د. صالح نجيدات: مكافحة الجريمة لا تقتصر على العقاب بل تمتد لتجفيف منابعها

د. صالح نجيدات: مكافحة الجريمة لا تقتصر على العقاب بل تمتد لتجفيف منابعها
من مظاهرة مجد الكروم (رشوان حمدان)

 د. صالح نجيدات:

  • مكافحة الجريمة لا تقتصر على العقاب بل تجفيف منابعها الاجتماعية- الاقتصادية
  • انهيار منظومة القيم جعلت مجتمعنا مكشوفًا أمام كل المظاهر الدخيلة
  • مطلوب تضافر جهود التربية والتعليم والأذرع التربوية والاجتماعية في المجالس
  • لإعداد مسح شامل في كل بلدة وأخرى ومعالجة الظاهرة قبل تفاقمها

توّجَت واقعة مجد الكروم النكراء مسلسل الجريمة والعنف الدموي الذي يغرق فيه مجتمعنا العربي منذ سنوات، حيث ناهز عدد القتلى الذين سقطوا في الأيام القليلة الماضية إلى 16 قتيلا، بينما بلغ عدد الذين قتلوا برصاص الجريمة منذ بداية العام أكثر من 70 قتيلا.
ووفق معطيات نشرها مركز "أمان" لمكافحة العنف في المجتمع العربي في البلاد، فإنّ عدد الضحايا العرب، الذين قتلوا منذ عام 2000، وحتى اليوم بلغ 1383 قتيلا، جراء جرائم نُفّذ 75% بإطلاق النار.
وتُظهِر المعطيات ازديادا مطّردا في أعداد القتلى الذين يسقطون سنة بعد أخرى، ففي عام 2014 قتل 61 شخصا من بينهم 53 رجلا و8 نساء، وفي عام 2015 بلغ عدد القتلى 58 قتيلا من بينهم 44 رجلا و14 امرأة، وفي عام 2016 بلغ عدد الضحايا 64 من بينهم 54 رجلا و10 نساء، بينما قفز العدد في عام 2017 إلى 72 قتيلا بينهم 62 رجلا و10 نساء، واستمرت دالة الصعود عام 2018 حيث بلغ عدد القتلى 75 من بينهم 61 رجلا و14 امرأة، أمّا في العام 2019 الحالي، فقد بلغ عدد القتلى منذ بداية العام وحتى اليوم 71 من بينهم 60 رجلا و11 امرأة.

د. صالح نجيدات
د. صالح نجيدات

وللمقارنة، فإنّ نسبة القتلى في المجتمع العربي في عام 2018 بلغت 61% من نسبة القتلى في إسرائيل، أي ثلاثة أضعاف نسبتهم السكانية، كما يستدل من معطيات نشرتها "مبادرات صندوق إبراهيم"، أيضًا، أنّ 26.6% من المواطنين العرب وقعوا، خلال السنة الماضية، ضحايا للعنف مثل الضرب، الطعن وإطلاق النار، مقابل %12.8 في المجتمع اليهودي.

وتشير تلك المعطيات، أيضًا، إلى أنّ 59.3% من المواطنين العرب أعربوا عن خشيتهم من التعرض للضرر من العنف، مقابل 19.6% من اليهود، في حين قال 31.8% إنهم لا يشعرون بالأمان في بلداتهم.

وفي ما يخص مكافحة الجريمة التي تحدث في المجتمع العربي، أشارت المعطيات إلى أنّ 50% فقط من الجرائم التي وقعت عام 2017 قدمت فيها لوائح اتهام، وأنّ 26.1% من العرب فقط يثقون بالشرطة وأن 61% من الذين تعرضوا لأعمال عنف لم يقدّموا بلاغا للشرطة، ما يعكس انعدام الثقة بهذا الجهاز.

حول موضوع الجريمة والعنف الدموي الذي يضرب مجتمعنا العربي التقينا المحامي والمختص في علم الجريمة، د. صالح نجيدات، وأجرينا معه هذا الحوار.

عرب 48: السؤال التقليدي الذي يسأل في هذه الحالات هو ما هي أسباب العنف والجريمة، ولكن عندما يتحولان إلى ظاهرة خطيرة يصبح السؤال أعمق وأشمل ويطال العوامل الاجتماعية الاقتصادية والثقافية ويلمس وضعيتنا السياسية الخاصة

نجيدات: للسؤال المباشر هناك نظرية في علم الإجرام تسمى نظرية العوامل المتعدّدة، والتي تفيد بعدم وجود سبب نستطيع أن نقول إنّه سبب وحيد للجريمة، بل إن هناك، دائما، أسبابًا متعددة تتفاوت أهمية كل منها وحضورها في الجريمة المعينة.

وللسؤال غير المباشر، لماذا وصل مجتمعنا إلى هذا الوضع الذي يمكن اعتباره "حالة إفلاس في القيم والروادع الأخلاقية وغياب للضمير الحي"، فإنّ التفسير قد يكمن في فشلنا في نقل الموروث الحضاري الذي يحكم سلوكنا كمجتمع للجيل الحالي، ولذلك حدث ما يمكن تسميته بالفراغ التربوي، الذي تسربت من خلاله جميع المظاهر السلبية من عنف وجريمة وشرور أخرى تضرب مجتمعنا دون وازع أو رادع.

لقد قصرنا نحن في نقل القيم والعادات والتقاليد والقيم والمعايير الاجتماعية للأجيال الراهنة، وفي ترسيخ هذه القيم والمعايير في نفوس النشء الجديد، وهذا ما خلق فجوة تربوية عبأتها القنوات الهابطة والمواد الفاسدة التي تسوق عبر الإنترنت والفيسبوك وغيرها من وسائط العولمة، فوقع أبناؤنا ضحايا لثقافة العنف الدخيلة وغيرها من قشور الحضارة الغربية ومغرياتها الخارجية، التي أصبح شبابنا يتقلّدون بها بوعي أو بدون وعي، خاصة في ظل الانتكاسات والإحباطات التي يشهدها المحيط القومي والتي تزعزع ثقة هذه الأجيال بثقافتنا وحضارتنا الأصيلة.

عرب 48: المشكلة أنّ منظومة القيم والمعايير الاجتماعية العربية الأصيلة التي تربينا عليها وفشلنا في نقلها لأبنائنا، تعرضت لحملة تشويه ممنهجة تحت ستار "العادات والتقاليد البالية" والمتخلفة والتي أتت على الصالح والطالح في المنظومة الاجتماعية تلك

نجيدات: ما تقوله صحيح، فهناك ما يمكن اعتباره زعزعة لثقتنا بموروثنا الحضاري، سببه الواقع السياسي الرديء الذي تعيشه الأمة والذي يترافق مع حملة تشويه منظمة لتاريخنا وتراثنا ورموزنا وحضارتنا وعقيدتنا، لتسهيل عملية الغزو الثقافي لعقول شبابنا وأجيالنا القادمة، وما يحدث من عنف وجريمة في مجتمعنا في الداخل، هو أحد مظاهر ونتائج تلك الحملة فقط.

فلماذا يصبح تمسك العربي بموروثه الحضاري تخلفا يعيق مسيرة تطوره، بينما تشبث اليهودي بعادات عمرها أربعة الاف سنة، وتمسك البريطاني بتقاليد ومظاهر إنجليزية تقليدية لا يعتبر تخلفا ولا يعيق مسيرة تطور تلك الشعوب والمجموعات؟

ومن قال إنّ الشهامة والمروءة والنخوة والشرف وإغاثة الملهوف واحترام الكبير وحسن الجوار، وغيرها العشرات من القيم التربوية التي ورثناها عن أبائنا وأجدادنا هي تقاليد متخلفة وبالية يجب التخلي عنها، وبالتالي نزع الحصانة والمناعة الاجتماعية التي تحمي مجتمعنا.

ومن سمح لأمير سعودي معيّن بتسويق 400 قناة هابطة تسعى إلى تشويه ثقافتنا ونزع قيمنا وتفسيخ روابطنا وزعزعة عقيدتنا وتحويلنا إلى مجموعات متناثرة متنافرة تفتقد هدي السبيل.

الحرب، اليوم، هي ليست دبابات وطائرات فقط، فالحرب النفسية التي تستهدف تخريب أذواق الشباب وزعزعة ثقته بموروثهم الحضاري وبمعتقداتهم وبقيمهم وأخلاقهم، هي حرب أكثر خطورة وتأثيرها أكثر تدميرًا.

عرب 48: ولكننا بارعون في اتّهام الغير وادعاء المؤامرة لتبرئة أنفسنا من المسؤولية؟

نجيدات: أولًا، الحرب التي اتحدّث عنها تدار بأيد عربية ونحن شركاء فيها ضد أنفسنا، إن كان ذلك بشكل مباشر كوكلاء للأجنبي، أو بسبب تقصيرنا في تحصين أنفسنا ومجتمعنا في وجه هذا الغزو.

وثانيًا، نحن شركاء بسبب تقصيرنا الفعلي في منع تسلل السلاح والمخدرات إلى أحيائنا وقرانا ومدننا وأيدي أبنائنا، وسهّلنا بذلك عوامل الجريمة، لأن سهولة وجود السلاح واستعماله هو السبب الرئيس في الجريمة والعنف ولا يكفي في هذا السياق اتهام الشرطة في عدم جمع السلاح والتساهل مع حالات الجريمة، بل يجب تفعيل دورنا كمجتمع في مكافحة هذه الظاهرة.

عرب 48: لننتقل إلى الجانب العملي، كيف يمكن تفعيل دورنا كمجتمع؟

نجيدات: حتى نستطيع معالجة المشكلة يجب تحسين أداء ثلاث جهات مهمة؛ وهي الأسرة، طواقم التربية والتعليم في المدارس والسلطات المحلية ممثلة بأذرعها التربوية والاجتماعية.

تحسين دور الأسرة يتم من خلال زيادة المحاضرات التوعوية وتحسين سبل الإرشاد والتوجيه للأسر التي هي بحاجة لذلك، والتربية والتعليم من خلال التركيز وتطوير الدور التربوي للمدارس والمؤسسات التعليمية وتحويلها إلى مؤسسات تربوية، أيضًا، والمجالس بأذرعها المتمثلة بأقسام المعارف وأقسام الشؤون الاجتماعية، يترتّب عليها إعداد مسح شامل للعينة الاجتماعية التي من شأنها أن تنحدر إلى أعمال العنف والجريمة ووضع خطة علاجية قبل أن تفاقم الوضع.

أنا اقترحت، أيضًا، استحداث وظيفة مكتب مصلح اجتماعي في كل بلدة، يحل محل الجاهات ولجنة الصلح ويعالج المشاكل اليومية التي تنشأ بين الناس، في ضوء تقاعس الشرطة والحساسية القائمة تجاهها.

من تظاهرة مجد الكروم (عرب ٤٨)
من تظاهرة مجد الكروم (عرب ٤٨)

عرب 48: معروف أن 50% من أبناء مجتمعنا يعيشون تحت خط الفقر، وأن نسبة كبيرة منهم يعيشون أوضاعا اجتماعية اقتصادية صعبة للغاية، قد تشكل تربة خصبة لنشوء تلك المظاهر. من جهة ثانية، فإنّ مدارسنا تشهد نسبا عالية من تسرب الطلاب في مراحل المراهقة، ممن لا يجدون أُطُرًا مناسبة لحمايتهم، وهذا ما يضع مسؤولية مباشرة على مكاتب الشؤون الاجتماعية وأقسام التربية والتعليم.

نجيدات: صحيح، فنحن نفتقر لبرامج لعلاج المخدرات، وهي الآفة الأخطر والتي تشكّل الطريق الأقصر لكافة أنواع الجريمة، لا توجد برامج من هذا النوع لا على مستوى السلطة المحلية ولا على مستوى مكاتب الشؤون الاجتماعية.

كذلك لا توجد لدينا برامج لتأهيل السجناء، الذين ارتكبوا مخالفات جنائية وحوكموا عليها وخرجوا، هؤلاء بحاجة لمساعدة للعودة للاندماج بالمجتمع وتوفير مصادر الدخل لهم، وإلا لعادوا إلى ما كانوا عليه، وبذلك نعيد إنتاج الجريمة.

الحاخامات اليهود يسمح لهم بالدخول إلى السجون لوعظ السجناء وإرشادهم إلى الطريق السوي، فلماذا لا يقوم رجال دين مسلمون ومسيحيون بمثل هذا الفعل؟ والسجناء اليهود هناك من يهتم بأمرهم بعد الخروج من السجن بينما السجناء العرب يفتقرون إلى مثل تلك الأطر، هؤلاء إذا ما لم يتم استيعابهم في المجتمع يحقدون على المجتمع وينتقمون منه.

كذلك لا توجد لدينا برامج لعلاج الأسر المفككة والعاجزة عن توفير الإطار الحاضن لأولادها، هؤلاء هم بالذات من يتسربون من المدارس ويخرجون إلى الشارع ومعالجتهم تتطلب تضافر جهود بين أقسام المعارف والشؤون الاجتماعية.

باختصار، فإنّ التصدي للجريمة لا يقتصر على العقاب ووسائل الردع فقط، بل يتطلب تجفيف منابعها، وهذا يستدعي جهودا مجتمعية ومؤسساتية مشتركة وميزانيات ترصد لهذه الأغراض وليس شعارات فقط.


د. صالح نجيدات: محام ومختص في علم الجريمة، عمل لسنوات طويلة كمراقب سلوك أحداث.