لقاء | بين "إبادة المكان" في فلسطين و"إبادة السكان" في أميركا

لقاء | بين "إبادة المكان" في فلسطين و"إبادة السكان" في أميركا
من الهدم في النقب (أ ب)

د. وليد سالم:

  • "إبادة المكان" التي مارستها الصهيونية لا تقل وحشية عن "إبادة السكان" في أميركا  
  • كلما ازدادت "ديمقراطية المستوطنين" تجاه إثنيّتها ازدادت إجرامًا ضد الإثنيات الأخرى
  • المشروع الاستيطاني الاستعماري لا يتوقف بإقامة دولة، بل يتحوّل إلى دولة استيطانية استعمارية
  • المشروع انتصر في أميركا وتحوّل في جنوب أفريقيا وانتهى إلى إدارة نزاع في أيرلندا الشمالية

"ديمقراطية المستوطنين" هو الاسم الذي أطلقه عالم الاجتماع التاريخي، مايكل مان، على الديمقراطية الإثنية القائمة على التمييز بين إثنية عليا تتبنى الدولة قوميتها وهويتها، وبين إثنيّات أدنى يتم التعامل مع مكوناتها على أنهّا أفراد لا يستحقون أكثر من حقوق دينية ومدنية ويحرمون من الحقوق المدنية والسياسية.

وبعكس الديمقراطية القائمة على المساواة بين كل مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم القومية والدينية والجنسية، فإنّ ديمقراطية المستوطنين تتسم بالإجرام ضد الإثنيات الأخرى، ضمن علاقة طردية مع ديمقراطيتها لإثنيتها، أي أنه كلما زادت واتسعت ديمقراطيتها لإثنيتها الحاكمة، كلما اتسعت إجراميتها ضد الإثنيات الأخرى، وبهذا تصبح لا ديمقراطية، ولا تساوي بين كل مواطنيها.

د. وليد سالم
د. وليد سالم

د. وليد سالم، الذي بحث في إطار رسالته الدكتوراه قضية "الإقصاء والاشتمال ضمن المشروع الاستيطاني الاستعماري" بالاستناد إلى أربع حالات هي أيرلندا وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة وفلسطين، استند إلى نظرية العالم المذكور التي طبقها على دول استيطانية استعمارية عديدة، من ضمنها الولايات المتحدة وإسرائيل، مشيرًا إلى أن هاتين الدولتين قد خلقتا ديمقراطيّتين إثنيّتين للأغلبية، الأولى بعد ممارسة الإبادة ضد السكّان الأصليّين، والثانية بعد ممارسة مزيج من ممارسات الإبادة والتطهير العرقي داخل الوطن وخارجه، والحرمان من المواطنة كآليات استئصالية للشعب الفلسطيني.

وفي سياق معارضته للمدعين بتحول المشروع الاستيطاني الاستعماري بعد إقامة دولته إلى دولة عادية وتحول المستوطنين إلى سكان عاديين، وهو ادّعاءٌ رائج، يثبت الباحث أن أميركا وإسرائيل تسعيان بشراهة للاستحواذ على الأرض، واقتلاع الآخر منها، حيت استولت أميركا على 529 ألف ميل مربع من المكسيك عام 1848 وعلى ولاية تكساس، واستولت عام 1867 على ألاسكا من روسيا، كما احتلت جزيرة هاواي عام 1897، وبورتوريكو عام 1898.

أما إسرائيل، فقد احتلت عام 1967 ما تبقى من فلسطين وأراض عربية أخرى، وتسعى اليوم للحصول على المباركة الأميركية الكاملة لضم هضبة الجولان، بعد أن حصلت مؤخرا على تلك المباركة لضمها للقدس الشرقية عام 1967، وتريد استكمال ذلك بضم الضفة الغربية أو الأجزاء الكبرى منها، عبر مشاريع قوانين مطروحة في الكنيست هذه الأيّام.

كما أن كلتيهما في حالة حرب دائمة، تسعيان للتوسع وتمارسان التهديد، وتعتديان خارج حدودهما، كغارات إسرائيل على سورية والعراق، وعدوانها المتكرر ضد لبنان وغزة، وتهديداتها لإيران، بينما تمارس أميركا سلوكها الإمبراطوري كحاكم للعالم وشنت حروبا ضد فيتنام وأفغانستان والعراق وغيرها.

حول سياسات الاقصاء والاشتمال في المشروع الاستيطاني الاستعماري ودولة المستوطنين وديمقراطيتها كان هذا الحوار.

عرب 48: قارنت في إطار بحثك، كما فهمنا، المشروع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين مع ثلاث حالات أخرى هي الولايات المتحدة الأميركية وأيرلندا وجنوب أفريقيا.

سالم: مناقشتي شملت سياسات الإقصاء والاشتمال للمشروع الاستيطاني الاستعماري في الحالات المذكورة، بالنظر إلى تفاوت مدى نجاح هذا المشروع بين حالة وأخرى، حيث نجح في الولايات المتحدة بشكل كامل، بينما تحول في الحالة الجنوب أفريقية وانتهى إلى حالة إدارة صراع في أيرلندا، أما في حالتنا، فكما قال بروفيسور نديم روحانا، المشروع الصهيوني لم ينجح ولم ينهزم بعد.

واستنادًا إلى مقولة باتريك وولف، فإنّ كل مشروع استيطاني استعماري له منطق استئصالي. وفي حالتنا نحن الفلسطينيين، فإنّ المنطق الاستئصالي ارتبط بالمنطق الاقتلاعي الإحلالي، وبيّنت الدراسة أن الاستئصال يأخذ أشكالا مختلفة، حيث أخذ في حالة اللاجئين شكل الاقتلاع والإحلال خارج الوطن، بينما أخذ في حالة من تبقوا في أراضي الـ48 شكل التهميش، والتهميش مقصود فيه استئصال هويتك الوطنية.

صحيح أنّك بقيت في وطنك، ولكن غير مسموح لك أنّ تعبر عن هويتك الوطنية من خلال إطار جماعي يمثّلها، وبالتالي استئصِل حقّك في تقرير المصير وتشكيل كيانية خاصة بك من خلال دولة، استئصل حقك في اقتصاد مستقل وحقك بإطار قانوني مستقل ومجتمع منفصل. وبالتالي، فإنّ كل حقوقك الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تم استئصالها.

وفي حالة الضفة الغربيّة، تم الاستئصال من خلال خلع الهوية الوطنية واعتبار السكان مقيمين، فالتعريف الإسرائيلي قبل أوسلو كان يعتبر الناس مواطنين أردنيين يقيمون في أراض تديرها إسرائيل، وبعد أوسلو صاروا فلسطينيين يقيمون في أراض متنازع عليها، بينما بقي سكان القدس أردنيين يقيمون في أرض إسرائيل، لأن دولة الاحتلال ضمت الأرض ولم تضم السكان كما أن اتفاقيات أوسلو لا تسري عليهم.

نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا (أ ب)
نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا (أ ب)

عرب 48: وماذا بالنسبة لقطاع غزة؟

سالم: غزة هي حصار الباقين، لأنّه جرت مصادرة/ احتلال 97% من أراضيها عام 1948، فحتى بداية الأربعينيّات من القرن الماضي، كانت هناك منطقة تدعى لواء بئر السبع، وكانت تضمّ قضائي غزة وبئر السبع، وفي الأربعينيّات تحول إلى لواء غزة وظل يضم قضاء بئر السبع وقضاء غزة وقد جرى احتلال 97% من مساحة أراضيه عام 1948، وتبقى للغزيين شريط صغير يشكل 3% فقط من مساحة اللواء.

بمعنى أن قطاع غزة هذا، الذي يقولون للفلسطينيين اليوم إذا أردتم دولة فلتقيموها هناك، هو عمليا 3% فقط من مساحة لواء غزة، الذي كان قائما قبل العام 1948، علما أنّه في الـ 3% تلك لن تكون دولة بل حصار وسيطرة إسرائيلية كاملة من الخارج على ما يجري داخل قطاع غزة.

وبالتالي، فإنّ ما يجري في غزة هو وسيلة من وسائل سيطرة المشروع الاستيطاني الاستعماري، الذي يترك لك مساحة محدودة جدا من الأرض ولكنها، أيضًا، تحت سيطرته الكاملة وهو الذي يقرر ما يجري بداخلها على جميع الصعد.

ما فعله المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني هو أنّه قسّم وشرذم الشعب الفلسطيني إلى أجزاء مختلفة، ومارس تجاه كل قسم سياسةً مختلفةً، ضمن السيطرة الكاملة على الأرض.

عرب 48: لكن مقارنةً مع الاستيطان الاستعماري في أميركا، يقال إن الصهيونية لم تمارس "إبادة شعب"؟

سالم: لقد ناقشت هذا الموضوع في رسالتي حيث بدأت بالتعبير الذي استعمله نديم روحانا، "الاستئصال الديمغرافي" ولكن حتى لا يبدو الاستئصال الديمغرافي وكأنه لا يشمل أمورًا أخرى، قلت إنّ الاستئصال الديمغرافي أخذ الشكل الذي أطلق عليه ساري حنفي "إبادة المكان"، وهو نموذج لا يقل إجرامية عن إبادة الشعب.

فالاستيطان الاستعماري الصهيوني دمر 479 قرية فلسطينية عام 1948، في إطار عملية إبادة كاملة للمكان، جرى خلالها تدمير وسائل العيش ومصادرة الأرض وتهجير السكان إلى خارج البلاد وتحويل بعضهم إلى مهجرين داخلها.

هي عملية تدمير كامل للمكان وإنشاء مكان بديل محله، وماذا أقسى على الإنسان من أن تأخذ بلاده وتحولها إلى بلاد أخرى؟ وبالتالي، فإنّ الفارق بين أميركا وإسرائيل ليس كبيرا.

عرب 48: ولكن إسرائيل لم تنشئ نظام أبرتهايد على غرار جنوب أفريقيا؟

سالم: في جنوب أفريقيا من سنة 1652 وحتى سنة 1910 كان نظام استعماري استيطاني ولم يكن نظام أبرتهايد، وابتداءً من عام 1910 بدأ يتحول بشكل تدريجي إلى نظام أبرتهايد، إلى أن تكرس على هذه الحال عام 1948.

العامل الأساس في جنوب أفريقيا هو أنّ المستوطنين هناك، بخلاف فلسطين، استخدموا العمالة السوداء، وبالتالي فإنّ النظام الاقتصادي الذي أنشأه المستوطنون المستعمرون اعتمد على العمالة المحلية ولأنهم كانوا أقليّة، قاموا بإنشاء نظام فصل عنصري لتكريس تفوق الأقلية البيضاء.

العنصرية ضدّ السود في الولايات المتحدة (أ ب)
العنصرية ضدّ السود في الولايات المتحدة (أ ب)

ويعزو الكثير من الباحثين فشل نموذج الاستيطان الاستعماري في جنوب أفريقيا إلى الاعتماد على الأيدي العاملة المحليّة، في حين أنّ الاستيطان الصهيوني اعتمد على العمل العبري أساسًا، وعلى المستوطنة العرقية الخالصة، إلى جانب نظام المزارعة الذي هو عبارة عن مشاركة الأيدي العاملة المحلية لفترة محدودة، مع الإبقاء على نوع من الفصل العرقي بينها وبين المستوطنين، في المقابل، نرى أنّهم في أميركا استغنوا عن الهنود الحمر وجلبوا مكانهم السود من أفريقيا.

عرب 48: في أيرلندا تحدثت عن أن الاستيطان الاستعماري انتهى إلى حالة إدارة صراع، وهي حالة شبيهة إلى حد ما بالحالة الفلسطينيّة حيث لم يحسم الصراع بعد؟

سالم: الاستيطان الاستعماري في أيرلندا بدأ في عهد النورمانديين عام 1167، حيث تم استيطان مناطق محدودة من أيرلندا، في حينها كانت بريطانيا ما زالت كاثوليكية، وفي القرن السادس عشر، بعد أن تحولت إلى بروتستانتية، بدأت إقامة مزارع وانتزاع الأرض حتى من الإنجليز الكاثوليك، حيث أقيمت على هذا النحو ست مقاطعات ذات أغلبية بروتستانتية.

وفي عام 1921، قامت بريطانيا بفصل تلك المقاطعات الست التي كانت تسمى إقليم "أولستر"  عن أيرلندا، وأصبحت تسمى أيرلندا الشمالية، بعد أن نالت أيرلندا استقلالها في تلك السنة، وبقيت تحكم أيرلندا الشمالية حتى نهاية السبعينيات، بعدها أصبحت مشاركة في الحكم من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يمثل البروتستانت والكاثوليك معًا، حيث استمر الوضع على هذه الحال حتى توقيع اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998، والذي نص على تقاسم السلطة من خلال تشكيل مجلس نيابي مشترك وحكومة مشتركة، ولكن بقيت بريطانيا تسيطر على شؤون الدفاع والأمن الخارجي، ولذلك اسميه إدارة نزاع.

عرب 48: وإن كان المشروع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين أقرب إلى حالة الولايات المتحدة الأميركية من ناحية جذوره وتكوينه، فإنّه يراوح من حيث مآله ونهاياته بين النموذج الأيرلندي الذي تريده إسرائيل، بمعنى حكم ذاتي تحت الهيمنة الإسرائيلية وبين النموذج الجنوب أفريقي، الذي أنهى تفوق الأغلبية البيضاء وأقام نظامًا ديمقراطيًا؟

سالم: واضح أنّ هناك صيغتين بعد تحييد ما عرف بحل الدولتين، الأولى هي الصيغة القديمة المعروفة والتي تقوم على التحرير الشامل وإقامة دولة اشتراكية ديمقراطية كما تقول الجبهة الشعبية أو علمانية ديمقراطية، كما كان يريد ياسر عرفات، والصيغة الثانية هي الاعتراف بحق تقرير المصير للطرفين على كل البلاد.

الصيغة الثانية لها عدة وجوه، منها الدولة ثنائية القومية التي يكمن عيبها في أنّها تقوم على فكرة الاعتراف بالصهيونية، بمعنى وجود شعبين لهما حق تقرير المصير، ولذلك، أفضل من جهتي أن أعود لفكرة نديم روحانا، التي تقوم على دولة لكل مواطنيها على كل فلسطين بعد التخلص من الصهيونية.

ولكن، حتى لو أيّد بعض الفلسطينيين الطرح الذي يقول بحق تقرير المصير للطرفين، بما يعني الاعتراف بالصهيونية، فلماذا نقدّم هذا التنازل مسبقا وبشكل مجاني، فنيلسون مانديلا اعترف بحقوق البيض في جنوب أفريقيا، بعد أن تنازلوا عن نظام الأبرتهايد، فكان الاعتراف بحقوق البيض في المواطنة بجنوب أفريقيا هو الثمن الذي دفعه السود مقابل تفكيك نظام الأبرتهايد، فلماذا يصر البعض عندنا على دفع الثمن مقدما؟


وليد سالم: حاصل على دكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة الشرق الأدنى/ شماليّ قبرص عام 2019، حيث قدّم رسالة تحت عنوان "من المؤهل للبقاء: سياسات الإقصاء والاشتمال في المشروع الاستيطاني الاستعماري: حالة فلسطين"، له العديد من الكتب والمؤلفات وعشرات المقالات بالعربية والإنجليزية حول قضايا اللاجئين والقدس والديمقراطية وحل النزاعات، ومدير مركز الديمقراطية وتنمية المجتمع في القدس.