منال شلبي: مجتمعنا ما زال يشكل دفيئة لقتل النساء بشكل غير مباشر

منال شلبي: مجتمعنا ما زال يشكل دفيئة لقتل النساء بشكل غير مباشر

د. منال شلبي:

- التمييز في الموارد والدفيئة التي يوفرها المجتمع وراء ارتفاع نسبة قتل النساء العربيات

- النساء العربيات يشكلن أكثر من 50% من ضحايا القتل داخل العائلة في البلاد

- انتشار السلاح وانزياح الروادع وسهولة الضغط على الزناد ضاعف من جرائم القتل

- أكثر من 30 ألف إنسان في القرى منزوعة الاعتراف في النقب يفتقرون لخدمات اجتماعية


كشفت معطيات نشرتها الأمم المتحدة بمناسبة "اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة"، أن واحدة من كل ثلاث نساء في العالم تتعرض للعنف الجسدي أو الجنسي داخل الأسرة، وأن واحدة من كل امرأتين ممن قتلن، كان المجرم القاتل شريك حياتها أو أسرتها، في حين قتل رجل واحد من بين 20 رجلا في ظروف مماثلة. وقالت المنظمة الدولية في بيان إن العنف ضد المرأة هو "أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشارًا واستمرارًا وتدميرًا في عالمنا اليوم".

وفي إسرائيل، تقع النساء الفلسطينيات تحت طائلة عنف زوجي بجميع أشكاله، بنسب أعلى من نظيراتهن اليهوديات، إذ أشار أحدث الأبحاث أن 11% يعانين من العنف الجسدي، 50% من العنف النفسي أو الكلامي، و50% من العنف الاجتماعي أو الاقتصادي، وذلك مقابل 2% من النساء اليهوديات يعانين من العنف الجسدي، 19% من العنف الكلامي أو النفسي و16% من العنف الاجتماعي أو الاقتصادي.

وفي ما يخص جرائم القتل، ترتفع نسبة النساء العربيات إلى أكثر من 50%، ففي عام 2018 قتلت 16 أمرأة عربية من بين 24 امرأة قتلن في إسرائيل، فيما قتلت سنة 2019 الحالية 7 نساء عربيات حتى الآن من بين 13 امرأة .

وكانت الأمم المتحدة قد حددت يوم 25 تشرين الثاني/ نوفمبر، يومًا دوليًا للقضاء على العنف ضد النساء في العالم، ويأتي هذا العام تحت شعار "جيل المساواة يقف ضد الاغتصاب"، بالتزامن مع إطلاق حملة 16 يومًا لمناهضة العنف. وانطلقت حملة الـ16 يومًا، يوم الإثنين الماضي، 25 تشرين ثاني/ نوفمبر، وتستمر حتى يوم 10 كانون الأول/ ديسمبر المقبل، الذي يصادف اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

حول أسباب العنف ضد المرأة عمومًا، ودور سياسة التهميش والإقصاء والتمييز العنصري في تفاقمها ضد المرأة في الداخل الفلسطيني بشكل خاص، كان هذا الحوار مع د. منال شلبي، وهي ناشطة نسوية وعاملة اجتماعية متخصصة في العنف ضد النساء.

عرب 48: رغم التطور الذي يشهده المجتمع الإنساني في مختلف المجالات، فإن الأرقام الدولية المتعلقة باضطهاد المرأة واستخدام العنف ضدها هي أرقام مذهلة. محليًا، نرى التفاوت الكبير بين النساء الإسرائيليات والنساء الفلسطينيات في الداخل، وهو تفاوت لا شك له أسبابه السياسية إضافة الى الأسباب الاجتماعية؟

شلبي: تغيير المفاهيم والثقافة هي عملية طويلة المدى

شلبي: دعنا نبدأ في موضوع التمييز وتخصيص الموارد الضرورية لمعالجة ظاهرة العنف ضد المرأة من قبل الدولة، والتي تشهد في الآونة الأخيرة تقليصًا كبيرًا عمومًا، وفي المجتمع العربي بشكل خاص. مثال على ذلك، أنه في السنة الماضية وبعد أن نظمنا احتجاجًا كبيرًا تجندت خلاله العديد من السلطات المحلية، وأعلنت الإضراب لمدة ساعتين، التقينا مع وزيرة الرفاه والمساواة الاجتماعية، غيلا غملئيل، واتفقنا على بناء خطة طوارئ تم تقديمها لرئيس الحكومة لمعالجة العنف ضد المرأة، مع الأخذ بعين الاعتبار احتياجات المجتمع العربي بميزانية قدرها 250 مليون شيكل.

وقد جرى تحويل الأموال من وزارة المالية إلى وزارة الرفاه، وتم الاتفاق على إقامة أربعة أطر لعلاج النساء اللاتي يتعرضن للعنف ولعلاج الرجال العنيفين، إضافة إلى ملاكات لعمال اجتماعيين متخصصين، ولكن حتى الآن لم يتم إقامة أي اطار أو إضافة أي ملاك بهذا الخصوص، رغم مرور سنة على هذا الاتفاق.

ما أردت قوله، إن قضية العلاج وهي أحد شقي معادلة العنف ضد المرأة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالموارد، ففي موضوع قتل النساء على سبيل المثال، نحن نؤمن أنه ليس هناك عملية قتل لا يمكن منعها، وأن العمل الاجتماعي يستطيع أن يشخص خلال العملية العلاجية للمرأة مدى الخطر التي تواجهه وتعيشه، ومدى خطورة الرجل على حياتها، وبمقدورهم منع القتل بواسطة اتخاذ التدابير اللازمة.

ولكن للأسف، ليس كل الاجتماعيين لديهم هذه المؤهلات التي تمكنهم من تقييم الخطورة، لأنهم لم يمروا بدورات استكمال تمنحهم هذه المؤهلات، وكثيرًا ما تقتل المرأة بسبب تقدير خاطئ لمدى الخطورة الموجودة فيها، وهذا ما نحاول منعه.

عرب 48: مؤخرا بادرت مع آخرين لإقامة جمعية تعنى بمثل هذه القضايا؟

شلبي: صحيح، مؤخرا أسسنا جمعية "آذار"، وهي منتدى مهني لمحاربة قضايا قتل النساء، مقرها في حيفا وهي تضم مهنيين وعمال اجتماعيين وخبراء نفسيين ممن يعالجون موضوع العنف، وأنا أديرها حاليًا، ونعمل على تأهيل كوادر مهنية لمعالجة موضوع العنف على مستوى الإرشاد والمرافقة والتعزيز والتمكين، ودورات استكمال للمهنيين في موضوع "تقدير الخطورة".

وقد أخذنا مجموعة مهنيين عاملين في مختلف المجالات، خبراء نفسيين وعمال اجتماعيين وممرضين وممرضات وطواقم طبية، ممن يعملون في المستشفيات ويواجهون مثل تلك الحالات، لأننا نؤمن أن التقدير الصحيح للحالة بإمكانه إنقاذ حياة المرأة، وأن وضع المجتمع اليهودي لأفضل لأنهم يستطيعون إنقاذ نساء أكثر بفعل امتلاكهم للموارد.

عرب 48: يبدو للوهلة الأولى أن حالة العنف والجريمة العامة التي تضرب مجتمعنا غطت على جرائم العنف وقتل النساء، ولكن الأرقام المتعلقة بقتل النساء أيضًا تشير إلى هبوط حاد في هذه الجرائم عن السنة التي سبقتها؟

شلبي: صحيح أن نسبة الإجرام والقتل ازدادت بشكل كبير، 85 رجلا وامرأة قتلوا خلال هذا العام على خلفية إجرام وعنف، هذا شيء غير مسبوق في مجتمعنا، ولكن باعتقادي أن الرجل العنيف الذي يريد أن يقتل زوجته لن يهمه إذا وجود إجرام وعائلات إجرام تقتل في عموم المجتمع، علمًا أنه من الجائز أن يكون المجتمع قد دخل إلى حالة طوارئ شبيهة بأوقات الحرب، التي تنعكس بمزيد من التماسك والتعاضد الاجتماعي والأسري في مواجهة الخطر الخارجي.

هذا اجتهاد خاص بي، ولكن يمكن أن نعزو ذلك أيضًا، إلى العمل الميداني للجمعيات النسوية والجهد الذي تبذله في رفع الوعي، والذي يجعل النساء تدرك أكثر لحقوقها وتتوجه للعلاج في الوقت المناسب، علمًا أن نسبة النساء العربيات من مجموع النساء اللاتي تعرضن للقتل لم تهبط، وبقيت فوق الـ50% رغم انخفاض عددهن.

عرب 48: العنف ضد المرأة والعنف بشكل عام يفتح عيوننا على واقع الفقر والتهميش والتمييز، وقلة الموارد المخصصة لمجتمعنا ومؤسساتنا التي تعالج مثل تلك القضايا؟

شلبي: في ما يتعلق بالمؤسسات، فنحن نعرف أن عدد العمال الاجتماعيين الذين يعالجون ظاهرة العنف هو ضئيل جدًا، وإن وجدوا فإنهم غير مؤهلين لأنهم لم يمروا دورات خاصة لهذا الغرض، وتكفي الإشارة إلى أن العامل الاجتماعي في المجتمع العربي يعالج 400 ملف، بينهم أطفال ومسنين وعائلات ونساء يتعرضن للعنف، فهو يقع تحت طائلة ضغط العمل، وبالتالي فإن العمال الاجتماعيين لا يستطيعون استيعاب كل هذا الحمل والمطلوب تخصيص ملاكات لعلاج ظاهرة العنف، بشكل خاص وتقديم الاستكمالات والدورات الملائمة لذلك.

ولكنا لا نستطيع إلقاء اللوم على مؤسسات الدولة وعلى النقص في العمال الاجتماعيين فقط. أعتقد أن مجتمعنا ما زال يشكل دفيئة لقتل النساء بشكل غير مباشر؛ هناك تسامح وتفهم و"شرف العائلة" حيث يأخذ القتل أكثر شرعية في المجتمع، وهذا يشجع الكثير من الناس على تكرار ذلك في المستقبل، لأمر لا يرتبط بالواقع الاقتصادي الاجتماعي الصعب فقط، بل بالتربية والثقافة أيضًا، ويكفي أن تدخل إلى "فيسبوك" وترى التعليقات على موضوع امرأة تتعرض للعنف، والاستهزاء والسخرية وتحميل المسؤولية للنساء.

هذا ناهيك عن أن الفوضى التي أصبحت تضرب المجتمع وانتشار السلاح وانزياح الروادع وسهولة الضغط على الزناد، عندما يتعلق الأمر بالمرأة، والدعم الذي يحظى به القاتل من العائلة والمجتمع ضاعف من أعداد الضحايا.

عرب 48: إذًا، اجتماع الإهمال والتمييز وغياب الموارد والدفيئة التي يوفرها المجتمع، هما ركنان أساسيان للعنف والجريمة ضد المرأة؟

شلبي: نحن نعرف أن تغيير المفاهيم والثقافة هي عملية طويلة المدى، ولذلك نولي أهمية لعلاج الظاهرة المتمثل بالدرء والمنع وتوفير الأطر المناسبة، وهو موضوع مرتبط بالموارد والميزانيات، ولكن تخيل أن 30 ألف إنسان في القرى غير المعترف بها في النقب، لا تتوفر لديهم مكاتب خدمات اجتماعية في أماكن سكنهم، وأن المرأة التي تريد أن تقصد هذه الخدمات يجب أن تصل مشيًا إلى الشارع الرئيسي لتستقل المواصلات العامة إلى بئر السبع، حيث تستغرق الطريق مدة ساعة أو ساعة ونصف، ربما لتلتقي هناك بعاملة اجتماعية لا تفهم لغتها.

عرب 48: ولكن الحديث يدور عن ظاهرة عالمية، إذ تتعرض ثلث نساء العالم للعنف بأشكال مختلفة؟

شلبي: صحيح، وفي البلاد يتحدثون عن ربع النساء وعن 200 ألف حالة موثقة و250 طفلا يشهد على العنف في العائلة، ولكننا بالنهاية نعمل في إطار مجتمعنا ونحاول إدراك خصوصيته والتعامل معها، مع علمنا أنه يمر في حالة تحول من مجتمع تقليدي تعتمد الأسرة فيه على معيل واحد، بكل ما يعنيه ذلك من سلطة أبوية مطلقة، إلى مشاركة المرأة في سوق العمل، بما يعنيه ذلك أيضًا من تهديد لتلك العلاقات ولمكانة الرجل، وما يسببه ذلك من توترات قد تشكل سببًا لازدياد العنف ضد المرأة.

اليوم، ما بين 30% إلى 40% من النساء العربيات يشاركن في سوق العمل، علمًا أن 7% منهن فقط نساء أكاديميات صاحبات كفاءات ويعملن في وظائف وظروف عمل جيدة، فيما تعمل الغالبية في تنظيف البيوت والمدارس وشركات المقاولة، وفي المصانع في ظروف شديدة الوطأة وأجور زهيدة، وهذا جانب آخر من جوانب الاضطهاد الذي تعاني منه المرأة.


منال شلبي: عاملة اجتماعية متخصصة في مجال العنف في العائلة. أنهت إعداد الدكتوراه في جامعة حيفا في قسم العمل الاجتماعي. باحثة، محاضرة وناشطة نسوية ومؤسسة ومديرة جمعية "آذار - المنتدى المهني لمحاربة جرائم قتل النساء".