والدة الأسير كريم يونس: 31 عامًا من الفراق بانتظار الفَرَج القريب!

والدة الأسير كريم يونس: 31 عامًا من الفراق بانتظار الفَرَج القريب!

في بيتها في بلدة عارة التقيتُها، للمرةِ الثانية، المرة الأولى كانت قبل عدة سنوات برفقة المرحوم والده أبي كريم، في بيتها، يومها كانت أكثر شبابًا، لم تكُن خطوط التعب ظاهرة على محياها، كما رأيتُها اليوم، اليوم بدت حزينة رغم ابتسامتها، وهي التي لم تَعُد تُطيق فراق ابنها كريم عنها، ولو ليومٍ آخر. وبما أنها تَعرف أنّها لا تستطيع أن تُغيّر شيئًا مِن واقِعها وواقع ابنها الغائب عنها، قرّرت أن تحتمل غصبًا عنها، تأجيل لقائه ريثما يحينُ الوقت الذي يفتح السجّان باب المعتقل أمام عميد الأسرى الأسير كريم يونس.

وللإطمئنان على صحة الحاجة صبحية يونس، سألتها كيف تمضي وقتها في البيت فقالت:  "مؤخرًا كنت في المستشفى وخرجتُ بعد استئصال إحدى الكليَتين، كما أنني أجريتُ عملية جراحية في رجلي، لوقف الالتهاب في ساقي، ومِن ثم وُضعت مادة البلاتين لتثبيت وضع القدم. فصِرتُ قليلة الحركة، ولا أخرج من البيت إلا لفحصٍ في عيادة صندوق المرضى، أما لاضطراري للمشاركة في مناسبة عائلية، وفي البيت أستندتُ إلى عصًا أتكأ عليها لتسهيل تحركي في البيت".

● متى كانت زيارتك الأخيرة لكريم؟
"أمسِ الثلاثاء (13 آب) زاره كلٌ من شقيقه وشقيقته، ورفضا مرافقتي لهما، وأكدّا أنّ كريم لن يعتب عليْ فهو يعرف حالتي الصحية، ولن يُلِح بالسؤال عن سبب غيابي، لكنني والله أشتاقُ إليه، لم ألتقيه منذ شهرٍ، صرتُ أستصعِب الخروج من بيتي دون كرسيٍ متحرك، كما أنّ الدرب إلى سجن هدريم بعيد (على طريق نتانيا)، وتتعبني نقطة التفتيش عند الدخول إلى السجن، رغم أنّ الحراس باتوا يعرفونني ولا يدققون كثيرًا في التفاصيل، فوجهي مألوفٌ وحرصي على رؤية ابني، حال دون حدوث أي خطأ سيكون سببه حرماني من رؤية ابني".

● وكيف كان اللقاء؟!
"تبادلنا الأحاديث المختلفة،قرأتُ عليه السلامات المُقدّمة من أفراد العائلة والأقرباء، ويومها طمأنني بقرب تحرره من أسره: "ان شاء الله عن قريب بروّح"، بكيتُ أمامه اشتياقًا وأملاً بقرب عودته، فأضاف:"تعيطيش يا أمي، إن شاء الله عن قريب بطلّع من هون"، آهٍ لخفقات قلبي بانتظاره... صدقيني أنه لم يغب عن بالي يومًا، كيف أسهو عنه وهو أعزُ الرجال، بِكرُ أبنائي، وأغلاهم عليّ، والقيود في معصميه زوّدت حبي له، شيئًا قويًا زادني تعلقًا به، 31 عامًا من الإنتظار والحُرقة على الفراق، وصورته المعلقة أمامي ورائحة عطره، وسحنته البهية، ووقعُ خطواته، وصوته الهادئ الرصين، كل هذه الصِفات، جعلت قلبي يكتوي بنارِ الفراق".

تقول الوالدة صبحية يونس: 31 عامًا مِن المرار، و31 عامًا مِن الأعياد التي لم أفرح فيها، كل ذلك سأنساه لحظة الإفراج عن كريم، فنحنُ أهلُ الأسرى وُعدنا بقرب خروج أبنائنا، خاصةً ذوي الأحكام العالية، كما سمعنا مِن المسؤولين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر وسائل الإعلام تأكيدات بخروج الأسرى على دفعات، كانت الدفعة الأولى الثلاثاء الماضي 13.8.13، وسيكون آخرها بعد ثمانية أشهر. لقد اتصلتُ بنفسي لأسأل بعض الأطراف عن احتمال خروج أسرانا، فأكدّ الجميع أنّ كريم من أهم الأسماء التي سيتم الإفراج عنها، وآمل من الله تعالى أن يتم ذلك في أسرع وقت، "ويا رب" يتحقق حلم جميع الأمهات والأهل والأشقاء والشقيقات بخروج أحبائهم من السجون".

توقفت أم كريم عن حديثه، وابتسمت لصورة كريم المعلقة على الحائط:  "آخر مرة رأيته فيها كان متفائلاً بخروج الأسرى من سجونهم، كانت معنوياته عالية، ولا غرابة في شخصيته القوية فهو دائمًا يحاول التأكيد أنه في أحسن حال، ولا ينقصه شيء، سوى رؤية العائلة. وهو محبوبٌ بين رفاقه الأسرى فهو "عميد الأسرى" قائدهم، وممثلهم أمام إدارة السجون، وبمقدروه التأثير على السجانين، من أجلِ مصلحة الأسرى في الداخل، وحقوقهم الأساسية في استقبال احتياجاتهم التي تصلهم من عائلاتهم".

ظروف اعتقاله!

تقول والدته: "يومَ اعتقلوه، كان طالبًا في جامعة بن غوريون بئر السبع، درسَ هندسة الماكنات، وفي السادس من كانون الثاني عام 1983، طرقوا باب بيتنا بعنف، وأبعدوا زوجي عن طريقهم، وفتشوا البيت بمرافقة 20 مركبة وكمية هائلة من الجيش المسلّح، ولمّا لم يجدوه، اعتقلوا ابن عمه ماهر، المتهم في نفس القضية. وفي اليوم التالي ألقوا القبض على كريم أمام زملائه في الجامعة، بتهمة قتل جندي اسرائيلي، تركوه في العراء في ليلةٍ شتوية ماطرة ومثلجة، كما أذاقوه الأمريْن أثناء التحقيق معه، وأنا فقدتُ عقلي في البداية، أضربتُ عن الطعام والشراب، وسجنتُ نفسي في غرفتي طوال الوقت، بينما حُرمَت ابنتي من استكمال دراسة الطب في ايطاليا، بعد سنتين، لكنها لاحقًا حصلت على شهادة ممرضة مؤهلة، واستقرت مع عائلتها في أم الفحم. أما زوجي رحمه الله – رحمه الله- فقد فُصل من عمله، بعد اعتقال كريم، بينما عملت إدارة السجون على مضايقة كريم طوال الوقت ونقله من سجنٍ إلى آخر: بدءًا من عارة، فالخضيرة، الجلمة، كفار يونا، الرملة، عسقلان، نفحة، بئر السبع، الشارون، مجدو، هدريم".

تقول ام كريم: "لا يكفي أنهم حرموني منه، وهو البِكر وتركوا العائلة تتلوّع عليه، بل إنهم يحددون زياراتنا، وكعادتهم لا يرضوْن بزيارات أهله من الدرجة الثانية، لكنّ الحمد لله أنّ شقيقه حكيم محامٍ، ويُسمح له بزيارته في سجنه، ويستطيع أن يمضي وقتًا لا يزيد عن الثلاث ساعات، كنتُ أتمنى أن أكون مكانه، فأحتضن ابني ليطمئن قلبي عليه".

أم كريم: أخشى أن أفقد وعيي لحظة لقائه!
تبتسم أم كريم وهي تحدثني عن اللقاء الوحيد الذي سُمح لها فيه باحتضان ابنها: "هي المرة الوحيدة التي سمحت لنا إدارة السجون لقاء كريم، كان ذلك قبل بضعِ سنوات، عندما كنتُ أنا ووالده معًا في زيارته، وفوجئنا بالسماح لجميع الأهالي بالتقاط صورٍ تذكارية مع أبنائهم، يومها كان احتضاني له شديدًا، تمنيتُ لو يدوم أياما وأياما". ودون مقاطعة مني تحدثت عن كريم: "ابني مثقف جدًا، وذكي، وقد أصدرت سلسلة من الكتب في سجنه، من بين مؤلفاته:  "الواقع السياسي في إسرائيل"،"الصراع الأيديولوجي والتسوية"، وكتاباْن صدرا حديثًا. رغم قسوة الحياة التي حرمته من دراسته الجامعية، حيثُ درس هندسة الميكانيكيات، وفي سجنه درس العلاقات الدولية والعلوم السياسية، لكنّ الإدارة حالت دون نيل استكمال الدراسة ونيل الشهادة".

6 كانون الثاني: كريم ووالده يفارقان الحاجة صبحية!
عن وفاة زوجها قالت الحاجة صبحية:"توفي والد كريم رحمه الله في السادس من كانون الثاني، مطلع هذا العام، وهو نفس التاريخ الذي اعتُقل فيه كريم عام 1983، تاريخ لا يُمحى من ذاكرتي، مطبوعٌ في القلبِ مرتين، مرةٍ رحل فيهما أعزُ أعزائي."

تابعت: "لم نتصل بكريم يوم رحيل والده، لكنّه عرف بوفاته مِن رفيق دربه في السجن المناضل مروان البرغوثي، وهو أول من عزاه لحظة سماعه الخبر عبر المذياع، وقد بكى طويلاً لأنه لم يستطع رؤية والده ووداعه قبل دفنه، وفي الذكرى الأربعين لوفاة الحاج يونس، توجهنا للمحكمة مطالبين بخروجٍ استثنائي للمشاركة في إحياء ذكرى والده، لكنّ القاضية يومها ردّت الدعوة، مستندةً إلى أنّ كريم شخصية اعتبارية وشعبية، فهو عميد الأسرى، وبيته على الشارع الرئيسي في منطقة المثلث، وإذا ما سُمح له بالخروج من سجنه، فإنّ مظاهر من التجمهر والاحتواء ستؤدي إلى خلق فوضى في المنطقة، جاءَ الرفضُ صافعًا لنا".

قالت أم كريم: "أتعرفين؟ كثيرون يستهجنون تعلقي الشديد بابني، وحزني عليه، يسألونني لِما كل هذا الحزن على فراق ابنك، بينما غيرك من عائلات الأسرى يمارسون حياتهم الطبيعية، كما لو أنّ أبناءهم طلقاء، فأجيبهم: "البشر غير متشابهين، وأنا أحبُ ابني ومتعلقة به بشدة، عاطفتي قوية،  فلماذا تنظرون إليّ أنني غير طبيعية".

● كيف ستستقبلين كريم، حين يعود إليكِ؟!
"إنها لحظاتٌ تساوي دهرًا من الصبر وطول الانتظار، أتشوق للحظة رؤياه عند عتبة البيت، يدخُل إليّ فيحتضنني وأقبّله طويلاً، لكنني أخشى أن أفقد الوعي، أخشى ألا أستطيع الحراك من هول الصدمة، أو.. ربما سأطير فرحًا، سأشفى من أمراضي وأسير على رجليْ، كما يتمنى كريم، الله أعلم لحظتها كيف سأتصرَف؟! قد لا أعرفك، ولا انتبه لوجودك.. وسأبكي كثيرًا وأحضنه أكثر، بعمرِ السنين التي حرمُت فيها من قطعة قلبي كريم". وماذا بعد ذلك؟ ردّت: "سأزوجه، بعد أن يعود إلى حياته العادية، أنظري إلى صورته، أصبح عجوزًا (قالتها بمزاح)، دخلَ السجن شابًا، وسيخرج شائب الرأس".

تضيف ام كريم: "في كلِ مرّةٍ كان يتزوج فيها أحد الأشقاء، كنتُ أشعرُ بغصة في القلبِ، لكنني أضطرُ لحبس دموعي عميقًا في الصدر، حتى لا يشعرُ بي العريس، فأفسد عليه فرحته، كذلك في الأعياد التي تتحول دون إرادة مني من فرحةٍ إلى بكاءٍ على الغائب، وكأنني أقول بأعلى صوتي:
"حكم علينا الزمان تبكي عنينا   
على فراق حباب غاليين علينا"

وتسأل نفسها: "شو ضل مِن العمر يا كريم؟! راح العمر، أسأل الله أن أحتفل معه في الرابع والعشرين من كانون أول القريب بعيد ميلاده الـ 62، ابني تعذب في سجنه، دفع حياته ثمنًا غير نادم، بل هو بطل في زمنٍ قاسٍ، ونحنُ جميعًا والده وأشقاؤه وشقيقاته، دفعنا ثمنًا باهظًا هو الاشتياق والقلق والتحقيقات المستمرة، ناهيك عن الثمن المادي الذي يكسر الظهر، تجاوز العشرين ألف دولار بكثير، لكننا غير آسفين على ما دفعناه لقاء حماية ابننا والإطمئنان عليه، وها نحنُ ندنو مِن الفرحة وعيوننا على الأشهرِ القليلة القادمة، لنطوي صفحة الماضي القاسية، ونحيا باطمئنان ونفرح بعريسنا البطل، عميد الأسرى كريم".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018