د. هردل: الهرولة في التوصية على غانتس مردها ضعف المرجعية الحزبية لصالح النجومية

د. هردل: الهرولة في التوصية على غانتس مردها ضعف المرجعية الحزبية لصالح النجومية
(أ ب)

*د. رلى هردل:

*فرضية أنه كلما ازداد تمثيلنا ازدادت قدرتنا على التأثير غير صحيحة في حيز عنصري
*هناك اختلاف جوهري بين مركبات المشتركة حول ما نريده من الدولة أو داخل منظومتها
*الذهاب للكنيست هدفه تحقيق الخطاب المدني ولكنه محكوم بالسقف الوطني
*جماهيرنا تتوخى من المشتركة صياغة مشروع وطني يتحدى صهيونية الدولة


يتعمق مأزق القائمة المشتركة السياسي طردا مع ازدياد قوتها وتحسن وضعها الانتخابي الذي ترجم بـ13 مقعدا في الانتخابات الأخيرة ويتوقع أن تزداد في الانتخابات القريبة، وكان الموقف الإشكالي المتعلق بالتوصية على زعيم حزب الجنرالات ("كاحول لافان") بيني غانتس، أحد مظاهر هذا المأزق الذي ما زال حاضرا في المعركة الانتخابية الراهنة وقد يبرز بقوة فيما بعدها كما تنبئ نتائج استطلاعات الرأي المتعلقة بنتائجها.

وتشير حالة التخبط السياسي تلك إلى غياب إستراتيجية سياسية واضحة ومتفق عليها لدى مركبات القائمة المشتركة مجتمعة ومنفردة، وهو غياب سبق وانعكس على مسار أدائها السياسي وارتباك مواقفها في قضايا مصيرية سابقة.

حول تحديات العمل السياسي التي تواجه فلسطينيي الداخل عموما وإشكاليات العمل البرلماني وحدود تأثيرنا على الساحة السياسية الإسرائيلية، أجرينا هذا الحوار مع المحاضرة في العلوم السياسية في جامعة "القدس" الفلسطينية، د. رلى هردل.

"عرب 48": الصحيح أن "المشتركة" موجودة في مأزق لا تحسد عليه، حيث يبدو أن قوانين اللعبة السياسية الإسرائيلية لا تتماشى مع قوانين الطبيعة، بمعنى أنه كلما ازداد عدد النواب ازداد تأثيرهم، بل إن هناك من يصر على إبقاءهم خارج الملعب؟

د. رلى هردل

هردل: هناك مشكلة في السياسة الإسرائيلية وهذا صحيح؛ ولكن المشكلة الأكبر هو في قراءتنا للسياسة الإسرائيلية أو في غياب مثل هذه القراءة في بعض الأحيان، وفي الخطاب الفضفاض، الشعاراتي والشعبوي للقائمة المشتركة، الذي ينتقل من شعار كبير يتمثل بإسقاط بنيامين نتنياهو، إلى شعار كبير آخر يتمثل بإسقاط "صفقة القرن"، وقد يكون سبب ذلك تضخم الأنا الجماعي أو الأنا الفردي لدى بعض القيادات.

هناك وجهان للقضية يرتبط الأول بتوقعاتنا نحن، أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل من القائمة المشتركة، والوجه الآخر هو توقعاتها هي كمجموع وكمركبات من نفسها والمقصود أهدافها، موقعها وقدرتها على القيادة وقدرتها على الـتأثير.

إذًا بدأنا من هنا نكتشف أن لدينا توقعات كشعب كانت أكبر من قدرة المشتركة واستطاعتها، أولا لأن الشعوب بطبيعتها بحاجة إلى قيادة تعطيها أملًا وتشكل بالنسبة لها بوصلة، وهذا ما كان مع بداية تشكل "المشتركة"، وثانيا بسبب التوقعات الكبيرة التي زرعها خطاب قيادة المشتركة في عقلية الناخب الفلسطيني بأنه إذا ازداد وزننا العددي في البرلمان، فإن ذلك سيزيد من تأثيرنا وقدرتنا على التغيير وهو أمر ثبت أنه مغلوط تماما.

"عرب 48": ولكنه صحيح منطقيا؟

هردل: ليس وفق منطق نظام سياسي عنصري.

"عرب 48": إذا سلمت المشتركة بمحدودية التغيير السياسي في الساحة السياسية الإسرائيلية ماذا يتبقى لها؟

هردل: أن تكون قيادة. الشعوب بطبيعتها تريد قيادة سياسية، وهذا بطبيعة البشر والمجتمعات الحديثة، فهي بحاجة لمؤسسات قيادية تنظم أمور حياتها وتعطيها مجال للمشاركة السياسية والتعبير عن رأيها ومصالحها ورغباتها.

الدولة، بمفهوم الدولة الحديثة لها قيادة، بمعنى أن النظام السياسي ببنائه ومؤسساته هو الذي يقود الدولة، كذلك المجتمعات والأقليات والمجتمعات الصغيرة في داخل الدولة، إثنية أو دينية أو عرقية، فكم بالحري بغياب الدولة أو بوجودها العنصري تجاه المواطن الفلسطيني في الداخل وتعاملها معه كنصف مواطن أو كعدو.

الناس أرادت هذه الوحدة في إطار القائمة المشتركة لأنها لا تريد استمرار التناحر بين الأحزاب، وأرادت مرجعية واحدة، ولكن الأحزاب ساهمت بخلق الدور المبالغ فيه للقائمة المشتركة، وتناست أن الحديث يدور في نهاية الأمر عن قائمة انتخابية، وليس عن حكومة أو جسم تمثيلي لكل الفلسطينيين داخل إسرائيل، بل عن قائمة انتخابية إسرائيلية تسعى لزيادة تمثيلها وقوتها العددية والنوعية أيضا داخل الكنيست الإسرائيلي، ضمن النظام السياسي الإسرائيلي وضمن منظومة قوانين التعامل والمصالح داخل الكنيست الإسرائيلي، المحكومة بسقف المواطنة الذي هو أدنى من طموح الفلسطينيين.

وهذا الطموح لا يتناقض مع مطلب الفلسطيني من المشتركة بتمثيل برلماني جيد يحقق له مصالحه، فعندما نتحدث عن الكنيست نعني الشق المدني المتعلق بالقضايا اليومية والاحتياجات المعيشية أساسا.

"عرب 48": ولكن الشق المدني الذي يشكل أساس العمل البرلماني، كما تقولين، محكوم أيضا بالأفق الوطني، ولذلك فإن مجال المناورة السياسية محدود أيضا، مثل التوصية أو عدم التوصية على غانتس ودعم حكومة برئاسته من الخارج أم لا؟

هردل: التخبط في هذه المسألة ناتج عن أمرين؛ الأول ضعف الشق الوطني في رؤية البعض السياسية وتغليب المدني عليه، وهذا ما يجعل الأمور غير واضحة وبديهية بين مركبات القائمة المشتركة، فهناك اختلاف حول الجوهر والأهداف الوطنية التي نريدها من الدولة أو داخل منظومة الدولة.

فالجبهة على سبيل المثال تتحدث وتتعامل مع إسرائيل وتحاور التيار الديمقراطي داخل الكنيست، ضمن نظرتها التقليدية التي لا ترى إسرائيل كمشروع كولونيالي استعماري، بل كجزء من الإمبريالية العالمية، ولذلك لا يعنيها كثيرا أن يتشكل المشروع الوطني أو الديمقراطي، على الأصح، من إسرائيليين يهودا وعربا أو من فلسطينيين يهودا وعربا، لذلك نرى أنها لا تتشدد في التعلق بالخطاب القومي الوطني الذي يربط المدني وعلاقتنا مع الدولة، بكل ما له صلة بهويتنا القومية وبكوننا جزء من الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني.

الحركة الإسلامية الجنوبية أيضا لا تستطيع أن تضعهم في قالب كما يقولون، بينما ينادي التجمع شعاراتيا على الأقل بهزيمة الصهيونية ويعرف إسرائيل، بخلاف الجبهة والمكونات الأخرى، كمشروع استيطاني استعماري ونظام أبارتهايد، ولا ندري إذا كان يعتبر ذلك تطويرا لشعاره الذي نعرفه منذ عام 1996 والمتمثل بتحويل إسرائيل إلى "دولة لكل مواطنيها" أم أنه يصب في إطار اجتهادات جديدة تتبلور داخله.

ولكن بالمحصلة فإن تلك التباينات الجوهرية بين مركبات المشتركة نفسها والحراكات الداخلية داخل كل حزب على حدة، هي سبب حالة التخبط السياسي وعدم وضوح الرؤية الذي تعاني منه المشتركة، والذي انعكس بوضوح وما زال في مسألة التوصية على الجنرال غانتس، وما زال يرافق الموقف منه في الانتخابات الحالية.

علما بأنه في كل الأحوال فإن الذهاب إلى الكنيست يكون لترجمة الخطاب المدني وليس القومي، فنحن لا نذهب إلى الكنيست لتعزيز هويتنا الوطنية أو بناء مؤسساتنا القومية.

"عرب 48": ولكننا لا نعمل في فراغ وطني أيضا؟

هردل: صحيح، ولذلك هناك محاذير وحدود محكومة بالبرنامج الوطني، ولكن السؤال هو أين هو البرنامج الوطني؟ ولا أقصد غياب البرنامج الفلسطيني عموما، بل غياب برنامج وطني ناظم لعمل المشتركة وتكتيكاتها.

فجماهيرنا تتوخى من القائمة المشتركة كجسم تنضوي تحته الغالبية العظمى من أحزابنا، ألا ينحصر دورها بالكنيست، وأن تأخذ دورا في بناء المؤسسات الفلسطينية وصياغة مشروع وطني يتحدى صهيونية الدولة.

"عرب 48": العمل البرلماني للفلسطينيين داخل إسرائيل قضية إشكالية بطبيعتها، يزيد من ذلك محاولات الإقصاء ونزع الشرعية التي تعززت في العقدين الأخيرين، والتي تقابل بمحاولات الأحزاب العربية استعادة دورها في الملعب السياسي، مستذكرة تجربة الجسم المانع في عهد حكومة رابين الذي يحاول البعض استنساخه بأي ثمن؟

هردل: كما ذكرت، فإن اختلاف المرجعية الفكرية لكل مركب من مركبات القائمة المشتركة، والتجربة التاريخية السياسية لكل منهم، والتطلع نحو موقعنا داخل الدولة وقضية حل ما يسمى بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، هو ما يخلق الفجوة بينها في قضية الثوابت المتعلقة بالدخول أو عدم الدخول للحكومة أو تشكيل أو عدم تشكيل جسم مانع.

لذلك أتساءل حول وجود برنامج ناظم وآلية لاتخاذ القرارات، وبغض النظر عن رفع السقف الزجاجي الذي تضعه لك الدولة أم خفضه، فأنت يجب أن تعرف ماذا تريد من الدولة وكيف تتعامل مع مؤسساتها في كل مرحلة وأخرى وفق سقف تحدده أنت وليس هي.

"عرب 48": في مسألة التوصية على غانتس أعتقد أنه جرى تخطي لسقف أو قاعدة حكمت سلوك الأحزاب العربية على مدى عشرات السنين، والهروب إلى الاستثناء الذي وقع في عهد حكومة رابين رغم اختلاف الظروف؟

هردل: أعتقد أن الكل في القائمة المشتركة يعرفون أن الجسم المانع في عهد حكومة رابين انتجت شروطه فترة ما بعد أوسلو، التي أحدثت تغييرا في الظروف وفي السياق، سهلت على الأحزاب العربية أن تأخذ دورا في دعم حكومة رابين من الخارج، وهي شروط غير متوافرة اليوم.

ولكن هناك أمرين يؤثران على هذا الوعي ويصنعاه، لذلك رأينا هذا الانبطاح والهرولة في التوصية على غانتس، الأول مرده إلى ضعف المرجعية الحزبية التي تعود إلى سطوع نجوم شخصية صارت هي نفسها مرجعية لنفسها وهو ما يمثله عصر النجومية السياسية.

والسبب الثاني هو الرغبة في تحقيق أو تأثير معين رغم القناعة الداخلية بأن هذا التأثير غير ممكن، وهذا ناتج عن المأزق الذي أدخلت قيادة المشتركة نفسها فيه بتبنيها شعار "تصويت أكثر ومقاعد أكثر يعني تأثير أكبر"، وهذا غير صحيح بتاتا في الحيز اليميني الذي لا يريد أن يراك داخل الكنيست ولا في أي مكان آخر.

"عرب 48": قد يكون مقاومة الإقصاء بكل ثمن هو ما دفع إلى الهرولة؟

هردل: ربما، ولكن في الحالتين هناك تخبط وأزمة نعاني منها كشعب وكقائمة مشتركة وكقيادة، وهذا ناتج عن غياب مرجعيات سياسية.

"عرب 48": من الواضح أن تشكيل المشتركة بصفتها تتشكل من غالبية الأحزاب المشكلة للجنة المتابعة قد أضعف الأخيرة كمرجعية عليا؟

هردل: ما أضعف لجنة المتابعة أنها غير منتخبة من قبل شعبها، إضافة إلى أنه خلال عقود لم يتم صياغة لجنة المتابعة بشكل قانوني بحيث تكون جسم تمثيلي للفلسطينيين في الداخل.

هذا ناهيك عن وجود منافسة بين المشتركة والمتابعة، وهناك أجزاء من المشتركة لا تحبذ بالضرورة إعادة صياغة المتابعة بحيث تكون جسما تمثيليا قويا، بالمقابل فإن لجنة المتابعة بسبب تركيبتها الحالية، وأيضا كأشخاص، لا يريدون الدخول في تحد وصراع مع المشتركة، إضافة إلى عدم وجود اتفاق بين المركبات حول كيفية إعادة صياغة المتابعة بحيث تكون مرجعية وطنية.


*د. رولى هردل: أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة القدس، أبو ديس، ورئيسة قسم الخدمة الاجتماعية في نفس الجامعة. حاصلة على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هانوفر في ألمانيا عام 2013، ومحاضرة زائرة في جامعات عديدة في ألمانيا، واليابان والبرتغال. عضو مجلس البحث العلمي في جامعة القدس ومحررة مشاركة لمجلة الجامعة للبحوث الأكاديمية.