ورود القاسم: السجن قسوة ما بعدها قسوة!

ورود القاسم: السجن قسوة ما بعدها قسوة!

ورود ماهر قاسم، اسمها الثلاثي، الذي يحلو لها أن تلفظه عندما يسألونها عن اسمها، فثمة علاقة حميمية تربطها بوالديْها الذين أحبتهم، لكنها مرغمة فارقتهم لمدة ستِ سنوات. ورود في ربيعها الـ 26، اليوم، وكان السادس من آب/اغسطس الماضي، موعدها مع النور، الذي فارقته خلال أعوامها الست الماضية.

في الليلة الأولى عندما خلدت إلى النومِ بعيدًا عن رفيقاتِ دربها في السجن، بسببٍ اتهامها بالتخطيط لتنفيذ عملية "إرهابية" - كما نطق بِها رجال الشاباك حين حققوا معها مدة 73 ساعة متواصلة – استيقظت صباحًا مذهولة سألتِ شقيقتها التي جاءت لتوقظها "من أنتِ؟"، "لماذا أنا هُنا؟!"، كانت السنوات الست الماضية، كفيلة بقلبِ موازينِ حياتها، وخيرُ مَن عرّفها معنى "القسوة"، والوحدة والفراق.

لكنها سرعان ما عادت إلى حياتها الطبيعية، وهي تكادُ لا تُصدّق، أنها حُرة بلا قيود، وجهها الذي شحب لونه خلال ستِ سنوات، عادت اليه نضارته وحيويته، وإشراقةٌ مِن الأمل وابتسامةٌ على الوجه، ظلّت حبيسة لسنواتٍ ليست بقليلة، وهي تعزو هذا الفرح، للقاء الأحبة بعد الفراق، ولزياراتِ التضامُن، وشحنات التشجيع التي وصلتها مِن كثيرين أظهروا حبهم الكبير لها، ودعمهم فأطلقوا عليها لقب "المناضلة ورود"، لكنها لم تُشفَ من جراحها بعد، وأعمقُ جرحٍ خلّفه السجن، قالت ورود: "أسرى تركتهم خلفي، يوجعُ القلب فراقهم".

في أقبية التحقيق!
كالأفلام الوثائقية التي تمّ تصويرها، بل أصعب، جاءت ظروف اعتقال ورود، داهمتها قواتٌ مِن الشاباك والشرطة المسلّحة في مكانِ عملها، قال لها "أنا آساف من الشاباك، وأنتِ ستمضين معي إلى التحقيق"، أجابته ورود: "لن آتي معك، أرني أمر الاعتقال"، "لستُ مجبرًا بتسليمك أي شيء، هيا أمامي بسرعة"، قاومته، فضربها، لم تصمت، فتهجم عليها جميع المرافقين، وأمسكوا بها وقيدوا يديها خلفها بسلاسل حديد ودفعوا إلى الأمام.
"أين خزانتك وأغراضك الشخصية؟!"، ردّت "لا أحتفظ بشيء هُنا في مكان عملي"، "أنتِ تكذبين"، "بل أنتَ مَن يكذب"، وصمتت.

"هُناك في كفار سابا، في شهر رمضان المبارك، جروني أمامهم، فتحوا الباب الأول بالخطأ، يحققون مع صديقتي من الطيرة، فأغلقوه سريعًا، فتحوا الباب الثاني، صديقتي من الطيبة، يحققون مع صديقة لي أيضًا. ثم دفعوني إلى غرفةٍ صغيرة، كانت الساعةُ هي الثالثة عصرًا، وفُتح الباب في التاسعة إلا ثلث". مرة أخرى دخلوا الغرفة، استبدلوا القيود بسلاسل كبيرة تمامًا كالأصفاد التي تُستعمل في معتقل غوانتنامو، نظاراتٌ سوداء، لا ترى فيها سوى العتمة، غطوا رأسي بوشاحٍ أسود، أجلسوني، رأيتُ قليلاً مِن خلف النظارة، فوقي جهازٌ لا أعرف ما سرُ وجوده، وحدي في الغرفة الصغيرة لا تتجاوز المتر المربع، أمضيتُ ساعتين، بعد أن فتشوني تفتيشًا عاريًا"، ومرة أخرى فتحوا الباب عليْ، أخذوني إلى التحقيق لأمضي 73 ساعة متواصلة، قال أحدهم: "ساعة واحدة من السابعة وحتى الثامنة، ثم تعودين إلى التحقيق".  أخذوني إلى غرفةٍ تحت الأرض، كالمقابر تمامًا، زجوني داخل الغرفة بالقوة، كانت هُناك "عصفورة"، بادرت إلى سرد قصة معاناتها وظروف اعتقالها، ثم سألت: "وما هي حكايتك"، "ليس لديّ حكاية، وأريد أن أنام لمدة ساعة، لأنني مرهقة"، فتحوا الباب وأخرجوها، ولم أرَ وجهها بعد ذلك، لكنّنا "الأسيرات" جميعًا، سمعنا حكايتها، فقد حكتها للجميع".

"رحلة السجن لم تكُن ممتعة، بل على العكسِ تمامًا، كانت رحلة ذُلٍ وإهانة، وقسوة ما بعدها قسوة. يستطيع الأسرى خلال سجنهم أن يحولوها إلى ساعاتٍ مِن التجربة الغنية والمفيدة، فالسجنُ أيضًا مدرسة، تجاربها الصعبة تعلمك درسًا آخر في الحياة، ومِن هُنا يأتي سِرُ تحملها، بحلوها ومرها".
-ما الحلو والمر فيها؟! سألتها.

"الحلوُ في السجن أننا نُصبح أسرة واحدة، نُشارك بعضنا بعضًا في همومنا ومتاعبنا، وفي ذكرياتنا العائلية، وفي أفراحنا وأعياد ميلادنا، فعيدُ ميلادي الأخير في 20 من حزيران الماضي، حكيتُ لرفيقات دربي في الأسر، اشتياقي العميق للعائلة، فبعد "وفاء الأحرار"، الذي تمّ الافراج خلاله عن 27 أسيرة، تمّ تحرير أخريات بصورة انفرادية، وبقيت 6 أسيرات".

"كُنا نعيشُ معًا وفق برنامج يوميٍ منظّم، يتخلله صلوات، ومُشاركة في تجهيز الطعام وتناوله، وممارسة الرياضة، والقراءة، وجلساتٌ مِن النقاشات الثقافية والأحاديث المسلية".

"اما المُر في الاعتقال، أنه حرمني مِن أسرتي، من رؤية والديْ، من الاطمئنان عليهم، خاصة فترة مرضي، كنتُ اشتاقُ لأشقائي الثلاثة وشقيقتي وصديقاتي رفيقات دربي، الذين حُرمت منهن قسرًا".

"وفي السجن الحياةُ ليست عادية، إلا عندما نقنع أنفسنا أننا سنحياها بما فيها مِن مرارة، وأسوأ ما فيها مِن تجارب تمرُ على الأسيرات الأمنيات، السعي لخلطنا بالسجينات الجنائيات، اللواتي أبسط ما يُقال عنهن أنهن بلا أخلاق، كُنّ يتصرفن بطريقة همجية، ويشتمن ويصرخن ولا يتركننا نحنُ الأمنيات، ننام أبدًا".

"ومِن سجن الرملة، السيء إلى الشارون ثم إلى الدامون تنقلتُ خلال فترة اعتقالي، وعلى أسِرّة كالباطون المصبوب أو الحديد نمتُ تعبًا، وحين مرضتُ أعطوني كالمعتاد حبة "أكامول"، لا تشفي ولا تنفع، ثم تدهورت صحتي بسبب التهابٍ حادِ، تطوّر إلى الرئة، تناقص وزني بصورة واضحة، وتبعه وجعٌ أسنانٍ حاد، وحين انهرتُ تماماً نقلوني الى المستشفى، وعلى السرير مكثتُ فترة وأنا مكبلة بالسلاسل في اليدين والرجلين، ولا أنهض الا بإذنٍ مِن مدير السجن".

تقول ورود: "فوجئت أسرتي بنبأ استشهادي، الذي انتشر خلال فترة مرضي، ما سبب لي الخوف والقلق الشديد عليهم، فطمأنهم المحامي أنني بحالةِ جيدة، فكان عليّ أن أعود إلى الهدوء، بعد استرداد عافيتي".

وحين قرر الأسرى الإضراب عن الطعام، عوقبت ورود وسائر الأسرى من قبل إدارة السجن، بحرمانهم من زيارات الأهل مدة شهرين، لكنّ صمود الأسرى أفشل جميع الخطط.

صفقة وفاء الأحرار!
كانت كُل الأحاديث التي صرّح بِها المسؤولون في سجن الدامون، أمام السجينات الأمنيات وعددهن 37 أسيرة، وبينهن ورود أنهن جميعًا سيُطلق سراحهن يوم 18 تشرين الأول 2011، وحين جاءَ موعدُ التنفيذ، كانت ورود في غرفة العزل في كيشون، وتحيطها الكاميرات مِن كل صوب، قرأوا الأسماء ولم تكن ورود بينهن، كانت فرحتها كبير حين سمعت أنّ الأسيرة الأمنية دعاء الجيوسي المحكومة بثلاث مؤبدات ستكون بينهن، لكنّ لطمة على الوجه جاءتها سريعًا عندما لم تكن بينهن، فانهارت وسقطت أرضًا، ثم قاومت أوجاعها، لتبارك للرفيقات الأسيرات نبأ الافراج عنهن.

"لم أستوعِب ولم أتقبل ما جرى، شعرتُ أننا "أسيرات الداخل"، أسيء إلينا، وظُلمنا، كانت الصفقة منقوصة، فقد حُدد عدد الأسيرات إلى 27 أسيرة فلسطينية، ويبدو أنّ اسرائيل، استغلت نقطة ضعفٍ في الصفقة، لتستثني الأسيرات الفلسطينيات من الداخل، بذريعة "الهوية الإسرائيلية" التي يحملنها".

"رغم سعادتي بتحرير عددٍ كبير من الأسرى بينهن رفيقاتي في السجن، لكنني كنتُ أتمنى على الله أن يكون التحريرُ شاملاً غير منقوص، وكم كانت ستكون فرحتي غامرة، لو أنّ صديقتي الأسيرة لينا الجربوني تحررت أيضًا مِن ذُل الأسر".

خارج قيود السجن!
تعود ورود إلى نمط حياتها العادي رويدًا رويدًا، خاصةً أنها خرجت في شهر رمضان الذي التصقت خلاله بعائلتها طوال هذه الفترة، باستثناء زيارة المهنئين بالإفراجِ عنها، ومِن فرط سعادتها شاركت بمسيرة عيد الفطر المبارك، صبيحة العيد، لكنها عادت الى البيت حزينة باكية، خلال التكبير والدعاء إلى الخالق، لم تذكر الأسيرات الأمنيات بأيِ دعاء، "فحزّ" في قلبِ ورود أن تُنسى هؤلاء الأسيرات اللواتي يضحين بأنفسهن فداءً للوطن ولأهله.

ومنذ فُكت قيود ورود تشتاق ورود لرفيقاتها اللواتي فارقتهن ولم يزلن يطقن إلى نورِ الشمس، بعيدًا عن السجن والسجانين.

"تركتُ خلفي في السجن أسرى لا يزالون يُضربون عن الطعام ويحرمون أنفسهم مِن كل شيء، مِن أجلِ الحرية والكرامة ".

"لكنني ما حييتُ لا أنسى أبدًا موقفين أثرا بي عميقًا، أحدهما  أنني من شباك غرفتي في السجن لمحتُ عددًا من الضباط يحيطون بأسيرٍ فلسطيني، ويضربون بأيديهم وبأرجلهم وبالعصي، والدمُ يسيلُ مِن جسده، فصرتُ أضرب بيدي على الباب، كي يتركوه، لكنني حينها شعرتُ أنني ضعيفة، لا أقوى على فعلِ شيء، لابن شعبي. أما الموقف الثاني فهو سقوط رفيقتي لينا الجربوني على الأرض وإبقائها مدة 12 ساعة وهي تتلوى من شدة الألم، ولا أحد من المسؤولين في السجن يقدم لها أية مساعدة، وفقط حينما خافوا مِن تهديداتنا نقلوها إلى المستشفى".

- وماذا بعد السجن؟! ومرارة التجربة؟! سألتُ ورود.
"خرجتُ أقوى بكثير، كنتُ لا أتجاوز العشرين عامًا، اليوم زدتُ ثقة بالنفسِ وحُبِ الحياة. سأذهب إلى التعليم والثقافة، وسأحارب مِن أجلِ نيلِ شهادتي لو حاول أحدهم ثنيي عن تحصيلي العلمي، أنا الآن في نضالٍ مستميت، مِن أجلِ شعبي، فالعلم والثقافة أيضًا سلاحٌ يغيرُ واقعًا بأفضل منه".
"ولأنّ عائلتي تساندني في الخيرِ دومًا، فأنا مطمئنة، أنّ كل شيءٍ سيكون على ما يُرام، سأكون نشيطة في مجتمعي، ولعلّي أجدُ مكانًا بارزًا بين أبناء شعبي".

وقبل أن نستودعها ذكرتني ورود: "الحمدُ لله أنّ أبناء مجتمعي لم ولن يتركوني، طوال الوقتِ معي ويدعموني، رغم أنّ قلة يتخوفون مِن الأسير، لكنّنا بشرٌ ومِن حقنا أن نعيش كسوانا بعد سنواتٍ أمضيناها في ظل عذاب السجن، نحتاجُ إلى التشجيع والاحتضان، والأسرى في السجون كذلك يحتاجون لمن يتذكرهم ويهتم بهم، وعلى قادتنا أن يستوعبون حاجة الأسير والمُفرج عنهم إلى الدعم المستمر".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018