوي، وهكذا أصبح الأسرى مهيئين أكثر للتشكيل وتطبيق خطة صهر الوعي.

غياب مبدأ التضامن الجماعي

مفاهيم جديدة دخلت حياة الأسرى بعد 2004، واقع مفكك، غياب قيادة، فوضى، سلوكيات فردية، شلليات وبلديات، عنف داخلي، سيطرة مطلقة لاستخبارات إدارة السجون، حل الأطر القيادية وتحطيم المؤسسة الإعتقالية الجماعية . .

إن مبدأ التضامن بين الأسرى قد كسر حسب ما يقول الأسير وليد دقة، وظهرت الاحتجاجات الفردية والشخصية في صفوف الأسرى، وهذا يأتي في سياق خطة صهر وعي الأسرى، ولقد تم فردنة الأسرى وخصخصة نضالهم الجماعي، مستغلة إدارة السجون فشل إضراب عام 2004، وحالة التذمر والإحباط الشديد ولتعميق خيبة الأمل التي سادت أوساط الأسرى، ولكن الأهم هو استغلال كل ذلك في الإجهاز على القيم الوطنية الجامعة.

لقد عمقت إدارة السجون هذا التوجه بسلسلة من الإجراءات أبرزها: الفصل بين الأقسام داخل السجن الواحد وعزلها عن بعضها البعض وفقا لتقسيمات واعتبارات لمناطق جغرافية، وأصبح التقسيم الجغرافي بديلا للانتماء الوطني مما يجعل عملية السيطرة أسهل وأكثر شمولا، وتم إلغاء العمل بلجنة الحوار الوطني أو لجنة ممثلين الأسرى، وإنزال العقوبات الشديدة الفردية والجماعية بحق الأسرى في حال اتخذوا خطوات نضالية وان كانت رمزية وبسيطة، ومنع أي مظهر جماعي في السحن، وبالتالي استهدفت هذه الإجراءات كافة التقاليد الإعتقالية والتنظيمية التي اكتسبتها الحركة الأسيرة على مدار عقود من الاعتقال.

تمويل الاحتجاز. .

الأسير وليد دقة يرى في الأموال التي تصرف على المعتقلين تمويلا لاحتجازهم بحيث تجعل هذا الاحتجاز مربحا لإسرائيل، فشركاتها هي التي توفر المواد الغذائية ومواد التنظيف للأسرى، فأعفيت إسرائيل من الأعباء المالية لاحتجازها واحتلالها للفلسطينيين، حيث لا يوجد مادة يستهلكها الأسرى إلا ويشترونها على حسابهم.

لقد تمكنت إسرائيل أن تحتجز أكبر عدد من الأسرى الفلسطينيين بأقل ما يمكن من تكلفة سياسية ومالية وأن تستخدم ذلك كدولة تمارس احتلالا حضاريا، وبالتالي يقول الكاتب قد تحول الأسير الفلسطيني الذي كان لا مصلحة له سوى النضال وتحرير الوطن إلى عضو في قطاع كأي قطاع في السلطة الفلسطينية كقطاع الموظفين مثلا له مصالح مالية ومطلبية، وقد تشكل وفق ذلك مناخ نفسي وتربوي يقود الأسير إلى الانتقال بسهولة من النضال التحرري الوطني إلى النضال المطلبي، الأمر الذي ينسجم مع الهدف والخطة الإسرائيلية العامة وهي الإجهاز على القيم الجامعة لهذا القطاع.

الواقع المادي الذي يعيشه الأسرى يخلق حالة من التشوه الاجتماعي والنفسي للأسير، حيث يعيش قطاعات من الأسرى واقعا ماديا أفضل بكثير مما يعيشه أسر كثيرة في الأراضي المحتلة حسب الكاتب وليد دقة، الأمر الذي يخلق توترا نفسيا جراء التناقض بين ما يعيشه الأسير من واقع وبين ما يدركه حول واقع شعبه وما كونه من وعي لذاته بشأن دوره اتجاه هذا الشعب الذي يناضل من أجل تحرره.

لقد اكتفت إدارة السجون بإضعاف البنى التنظيمية للأسرى وإفراغها من محتواها عبر استخدامها الوفرة وشروط الحياة المعقولة التي حولتها لأداة ذاتية للضغط الداخلي لهم، فهي وان اتاحت شكلا معينا من الحياة المنظمة إلا أن هذا (الكرم الإسرائيلي) يبدوا شركا، حيث هي الشعرة التي تفصل بين الحياة المنظمة والانضباط، وبين الخضوع والامتثال.

الهندسة البشرية

يقول الكاتب وليد دقة: إن تنكر الأسرى للواقع وتفضيلهم التواطؤ مع سهولة الحياة القائمة هو بحد ذاته نتيجة من نتائج الهندسة البشرية التي يتعرضون لها في إطار خطة صهر الوعي وبروز محتوى قيمي جديد في حياة الأسرى.

الحديث هنا عن طليعة الشعب الفلسطيني ورأس حربته المقاومة، وعندما تستهدف القيم الجامعة لهذا القطاع من الشعب الفلسطيني بترويضه واستبدال قيم ما قبل الوطنية على قاموسه ومنطق تفكيره، مما يعني بأنه سيكون لهذه السياسة الإسرائيلية الآثار المدمرة على مجمل النضال الشعبي الفلسطيني وقضيته الوطنية، فالمفتاح الناظم للعلاقات بين الأسرى هو مفتاح الجغرافيا والبلديات لدرجة أن الفصائل لم تعد هي الجهة التي توفر الأمن والحياة الكريمة للأسرى وإنما أبناء البلد، وهذه السلطة تستمد قوتها من إدارة السجون بما ينسجم مع مصلحة شخوص هذه السلطة.

لم يعد الأسير في الواقع الحالي ذاك الأسير القارئ والمنتج أدبا داخل السجون كما كان في الماضي، ولم تعد الجلسات والحلقات الدراسية والنقاشات الفكرية والايدولوجية هي سمات هذه الطليعة، فلم تعد هذه الطليعة تقرأ وتبحث عن إجابات للأسئلة والإشكالات الوطنية التي تجابه شعبنا.

لقد استسلم الأسرى لمنع إدخال الكتب والصحف، واستسلموا لسياسة توزيع الأسرى على السجون وفق تقسيمات جنوب وشمال ووسط، وتوزيعات في كل سجن وفق تقسيمات جغرافية ومكان السكن، واستسلموا لعقوبات فرض الغرامات ومنع الزيارات والحرمان من الكنتين وعزلهم انفراديا، وغرقوا في الهم الشخصي والمادي على حساب الهم الوطني والجماعي إلى درجة أنه منذ عام 2004 لم يدخل الأسرى في أي برنامج نضالي جماعي، وإنما في خطوات ذات طابع فردي أو فصائلي وبطريقة عشوائية لم تحقق أي نتائج، كل هذا يشير إلى خطورة ما يجري على أجسام وعقول وتفكير الأسرى تحت أدوات السيطرة والتحكم الإسرائيلي.

السجون . . . مؤسسات ضخمة لطحن جيل فلسطيني بكامله

الأسير وليد دقة يصل إلى استنتاجات في كتابه تقول أن جملة التناقضات والتحولات في واقع الأسرى جعلت إمكانية تطبيق خطة صهر الوعي لهؤلاء المناضلين الفلسطينيين إمكانية عملية، فالتناقض بين غياب السجان تجسيدا ووجوده فعليا كمسيطر على حياة الأسير، خلق لديه حالة من التنافر الداخلي بين ما يدركه في الحقيقة ويحس به من قمع وسيطرة على حياته، وبين واقعه الذي يظهره في استقلالية نسبية في إدارة حياته.

إن السجن الحديث بصورة عامة ليس سيطرة وحجزا للجسد فقط، وإنما سيطرة على زمن الأسير، فلم يعد زمن الأسير ملكه ولا يمكنه تنظيم ساعات النهار وفقا لبرنامج يحدده لذاته.

التناقض بين كون الأسير فاقد للحرية ويغلق عليه باب الزنزانة وبين كونه يفتح بيديه الباب ويغلقه على نفسه وفقا لهذا الواقع الجديد في السجون، يدفعه لحالة من التوتر والتنافر الذهني جراء الرغبة في الحفاظ على مكتسب ( فتح الباب ) والإحساس بالسيطرة من جهة، وبين كونها سيطرة وهمية تدخله لشرك الترويض النفسي والمعنوي من جهة أخرى، إنها حالة أشبه بمنح الأسرى الفرصة والقيود ليقيدوا أنفسهم بأنفسهم.

ويقول الأسير وليد دقة: قد لا يهتم الناس خارج الأسوار بالتفاصيل التي تجري داخل السجون، لكن من يدرك أهمية هذه التفاصيل وتداعياتها النفسية والتربوية على الفرد في حياة مؤسسة مغلقة كالسجون يفهم خطورة المشروع الإسرائيلي في إعادة صياغة وعي وترويض هؤلاء المناضلين في أدق التفاصيل.

إن السجون الإسرائيلية اليوم هي بمثابة مؤسسات ضخمة لطحن جيل فلسطيني بكامله، بل هي أضخم مؤسسة عرفها التاريخ لإعادة صهر الوعي لجيل من المناضلين
نجيب فراج –صحيفة القدس
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018