د. بريك: غانتس يستخدم "المشتركة" للضغط على الليكود

د. بريك: غانتس يستخدم "المشتركة" للضغط على الليكود
توضيحية (رويترز)

د. سليم بريك:

- ستجري انتخابات ثالثة إذا لم يتم تقديم لوائح اتهام ضد نتنياهو في الأسبوعين القريبين

- كتلة الليكود والمتدينين والحريديين أغلقت أبواب تشكيل الحكومة أمام غانتس

- حكومة تعتمد على أصوات العرب غير واردة لدى "كاحول لافان" التي يعتبرهم رمزها "اليساري" على أنهم "زُعبيز"

- "الجسم المانع" فكرة ساذجة موجودة في رؤوس بعض زعماء المشتركة فقط


تواجه عملية تشكيل الحكومة الإسرائيلية أزمة حقيقية، قد تفضي إلى انتخابات ثالثة في غضون سنة، وذلك بعد انتهاء الفترة المحددة قانونيًا، والتي منحت لرئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو، الذي حصل المعسكر الذي يتزعمه على 55 عضو كنيست، وإحالة التكليف لمنافسه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، بيني غانتس، الذي يواجه صعوبات كبيرة على هذا الصعيد، في ظل إصرار نتنياهو على التفاوض ككتلة موحدة من 55 عضو كنيست، فيما يسعى غانتس لتشكيل حكومة وحدة مع حزب الليكود و"يسرائيل بيتينو" بزعامة أفيغدور ليبرمان، وهو مقيد أيضًا بوعده الانتخابي بعدم المشاركة في حكومة برئاسة نتنياهو.

من جهة ثانية، فإن إمكانيات تشكيل حكومة ضيقة (أقلية) برئاسة غانتس لا تحظى بفرص كبيرة، بسبب معارضة الأحزاب الدينية والحريدية الانضمام لمثل هذه الحكومة، ورفضه كتلته (كاحول لافان) تشكيل حكومة تعتمد على أصوات النواب العرب، الذين يعتبرهم "الصوت المعتدل" في "كاحول لافان"، يائير لبيد، "زُعبيز"، ناهيك عن أن حكومة كهذه لن يكتمل نصابها العددي دون مشاركة ليبرمان، الذي يرى بالنواب العرب طابورًا خامسًا.

في السياق ذاته، طالب رئيس القائمة المشتركة، النائب أيمن عودة، رئيس "كاحول لافان"، غانتس، بأن يكون شجاعًا مثل رئيس الحكومة السابق، إسحق رابين، ويتخذ قرارًا بالتعاون مع الأحزاب العربية لتشكيل الحكومة.

وقال عودة خلال مشاركته في مؤتمر المنظمة اليهودية الأميركية "جي ستريت" في واشنطن، موجهاً حديثه لغانتس والحضور، "اختار رابين وتوفيق زياد (رئيس الجبهة الراحل)، أن يكونا شجاعين وأن يتعاونا لتشكيل حكومة، يجب أن يحدث هذا مرة أخرى".

وأضاف عودة: "نحن أوصينا ببيني غانتس كرئيس للحكومة، وأدعوه ليكون شجاعا مثل رابين، وأنا سأكون شجاعا مثل توفيق زياد، التاريخ ينتظرنا، ومطلبنا ليس أكثر من مطلب أساسي للمساواة".

عودة (أ ف ب)

ومع أن غانتس لبى الدعوة وقام بالاتصال مع ممثلي الأحزاب العربية المركبة للمشتركة، باستثناء التجمع، والاجتماع مع عودة وأحمد طيبي، فإن المراقبين يعتبرون لأن ذلك لا يتعدى كونه نوعًا من العلاقات العامة، أو محاولة لاستغلال القائمة المشتركة للضغط على الليكود وغيره من الشركاء المحتملين، وليس أكثر.

وفي ختام اللقاء الذي جرى بينه وبين غانتس ظهر عودة أقل تفاؤلا، إذ اعتبر الاجتماع بحد ذاته إنجازًا، وقال "من الواضح أن غانتس لو خير بيننا وبين حكومة وحدة وطنية سيختار حكومة وحدة وطنية مع الليكود وليبرمان"، مشيرًا إلى أنه قام بطرح "قضايا شعبنا"، وأنه ستكون جلسات أخرى، ونوه إلى أنه "من المهم أن يتأكد أبناء شعبنا أننا نتعامل بكرامة بواقعية وبمسؤولية". 

د. سليم بريك

حول أزمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية، الخيارات المطروحة والسيناريوهات المتوقعة وفرص تشكيل حكومة تعتمد على أصوات النواب العرب، أجرينا هذا الحوار مع د. سليم بريك، المحاضر في العلوم السياسية والباحث في السياسية البرلمانية والحزبية.

عرب 48: مرة أخرى يفشل نتنياهو في تشكيل حكومة، ويبدو أيضًا أن محاولات غانتس تواجه صعوبات كبيرة، وقد تصل إلى طريق مسدود، هل تقف إسرائيل على عتبة انتخابات ثالثة؟

بريك: عمومًا، الأزمة في إسرائيل هي ذات مضمون اجتماعي مبدئي، حيث يدور الصراع بين معسكرين، معسكر اليمين مع المتدينين والأصوليين مقابل المعسكر الذي يتشكل من اليمين المعتدل أو اليمين- وسط الليبرالي، الذي يتشكل أساسًا من تشكيلة "كاحول لافان".

وعلى هذا الصعيد، لنتنياهو هدفان، الأول هو الدفاع عن هذا التوجه القومي - الديني، إن صح التعبير، والثاني هو تحصين نفسه أمام القضاء والتهرب من الملفات الجنائية التي تكاد تطبق عليه، لذلك فهو غير معني بحل الأزمة وهو يسعى لحكومة انتقالية وانتخابات ثالثة.

فالحكومة الانتقالية تعطيه قوة ووقت يستطيع خلالهما وبفضلهما مهاجمة وتشكيل مزيد من الضغوطات على السلطات القضائية، كما رأينا في تصريحات وزير القضاء الأخيرة وتهجماته على المستشار القضائي وسلطات إنفاذ القانون.

من جهة ثانية، فإن بيني غانتس لديه مشكلة من ناحية إيجاد العدد المطلوب من الشركاء لتشكيل حكومة من دون الليكود، فهو لا يستطيع أن يقنع أحدًا من الأحزاب الدينية أو الأصولية لدعم حكومته، ولا يستطيع ولا يريد حكومة تعتمد على أصوات العرب.

الاحتمال الوحيد المتبقي أمامه هو حكومة وحدة وطنية مع الليكود، وهو احتمال ضئيل بوجود نتنياهو، الذي ما زال يحظى بالتفاف من الليكود وكتلة اليمين حوله.

عرب 48: إذا كان الحل الوحيد المتوفر أمام غانتس، أي حكومة وحدة وطنية، هو غير ممكن أو احتمالاته ضئيلة جدًا، فالأمور تتجه نحو انتخابات ثالثة؟

بريك: من ناحية نتنياهو، فهذا ما يريد أن يحصل، ولكن الأمور لا تتعلق به فقط، فهناك المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، الذي إذا ما قرر خلال الأسبوعين المقبلين تقديم لوائح اتهام ضد نتنياهو في الملفات الثلاثة، فإن نتنياهو لا يستطيع عندها خوض الانتخابات التي يسعى لإجرائها، ولن يستطيع أن يكون مرشحا لرئاسة الحكومة.

القانون الإسرائيلي يفرق بين من هو رئيس حكومة بالفعل، وعندها يستطيع الاستمرار في إشغال منصبه حتى تتم إدانته في المحكمة، وبين من هو مرشح لرئاسة الحكومة أو عضوية الكنيست، إذ لا يجوز أن تكون قدمت ضده لوائح اتهام.

عرب 48: تريد القول إن نتنياهو في مأزق، من ناحية الانتخابات هي مخرجه الوحيد، ومن ناحية أخرى قد تكون هي نهايته؟

بريك: نعم، ولهذا السبب نشهد حالة عصبية في محيط نتنياهو، وفي السياق جاء الهجوم الذي شنه نجله يائير على منافسه غدعون ساعر واتهامه إياه بالاغتصاب، كما علم ان ساعر سيقدم دعوى قضائية ضد نجل رئيس الحكومة بتهمة القذف والتشهير، وقد تكون هذه الأمور بداية حراك داخل الليكود ضد نتنياهو.

صحيح إنه ظاهريًا يبدو كأن نتنياهو يسيطر على مقاليد الأمور ولكن وراء الأكمة ما وراءها، فساعر ويسرائيل كاتس وغلعاد إردان وغيرهم من المنافسين، الذين سبق وأهينوا من قبل نتنياهو وعائلته، يتربصون به ويتحينون الفرصة المواتية، ناهيك عن أن نتنياهو كشخص غير محبوب في الليكود ولكنهم يعرفون أنه جيد للانتخابات.

وقد لاحظنا مؤشرات تراجع نتنياهو بإلغاء اقتراحه حول عقد مركز الليكود لتجديد رئاسته، كما لاحظنا كيف تراجع عن البرايمريز (الانتخابات الداخلية) وأصيب بالذهول عندما خرج غدعون ساعر وقال أنا مستعد للمنازلة، هذا دليل أنه ليس قويًا مثلما كان في السابق.

عرب 48: عودة إلى غانتس واحتمالاته في تشكيل حكومة ضيقة من دون الليكود، خصوصًا في ظل التحرك باتجاه المشتركة واجتماعه بأيمن عودة؟

بريك: احتمالات غانتس بتشكيل حكومة ضيقة هي محدودة جدًا، فهو لم ينجح باستمالة أي من الأحزاب المتدينة، فيما يصر ليبرمان على حكومة "وحدة وطنية". أما بالنسبة للقائمة المشتركة، وبغض النظر عن أن أصواتها وحدها غير كافية لتشكيل نصاب من 61 عضو كنيست (مع حزب العمل وتحالف براك- ميرتس)، فإن تشكيل حكومة تعتمد على أصوات العرب هي مسألة غير واردة لدى غانتس، وهو في أحسن الأحوال يستخدم القائمة المشتركة تكتيكيًا للضغط على الليكود وأطراف أخرى، ولا أعرف إذا كان بعض قادة المشتركة الذين يرددون مثل هذه الطروحات، هم مقتنعون بها فعلا، أم أنهم يستخدمونها أيضًا للظهور أمام جمهورهم بمظهر المؤثرين.

عرب 48: إذا كانوا غير مقتنعين بما يقولون فإنهم يضللون جمهورهم؟

بريك: لا، هي ليست أكثر من محاولة للإيحاء لجماهيرهم بأننا نعمل كل ما بوسعنا لنكون مؤثرين على الساحة السياسية، لأن كتلة "كاحول لافان" التي يقف على رأسها ثلاثة رؤساء أركان سابقين، ويضم ضابطة احتياط رفيعة ونائب رئيس موساد سابق، هي عمليًا بمثابة مؤسسة أمنية ولا يمكن بأي حال أن تعتمد على أصوات العرب، ليس فقط أنهم لا يمتلكون الجرأة لذلك، بل لديهم قناعة بأن أصوات العرب غير شرعية.

عرب 48: ولكن سمعنا أيمن عودة في أكثر من مناسبة، آخرها مؤتمر المنظمة اليهودية الأميركية "جي ستريت"، وهو يقارن بين واقع اليوم وتجربة توفيق زياد وعبد الوهاب دراوشة في دعم  حكومة رابين في العام 1993، ويدعو غانتس للتمتع بشجاعة رابين لأنه يتمتع بشجاعة زياد، كما قال؟

بريك: لا مكان للمقارنة بين ما حدث في العام 1993 وما يحدث اليوم. أيمن عودة يكرر دائمًا تجربة الجسم المانع تلك، أنا لا أعرف من أين يأتي بهذا الخطاب. أولا في العام 1993 كان 59 عضو كنيست لمعسكر اليمين و56 لمعسكر اليسار، و5 أعضاء كنيست من الأحزاب العربية (الجبهة والحزب الديمقراطي العربي)، بمعنى أن معسكر اليسار كان يحتاج لخمسة أصوات لبلوغ نصاب الـ61 عضو كنيست لتشكيل الحكومة، وهي الأصوات العربية، وهذا ما حدث.

أما اليوم، فإن معسكر الوسط – يسار يضم 44 عضو كنيست فقط، ومع المشتركة يصل إلى 57 عضو كنيست، بمعنى أنهم لن يصلوا إلى 61 عضو كنيست، وهذا من ناحية الشكل؛ أما من ناحية المضمون، فنحن نتحدث عن حكومة رابين التي كان لحزب العمل فيها 44 عضو كنيست وأكثر من 30 منهم "يساريين" مثل أبراهام بورغ وعوزي برعام وحجاي مروم ويوسي بيلين وياعيل ديان وغيرهم، إضافة إلى 12 عضو كنيست من ميرتس التي ترأستها شولاميت ألوني، وهي شخصية يسارية مشهود لها، وضمت شخصيات مثل أمنون روبنشطاين ويوسي سريد وغيرهما.

ثلاثة رؤساء أركان جيش سابقين في قيادة "كاحول لافان"

اليوم حتى العنصر الأكثر "يسارية" في "كاحول لافان"، يائير لابيد، يرفض أن يجلس مع الـ"زُعبيز"، لذلك فإن المقارنة ليست في محلها وفيها ظلم لتوفيق زياد...

عرب 48: هذا ناهيك عن أن حكومة رابين كان لديها توجهًا واضحًا نحو مفاوضات السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية، وتوجه لمساواة المواطنين العرب؟

بريك: الفارق بين حكومة رابين وبين تشكيلة "كاحول لافان" ليس تكتيكيا فقط، بل بين توجه كان يؤمن بالشراكة مع الفلسطينيين وإجراء مفاوضات معهم على أساس حل الدولتين، وبين من يدعو لضم الأغوار وسحق غزة ويدعي بعدم وجود شريك فلسطيني للسلام.

لقد قامت الشراكة بين الأحزاب العربية وبين حكومة رابين على أساس ما عرفت بـ"ورقة دراوشة"، وهي الورقة التي قدمها موشيه شاحال من حزب العمل للنائب السابق عبد الوهاب دراوشة، ووافق عليها توفيق زياد رحمه الله، وتتضمن ثلاثة بنود؛ الأول، الالتزام بالمفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية لحل القضية الفلسطينية؛ والثاني، مساواة العرب بالميزانيات؛ والثالث، إدراج العرب في الوظائف الحكومية.

وغني عن البيان ما حققته تلك الحكومة، على هذه الأصعدة، من توقيع اتفاق أوسلو وتشكيل السلطة الفلسطينية وعودة قيادة منظمة التحرير إلى الضفة وغزة، وإلى مضاعفة ميزانيات السلطات المحلية العربية ومساواة مخصصات الأطفال وغيرها، والزيادة الكبيرة للعرب في الوظائف الحكومية.

عرب 48: طالما أن الواقع صار مختلفًا إلى هذه الدرجة، فلماذا إسقاط الماضي على الحاضر، كما يقولون، والإصرار على فكرة "الجسم المانع" التي أصبحت ليست ذا صلة؟

بريك: هي تصريحات ساذجة هدفها تجميل الواقع وإظهار ان القائمة المشتركة تقوم بكل ما تستطيع من أجل جمهورها، ولكن بنظري يتوجب على السياسي أن يصارح المواطنين بالحقيقة، والحقيقة أننا كأحزاب وأعضاء كنيست عرب غير مرغوب فينا، ولا توجد أي حكومة حالية مستعدة للاستناد إلى أصوات العرب.


د. سليم بريك، محاضر في العلوم السياسية وباحث في السياسة البرلمانية والحزبية.