د. عبد كناعنة: الحراك اللبناني يضع حزب الله على مفترق طرق

د. عبد كناعنة: الحراك اللبناني يضع حزب الله على مفترق طرق
أفراد الجيش اللبناني يفصلون بين أنصار حزب الله وأمل والمحتجين (أ.ب.)

د. عبد كناعنة:

- معضلة حزب الله أنه موجود بين قمقم الطائفية ومارد المقاومة

- الحراك يضع الحزب على مفترق طرق بينه وبين حماية حلفائه الطائفيين منه


"حزب الله في لبنان - المقاومة كهيمنة مضادة"، هو عنوان البحث الذي أجراه عبد كناعنة لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة تل أبيب. الرسالة المقترحة تقوم ببحث ظاهرة حزب الله وإسهامه في تطوير مفهوم المقاومة وتحويلها إلى ثقافة وإلى مشروع "هيمنة مضادة" في الساحة اللبنانية، بمعنى تحويلها ليس فقط إلى أيديولوجيا وثقافة، بل أيضًا إلى أداة سياسية من أجل خدمة مصالح الحزب، ومصالح لبنان كما يراها ويفهمها الحزب.

ويعتمد الباحث تعريف المفكر ستيوارت هول للثقافة، باعتبارها طريقة الحياة الخاصة بمجموعة معينة، والتي تضم القيم والأفكار الخاصة بهذه المجموعة. وفي ما يخص "الهيمنة"، يعتمد تعريف المفكر غوين وليامز، الذي يرى أنه قد يتحول مشروع معين إلى مشروع هيمنة، عندما تتسرب طريقة تفكيره وتنظيمه للواقع وفهمه له إلى كافة مجالات ومؤسسات المجتمع وثقافته.

كما يهتدي كناعنة بتعريف المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي يعتبر "الهيمنة" حالة أو سيرورة تقوم بها كتلة - تاريخية (فئة اجتماعية التي تتنظم حول مشروع هيمنة معين) بمحاولة إدخال المبنى الاجتماعي إلى حالة استقرار حول المصالح المركزية للفئة الاجتماعية، التي لها السيطرة داخل الكتلة - التاريخية، فيما تتشكل الهيمنة المضادة من قوى اجتماعية مختلفة وتحولها إلى كتلة - تاريخية جديدة، والتي تنتظم حول مشروع مضاد للهيمنة القائمة، وهي الحالة الشبيهة بحالة حزب الله اللبناني، بحسب الباحث.

حول موضوع البحث الذي سيصدر قريبًا في كتاب باللغات الثلاث، العربية والعبرية والانجليزية، كان هذا الحوار مع د. عبد كناعنة.

عرب 48: الهيمنة بحد ذاتها تحمل مفهومًا سلبيًا بعكس مفهوم المقاومة، ربما يخفف من وقعها كونها هيمنة مضادة، كما سميتها، ولكن تحول حزب الله إلى حالة مهيمنة لبنانيا وربما عربيا، يضعه في مواجهة غير مباشرة مع محيطه الداخلي والخارجي، كما هو حاله اليوم، وليس فقط مع إسرائيل؟

كناعنة: الفكرة كانت تحليل تطور حزب الله وتطويره لفكرة المقاومة وتحويلها لمشروع هيمنة، ليس بالمفهوم الدارج بل بمفهوم غرامشي، وهي محاولة لتحليل مسار تطور حزب الله من منظمة صغيرة إلى الحالة الموجود فيها اليوم، وكيف استخدم المقاومة وحولها من مجرد تكتيك عسكري إلى شيء أبعد من ذلك، وصولا إلى مشروع هيمنة مضادة.

وأقصد بالهيمنة بمعنى تحويل الفكرة إلى الفطرة السليمة، وتحويل موضوع المقاومة إلى مفهوم بشكل ضمني، وإلى شيء عليه إجماع كامل في مجتمع معين، كما هو الحال في لبنان اليوم، وقد حاولت تتبع مسار تحويل تلك الفكرة التي انطلقت في بداية وأواسط الثمانينيات وتطورت في في سنوات الألفين، من تكتيك عسكري جرى استخدامه في التصدي للاحتلال الإسرائيلي، إلى فكرة مهيمنة على نطاق واسع في المجتمع اللبناني، وحتى في المنطقة العربية.

عرب 48: وما هي الآليات التي استخدمها في الوصول غلى هذه النتيجة؟

د. عبد كناعنة

كناعنة: في رسالة الدكتوراه قمت بتحليل وسائل ومنظومات الهيمنة المطلوبة من أجل زرع فكرة في مجتمع، وبضمنها المدارس التابعة لحزب الله، منظمات المجتمع المدني التي تدور في فلكه، والتي لا تعمل ضمن الإطار الطبيعي والبيئة الخاصة به فقط (الطائفة الشيعية)، بل تتعداها وتقدم خدمات لمناطق أخرى، بالإضافة لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، والمقصود فضائية "المنار" والصحف ومواقع الأنترنت المختلفة التابعة والمقربة إليه، وبشكل خاص جريدة "الأخبار".

جزء مهم من الموضوع أيضا، هو كيفية إدخال الفكرة لأوساط الأطفال والفتية من خلال ألعاب الإنترنت وتطبيقات الهواتف النقالة، إضافة إلى الكتب والروايات والأغاني والأناشيد.

وقبل أن أصل إلى هذه المرحلة، قمت بتحليل الخلفيات لعملية ظهور حزب الله التي تعود للثمانينيات والتسعينيات، والخلفيات الفكرية التي ترجع للأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وكيف حاول رجال دين شيعة استعادة الشباب إلى حضن المؤسسة الدينية، التي ابتعدوا عنها بسبب انجذابهم إلى الحركات الشيوعية والاشتراكية والقومية التي انتشرت في حينه، وذلك من خلال خلق توليفة لإسلام سياسي شيعي نشط، إن صح التعبير، يقدم الفكر الإسلامي من جهة، ويؤكد من جهة أخرى على مواضيع شعبوية وعلى قضايا المساواة والعدل الاجتماعي. تلك التوليفة هي التي خلقت، على سبيل المثال، الثورة الإيرانية التي كان المنظر الأول لها قبل الخميني، علي شريعتي الذي يعتبر أيديولوج الثورة في بدايتها.

عرب 48: هي مفارقة أن التوليفة التي جاءت لتحول بين "الشباب الشيعي" وبين المد القومي الناصري والحركات اليسارية، التي اجتاحت العالم العربي في حينه، كما تقول، تصبح بعد حين فكرة صالحة لإشعال ثورة في إيران وخلق حزب الله في لبنان؟

كناعنة: حزب الله هو نوع من التطور الخاص لهذه الفكرة في لبنان، وطبعًا كان للاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وخروج حركات المقاومة الفلسطينية منه دورًا أساسيًا، كما إرسال إيران 1500 مقاتل من الحرس الثوري الإيراني لتدريب "الشيعة" في لبنان، في حينه، خلق النواة الأساسية التي تلاقت حولها مجموعة من مختلف المشارب الفكرية، بعضها من حركة أمل وبعضها من جماعة المرجع الشيعي، محمد حسين فضل الله، والبعض الآخر ممن تركوا حركة فتح وفصائل المقاومة الفلسطينية، وآخرون من الحزب الشيوعي اللبناني.

عرب 48: ولكن حزب الله الذي تشكل من الخلطة "الغريبة العجيبة" تلك، التي يوحدها الشعور بضرورة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، قطع أيضًا شوطًا كبيرًا من التطور؟

كناعنة: التطور الأساس لدى حزب الله هو تطور خطابه من خطاب جهادي أصولي، إلى التركيز أكثر على مشروع المقاومة كنقطة التقاء بين تلك المجموعات القادمة من خلفيات مختلفة، وكنقطة ارتكاز لفتح نقاش وأخذ ورد مع حركات وأحزاب وطنية وقومية ويسارية أخرى، ليست لها لغة مشتركة مع الحركات الأصولية، على الأقل من ناحية نظرية، ولكن عند الحديث عن مقاومة فإنها ممكن أن تشكل نقطة ارتكاز لكل تلك المشاريع.

عرب 48: ولكن بالرغم من ذلك بقي حزب الله حزبًا دينيًا ؟

كناعنة: هو ركز على الخطاب المقاوم المنفتح نسبيًا ولم ينقطع عن أصوله الدينية، ولو فعل ذلك لما بقي حزب الله وأصبح شيئًا آخر.

عرب 48: ومذهبيًا بشكل أو بآخر أيضًا؟

كناعنة: طبعًا، وهذه المعضلة التي يعيشها حزب الله اليوم نتيجة للأحداث المستمرة منذ أكثر من شهر في لبنان، وهي معضلة وأزمة تحتدم في ظل الحراك الشعبي اللبناني (الثورة) لدى حزب الله دون غيره من القوى اللبنانية الأخرى، واصطفافاتها معروفة مسبقًا، في حين أن الشارع "يعشم" بأن يقف حزب الله معه، ويرى بموقفه وسلوكه الحالي مخيبًا للآمال.

هذه المعضلة كانت قائمة دائمًا لدى حزب الله، الذي وصفته في السابق بأنه واقع بين قمقم الطائفة ومارد المقاومة، والحراك الشعبي يفاقم هذا التناقض، وربما يضعه على مفترق طرق غير مسبوق، فهو يتحدث عن أفق واسع ويعتبر نفسه وريثًا لتيار المقاومة العربية منذ عهد عبد الناصر. 

فقد أشرت في الرسالة إلى كيف ورث واستخدم أغاني عبد الحليم حافظ من تلك الفترة، كجزء من الموروث الثوري للناصرية والقومية العربية، ومن جهة ثانية يأخذوه إلى زواريب الطائفية اللبنانية وقمقمها.

عرب 48: هو يرسب في الامتحان الأولي، كما يبدو، وإذا ما تطور الحراك اللبناني إلى حالة ثورية أرقى، سيترتب عليه الاختيار فعلا بين القمقم الطائفي والفضاء الثوري الرحب؟

كناعنة: هو موجود بين المطرقة والسندان، بعد أن اضطر لحماية ظهره إثر خروج النظام السوري من لبنان عام 2005، بدخول الحكومة اللبنانية التي كان يستنكف عن دخولها، مكتفيًا بالمشاركة في البرلمان.

الصفقة كانت الحفاظ على سلاح المقاومة مقابل التنازل عن السلطة ومناصبها ومنافعها، أو "أنتم تتدبروا أنفسكم الداخل". ولكن بعد 2005 وذهاب الظهر الذي كان يسنده، أصبح مضطرًا لدخول كافة زواريب السياسة اللبنانية، بكل ما يعنيه ذلك من غوص في المحاصصة الطائفية على ما يعتريها من فساد.

عرب 48: ولذلك يغيظه شعار "كلن يعني كلن"، لأنه يضع الأصبع على الجرح؟

كناعنة: السؤال من الذي يرفع هذا الشعار، ولكنه فعلا كالذي يضع يده على الجرح ويضغط عليه، أو ينكأ الجرح كما يقولون، فحزب الله موجود في معضلة، وتطور الحراك الشعبي يفاقم من تلك المعضلة.

فحزب الله كان مضطرًا إلى عقد تحالفات وصفقات مع حركة أمل ومع جماعة الجنرال ميشال عون، ومع جماعات من الدروز، وهو بمعنى أو آخر، أصبح شريكًا في اللعبة السياسية اللبنانية الداخلية، التي تقوم على المحاصصة الطائفية، وإن كان شريكًا مختلفًا عن باقي الشركاء.

عرب 48: عودة إلى الهيمنة التي تحدثنا عنها في البداية، فالمقاومة التي دخل حزب الله الساحة السياسة اللبنانية باسم حمايتها، هي من حولته إلى طرف مهيمن يحسب له حساب في هذه الساحة؟

كناعنة: هناك الكثير من الكتابات في الأكاديميا التي تتحدث عن حزب الله كمحاولة لاستنساخ التجربة الإيرانية في لبنان، وإقامة دولة داخل دولة وولاية الفقيه وغير ذلك، وأنا أقول إنه حتى لو كان هذا هدف حزب الله في بداياته، مطلع وأواسط الثمانينيات مأخوذًا بالحرب الأهلية وبالثورة الإيرانية حديثة العهد، لكن لأن لبنان هو غير إيران، وهو بلد مكون من 18 طائفة ومذهبًا، وفيه مجتمع مدني متطور نوعًا ما مقارنة بباقي البلدان العربية، فإن ذلك كان لا بد أن يوصل حزب الله إلى نتيجة بعدم إمكانية استنساخ التجربة الإيرانية.

ولا بد أن تلك النتيجة، هي التي فتحت المجال لدخول سياسات الهيمنة حسب مفهوم غرامشي، والتي لا تعتمد على السيطرة بالقوة فقط، ولكن من خلال تحويل فكرة معينة مثل المقاومة التي يقودها، إلى فكرة إجماع عام.

المقاومة هي التي مكنت حزب الله أن يأخذ دوره القيادي في هذا المجتمع والهيمنة عليه، وليس السيطرة عليه، أو السيطرة عليه من خلال الهيمنة وليس من خلال قوة السلاح، بل من خلال قوة الفكرة.

عرب 48: قلت إن الحَراك وضع حزب الله على مفترق طرق، إلى أين تراه ذاهبًا؟

كناعنة: حزب الله ما زال أمام فرصة كبيرة لإبقاء هيمنته على لبنان وتعميقها، إذا استطاع أن "يحتوي" الحَراك، أو يحوي نفسه في الحَراك، لا أن يكون السد الذي يحمي حلفائه الطائفيين من الحَراك.


د. عبد توفيق كناعنة: باحث متخصص في دراسات الشرق الأوسط، وخصوصا في الفكر السياسي الشيعي وحزب الله في لبنان. حاصل على لقب الدكتوراه في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر من جامعة تل أبيب، وعلى الماجستير في العلوم السياسية من الجامعة العبرية في القدس الغربية، وكان باحثًا زائرًا في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا في نيويورك، ويعمل اليوم كباحث ومحاضر زائر في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة رور في بوخوم – ألمانيا، وحاصل على زمالة البحث من صندوق منيرفا الألماني.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ