د. نجمة علي: نزع الشرعية عن الكنيست يكون من داخله

د. نجمة علي: نزع الشرعية عن الكنيست يكون من داخله
(أرشيفية - أ ب)

*د. نجمة علي:
> انتخابات الكنيست تكتيك يفترض استعماله إلى حين بناء إستراتيجيات بعيدة المدى
> لا معنى للمقاطعة ونزع الشرعية بدون المشاركة
> الانتخابات وسيلة لصيانة الأحزاب كأدوات تنظيم وعمل سياسي
> تضاؤل الأحزاب سيعيد التشكيلات العائلية والطائفية لاحتلال القرار السياسي
> المواطنة تعني أيضا حقك كمواطن بنزع الشرعية ورفض العقد الاجتماعي


في سياق مناقشة انتخابات الكنيست، أشارت د. نجمة علي في مقال نشرته إلى قضيتين هامتين، يغفلهما البعض، الأولى: أن المشاركة في الانتخابات تتيح للفلسطينيين تنظيم أنفسهم داخليًا، وإجراء مناقشات سياسية، والضغط من أجل حقوقهم المدنية والوطنية في إسرائيل وخارجها، مشيرة إلى أنه لا ينبغي النظر إلى المشاركة على أنها موقف مبدئي، وإنما تكتيك لاستخدامه حتى تنشأ الفرص لتبني إستراتيجيات بعيدة المدى. وبشكل أساسي، يجب على الفلسطينيين التأكد من خلق أرضية سياسية مناسبة، لأن فعل الرفض دون بناء بديل قوي ينشئ سلبية سياسية تشكل خطرا على الشعب المستعمر والمحتل والمضطهد.

د. نجمة علي

والقضية الثانية هي أن مقاطعة الانتخابات قد تؤدي إلى تضاؤل الأحزاب العربية، الأمر الذي قد يفضي إلى فراغ في القيادة. وأنه على الرغم من الانتقادات والإحباطات، لا تزال الأحزاب تعمل كآلية تنظيم رئيسية للقضايا السياسية والاجتماعية والمدنية والوطنية. وحذرت من أن تؤدي الأحزاب الضعيفة إلى تقوية المجتمعات الأسرية والطائفية وآليات تنظيمها السياسي، مثل الحمولة (العشيرة) والمختار (الشيوخ) والتي كانت تاريخيًا عرضة للاختلاس من قبل النظام الإسرائيلي وتشجيع التفتت، ومن أن يملأ الفراغ في القيادة فلسطينيون يعملون داخل الأحزاب الصهيونية ومن أجلها.

لاستيفاء النقاش حول وجهة النظر تلك والقضايا التي تناولتها، أجرينا هذا الحوار مع د. نجمة علي، وهي باحثة في العلوم السياسية، أنهت مؤخرا دراستها وحازت على شهادة الدكتوراة في جامعة "أوتاغو" في نيوزيلندا، عن بحثها في موضوع "القوة الكامنة للمقاومة الفلسطينية في إسرائيل"، الذي تركز في الجيل الثالث للنكبة.

"عرب 48": من أين ينبع التخوف من أن تؤدي مقاطعة الانتخابات إلى تضاؤل الأحزاب وتعزيز البنى التقليدية للمجتمع مثل العائلية والطائفية وأن تحل محلها في موقع اتخاذ القرار؟

علي: عندما نتحدث عن الأحزاب نعني المنظومة الأساسية للعمل السياسي التي تتم بواسطتها ممارسة السياسة، وعندما نتحدث عن الانتخابات لا نعني قيام المواطن بالإدلاء بصوته في صندوق الاقتراع ثم فتح الصناديق وفرز النتائج وفوز هذا المرشح أو ذاك فقط، وإنما هي صيرورة ممارسة لبناء سلوك سياسي معين.

لذلك من المهم أن تكون انتخابات مجالس محلية وبرلمانية ونقابية وغيرها، لأن هناك جانب معين في السلوك السياسي يبقى لدى المجتمع كمجتمع، وهو أمر غير موجود اليوم في المواقع الفلسطينية الأخرى.

وتكمن أهمية الأحزاب في أنها تحافظ على وجود عمل وسلوك وممارسة سياسية عموما وفي كل المستويات، وتكمن أهمية الانتخابات في أنها تحافظ على هذه الأحزاب وتوفر لها الصيانة الضرورية والهيكلية اللازمة للحياة السياسية.

وبدون انتخابات أو دون المشاركة في الانتخابات هناك خطر حقيقي أن تتآكل الأحزاب ويتضاءل حجمها ويفسح المجال للبنى والأطر التقليدية، مثل العائلية والطائفية والمناطقية، الحاضرة في المجتمعات "الجماعية" مثل مجتمعنا، لملء هذا الفراغ واحتلال مواقع اتخاذ القرار السياسي.

هذا ناهيك عن انتعاش مجموعة المنتفعين "المتأسرلين" المتذيلين للأحزاب الصهيونية، وكلنا يذكر القوائم العربية المرتبطة بـ"مباي" وحزب العمل لاحقا.

"عرب 48": ولكن التجربة أثبتت أن هناك حياة خارج الكنيست، مثال الحركة الإسلامية الشمالية وحركة "أبناء البلد"؟

علي: بالنسبة لـ"أبناء البلد"، يُسأل السؤال كم استطاعت هذه المجموعات من التوسع والحفاظ على قاعدة جماهيرية، وعلاقة ذلك بعدم خوضها لانتخابات الكنيست.

أما بالنسبة للحركة الإسلامية الشمالية، فقد كان لديها مشروع مغاير له أبعاد أخرى، هو ما أطلقت عليه "المجتمع العصامي"، ولن أدخل في مظاهر قوته ومكامن ضعفه الآن، ولكنه لا يشمل كل مركبات المجتمع الفلسطيني.

"عرب 48": ما أردت قوله إن هناك نماذج لنجاحات حزبية خارج الكنيست وهناك نماذج لمخترة سياسية معها، ونحن نشهد تآكل للعمل الحزبي التنظيمي والميداني، الشبابي والطلابي والثقافي والجماهيري، وكيف تتحول أحزابنا إلى مجرد قوائم أو قائمة كنيستية، لا حول لها ولا قوة رغم ازدياد عدد مقاعدها؟

علي: المظاهر التي تتحدث عنها هي نتيجة رياح النيولبرالية بما تحمله من فردانية ونجومية والتي تجتاح العالم وتتأثر بها الدول والأحزاب والتجمعات السياسية كافة ونحن منها، وهي نزعات يجب مقاومتها وتعزيز العمل الحزبي التنظيمي والجماهيري والشبابي وغيره، لأننا كشعب وكأقلية عددية داخل الدولة لا نستطيع أن نسمح لأنفسنا بالانجراف خلف هذه المظاهر التي لن تساهم في تعزيز نضالنا وصمودنا.

وأنا أتحدث عن أهمية، بمعنى استغلال انتخابات الكنيست من أجل صيانة وتعزيز أحزابنا كقوى وأدوات سياسية حديثة لتنظيم وقيادة المجتمع وخوض معركته السياسية وليس العكس، لكن يجب أن ندرك أن هناك سقف للكنيست فنحن لا نذهب إلى هناك لتحرير فلسطين.

وجودنا بالكنيست مهم لقضيتين، الأولى تتعلق بالتنظيم الداخلي لجماهيرنا لأننا مواجهتنا لمشروع منظم تتطلب منا أن نكون منظمين، والثانية تتعلق بنزع الشرعية وقد تستغرب أني أتحدث عن الذهاب للكنيست لنزع شرعيته، ولكن في الحقيقة أنه لكي تستطيع نزع الشرعية عن مكان أو إطار معين يجب أن تكون فيه وجزءًا بل جزءًا كبيرًا منه.

وأنا أعتقد أن تحول القائمة المشتركة إلى أكبر كتلة معارضة، في ظل حكومة "وحدة قومية" وتعليق عملها في الكنيست على خلفية قرار أو تشريع معين، على غرار "قانون القومية" وتسويق هذا الإجراء دوليا بشكل جيد سيضرب شرعية الكنيست عالميا.

وأنا أدعي أنه بدون فعل التصويت لا يوجد وزن للمعارضة ولا يوجد وزن للمقاطعة، لأن إسرائيل بإمكانها أن تدعي أنها كـ"دولة ديمقراطية"، لا تستطيع أن تجبر الناس على التصويت ولكنها تمنحهم هذا الحق.

"عرب 48": هذا صحيح من وجهة النظر التي ترى في المشاركة بالكنيست "موقف تكتيكي"، كالذي تحملينه، وليس موقفا مبدئيا لا يسمح لنفسه أو لغيره مجرد التفكير بتعليق العمل في الكنيست ومحاولة نزع الشرعية عنها، وهو ما شهدناه لدى إقرار "قانون القومية" وكيف جوبهت دعوات تعليق العمل في الكنيست، إذا ما استثنينا التعليق الخجول الذي قام به التجمع؟

علي: استعمال المقاطعة في حالات معينة ومجالات معينة فعل شرعي استعمل في إيرلندا ومواقع أخرى لنزع الشرعية، ونحن كأقلية عددية إذا ما نظرنا للموضوع من زاوية الممارسة السياسية الكلاسيكية، للوهلة الأولى لا نستطيع عمل أي شيء، ولكن بالميزان النوعي نستطيع استعمال المعارضة وتحويل خطاب المواطنة إلى إستراتيجية مقاومة.

وقد كان من الخطأ عدم تعليق القائمة المشتركة لعملها في الكنيست على خلفية تشريع "قانون القومية"، على العكس يجب أن لا يكون لدينا الجرأة فقط بالضرب على الطاولة والقول نريد أن نكون مواطنين، وهذا يعيدنا إلى أساسيات نظريات المواطنة التي تتساءل أيهما المواطن الجيد، من يقبل ما تقوله حكومته والمنظومة السياسية الحاكمة أو الذي يعارضها، وقد حان الوقت أن نكون نحن معارضة فعالة لأن البقية "يمشون بالتلم".

وأنا أعتقد أن تعليق العمل بالكنيست احتجاجا على "قانون القومية"، كان ليكون لو تم استعماله من أهم طرق الاحتجاج الذي يجب أن نمارسها، وأقل ما يمكن أن نفعله ردا على هكذا قانون عنصري، طبعا شريطة أن يترافق ذلك مع حملة دولية مكثفة لنزع الشرعية عن الكنيست.

"عرب 48": تتحدثين عن تحويل المواطنة لإستراتيجية مقاومة وعن نزع الشرعية، وهذا خطاب غير قائم في ميزان المشتركة أو الجهات اللاهثة وراء غانتس؟

علي: أنا أرى أولا أن المواطنة والخطاب المدني هما جزء لا يتجزأ من الخطاب الوطني، وهناك إشكالية كبيرة في الفصل بين المسألتين وتحويل المواطنة إلى مشاركة في العمل السياسي فقط، فالمواطنة هي حقك كمواطن أن تنزع الشرعية، وعندما تشارك تستطيع أن تقول أنا لا أريد، وأن تفرط وترفض العقد الاجتماعي كله وتقول أنا لا أريد أن أكون جزءًا من هذا العقد.

المشكلة هي في كيفية تسويق المواطنة وكأنها تعني فقط أن تكون جزءًا من شيء وهذا خطأ، وهنا توجد حاجة للجرأة. والجرأة تعني أن ترفض وأن تطرح أشياءً جديدة والشيء الجديد الذي يجب أن يطرح اليوم من قبلنا هو مشروع شامل لما يجب أن يكون في هذه البلاد.

"عرب 48": عودة إلى القصية الأولى التي قفزنا عنها والمتعلقة بنظرتك إلى المشاركة كتكتيك يفترض استخدامه حتى تنشأ الفرص لتبني إستراتيجيات بعيدة المدى..

علي: أكرر أن المحافظة على الأحزاب السياسية والانخراط في النظام السياسي، والتصويت للكنيست هي أولوية، على الأقل على المدى القصير والمتوسط، لأن المطالبة بتغيير الآلية السياسية في الوقت الحاضر هو نوع من المجازفة، فلا يمكن ترك الكنيست دون تخطيط، وفي سياق مجتمع منهك وثقته في قيادته مهزوزة، وفي ظل انعدام رؤية سياسية ودعم إقليمي ودولي، يجب التفكير مليًا في أي تغيير مطروح والأخذ بعين الاعتبار النتائج المترتبة عليه.

وبعيدا عن رومانسية الصمود، يوجد مقومات وتحديات لا يمكن تجاهلها، كذلك فإن الربط بين اليومي والقومي، بين الخاص والعام، وبين المدني والسياسي يقع في لب تسييس المجتمع الفلسطيني في الداخل، ولا يمكن أن يحصل بتجاهل القضايا اليومية وتأطيرها ضمن الإطار العملي للمواطنة فقط، أو الخطاب النظري لحركة المقاطعة، بل بتسييس القضايا اليومية والتعامل معها على أنها نقطة قوة إن لم تكن المفتاح لتحشيد الجماهير، ضمن توجه عملي يرى فيه الفرد التقاء مصلحته الخاصة بالعامة والتحامهما سويا في إطار مشروع وطني فلسطيني شامل.


*د. نجمة علي: ناشطة سياسية وأكاديمية مختصة في العلوم السياسية ودراسات الصراع والمقاومة. عملت كباحثة في المركز الوطني لدراسة الصراعات في جامعة أوتاغو- نيوزيلندا، حيث حازت على درجة الدكتوراة عن بحثها حول "القوة الكامنة للمقاومة الفلسطينية في إسرائيل"، الذي يرتكز على السلوك المقاوم للمضطهدين وقدرتهم على خلق تغيير حقيقي، لا سيما في أوساط الناشطين الفلسطينيين في إسرائيل. تعمل مع عدة مراكز أبحاث وهي محللة سياساتية في شبكة السياسات الفلسطينية.