حوار | العرب هم الأكثر تضررا من الأزمة الاقتصادية الناتجة عن كورونا

حوار | العرب هم الأكثر تضررا من الأزمة الاقتصادية الناتجة عن كورونا
محال تجارية مغلقة في سوق الكرمل في تل أبيب (أ ب)

*د. عاص أطرش:

> مطلوب "خطوات إسعاف" سريعة للحفاظ على مصادر الدخل والأنشطة الاقتصادية العربية
> الثمن الذي سندفعه سيكون مضاعفا لأننا عرب ونسكن في الأطراف أيضا
> المرحلة القادمة تتطلب شد الأحزمة والمزيد من التكافل الاجتماعي
> الأزمة فرصة لمراجعة الأنماط الاستهلاكية والعادات شرائية


تشير توقعات المراجع الاقتصادية إلى أن نتائج فيروس كورونا ستكون بالغة الخطورة على الاقتصاد العالمي، وأن تداعياتها ستستمر لسنوات طويلة. وكانت ​منظمة التعاون الاقتصادي​ والتنمية قد خفضت توقعاتها لنمو 2020 إلى النصف، من 2.9% إلى 1.5%، ثم عادت وخفضتها إلى أكثر من الصفر بقليل.

وأكدت تلك المصادر أن الاضطراب الاقتصادي المفاجئ الذي سببه الفيروس التاجي الجديد، مدمر بشكل كبير، وأن الإجراءات التي اتخذتها الدول لمكافحة تفشي المرض مثل إغلاق الحدود والعزلة والحجر الصحي، مهمة لإنقاذ الناس، لكنها جعلت الأمور أسوأ بالنسبة للاقتصاد، وأنها أدت إلى إغلاق قطاع اقتصادي تلو الآخر.

وتوقع أمين عام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أنجيل جوريا، استمرار التأثير الاقتصادي السلبي الناجم عن تفشي فيروس كورونا المستجد في مختلف أنحاء العالم لفترة طويلة حتى لو وُجِدَ علاج للفيروس في القريب العاجل.

وقال جوريا: "نأمل أن نتخلص من الوباء في غضون الشهرين والثلاثة أشهر المقبلة، ولكن السؤال الآن هو: كم سيكون آنذاك عدد الأشخاص العاطلين عن العامل، وكم سيكون عدد المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي ستعاني موقفًا بالغ السوء أو ربما قد تختفي تمامًا؟".

حول تأثير فيروس كورونا على الاقتصاد الإسرائيلي وتداعيات ذلك على العرب في الداخل الفلسطيني، أجرينا هذا الحوار مع الباحث في مجال الاقتصاد د. عاص أطرش.

"عرب 48": ماهي التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للأزمة على الاقتصاد الإسرائيلي؟

أطرش: الوضع الاقتصادي في إسرائيل كان جيدا بالعموم قبل الأزمة، حيث يشهد الاقتصاد الإسرائيلي منذ عقد من الزمن استقرارا وتنمية مستدامة، تم التعبير عنهما بازدياد الناتج الإجمالي المحلي الذي كان يسجل ارتفاعا سنويا بين 3-4%، الأمر الذي أثر إيجابا على كل المجتمع حيث كانت نسبة التشغيل كاملة تقريبا، ولم تسجل معدلات بطالة سوى البطالة العادية التي تقل عن 4%.

د. عاص أطرش

أزمة الكورونا ألقت بظلالها على كل العالم وعلى اقتصادات جميع الدول بما فيها إسرائيل، ومن المتوقع أن يكون لها تأثيرات بعيدة المدى، وإذا ما قارناها بأزمة العقارات التي وقعت في 2008- 2009 نجد أنها (أزمة كورونا) أصعب بكثير، حيث تمكنت حينها إسرائيل من الخروج من الأزمة بفترة قصيرة نسبيا.

الوضع أصعب بكثير هذه المرة على ضوء الخطوات التي اتخذتها الحكومة لمواجه الوباء، ومنها إخراج العمال لإجازات بدون راتب. ومن غير المعروف حتى الآن متى ستنتهي الأزمة وسترفع هذه الإجراءات وكم سيكلف ذلك الاقتصاد الإسرائيلي، حيث نتحدث اليوم عن أكثر من مليون عاطل عن العمل، ربع القوى العاملة في إسرائيل خرجت إلى سوق البطالة.

علاوة على التأثيرات طويلة الأمد لوجود هذه الأعداد من العمال في سوق البطالة، هناك تأثيرات لذلك على الناتج الإجمالي المحلي الفوري والبعيد المدى أيضا، حيث من المتوقع أن يكون هناك تراجعا في معدلات النمو بنسب عالية، الأمر الذي سيقود إلى ركود اقتصادي، خاصة أننا نتحدث عن معدلات نمو سلبية ستزيد عن 3-4% ما يعني تراجعًا كبيرًا سيتأثر به جميع المواطنين.

"عرب 48": هذا ناهيك عن أن الدولة ستفقد احتياطاتها المالية لأجل تغطية مخصصات البطالة لهذا الكم الهائل من العاطلين عن العمل..

أطرش: كان لدى الحكومة الإسرائيلية لغاية 31 كانون الأول/ ديسمبر 2019، حوالي 120 مليار دولار في الاحتياط، وربما ازدادت خلال الأشهر الأولى من العام 2020، وهذا المبلغ يكفي لدفع مخصصات البطالة لبضعة أشهر، ولكن إنفاق الاحتياط المالي له تأثير على الاقتصاد الإسرائيلي، في مجال الاستقرار المستقبلي وعلى الخطط المستقبلية الاقتصادية عموما.

لا ننسى أن إسرائيل مرت بسنة متواصلة من الانتخابات المتكررة (ثلاث مرات خلال أقل من عام) وحتى الآن لا توجد ميزانية للحكومة، فيما يتم الصرف وفق معادلة 12\1 شهريا من الميزانية السابقة، وهم عمليا سيخرجون أو خرجوا عن هذا الإطار، لأن التقديرات الأولية تشير إلى أن الأزمة وفق التقدير الحالي ستكلف الدولة 90 مليار شيكل، علما بأن هناك تقديرات تفيد بأن الرقم سيكون أعلى من ذلك بكثير.

"عرب 48": ماذا سيكون انعكاس الأزمة وآثارها على العرب في إسرائيل كعمال ومصالح وحركة اقتصادية؟

أطرش: عموما، الفئات والطبقات الضعيفة هي التي تتأثر بالأزمة الاقتصادية أكثر من غيرها، والعرب في إسرائيل هم من تلك الفئات؛ فهم يسكنون في الضواحي ويعانون من تمييز على أساس قومي ويقع 50% منهم تحت خط الفقر.

القوى العاملة العربية تتركز أساسا في بعض القطاعات، مثل: البناء، الصناعة وتجارة التجزئة (الدكاكين والمحلات الصغيرة والكراجات)، وخدمات الضيافة، ونحن نرى أن هذه القطاعات - باستثناء البناء الذي لم يتضرر حاليا لاستمرار العمل فيه كقطاع حيوي - توقف العمل بها بالكامل، وهي قطاعات تشغل ثلث القوى العاملة العربية، علما بأن الضرر سيلحق بقطاع البناء مستقبلا بسبب الركود الاقتصادي وانخفاض الطلب على الشقق السكنية.

هذا الوضع سيؤثر على مداخيل السكان العرب في البلاد، الذين تقع أصلا نسبة كبيرة منهم تحت خط الفقر مما سيزيد الطين بلة بالنسبة لهم ويعمق من معاناتهم.

"عرب 48": وما هو تأثير الأزمة على المصالح الاقتصادية في المجتمع العربي؟

أطرش: معروف أن الأنشطة الاقتصادية في القرى والمدن العربية هي عبارة عن مصالح صغيرة وصغيرة جدا، تعتمد على عدد محدود من العمال عادة ما يكونوا من أفراد العائلة، هذه المصالح باستثناء تلك التي تعتمد على إنتاج وبيع المواد الغذائية، تضررت بالكامل وتوقف نشاطها بسبب الإغلاق، ومن غير المعلوم مصيرها بعد انتهاء الأزمة، والواضح أن من سينجو منها سيكون قد تأذى بشكل كبير أيضا.

الاقتصاد العربي، إن صح تسميته كذلك، يقع على هامش الاقتصاد الإسرائيلي، ومن الطبيعي أنه في الأزمة يتم أولا "قصقصة" الهوامش، ولذلك كنا قد رأينا بعض الانتعاش في المجتمع العربي في الآونة الأخيرة، لأن الاقتصاد الإسرائيلي شهد مرحلة نمو كبيرة نسبيا دفعت بعض الدماء في شرايين الهامش العربي.

هذا ناهيك عن وقوع العرب جغرافيا في الضواحي، الجليل شمالا والنقب جنوبا بعيدين عن المركز الاقتصادي الإسرائيلي، وريثما يتعافى هذا القلب - المركز - ويبدأ بضخ الحياة للأطراف سيأخذ بعض الوقت، ربما سيقع العرب خلاله في ضائقة اقتصادية.

"عرب 48": تحدثت عن تأثيرات بعيدة المدى، على الاقتصاد الإسرائيلي عموما وعلى العرب بشكل خاص؟

أطرش: نحن نعرف أن مداخيل الأسر العربية هي أقل من مداخيل الأسر اليهودية، كما أن مديونيات العرب للبنوك هي أكثر نسبيا، ولذلك فإن أزمتهم الناتجة عن الأزمة الاقتصادية العامة ستكون نتائجها أكثر فداحة، قد تصل إلى دخول أعداد أكبر تحت خط الفقر وإلى المس بلقمة العيش لدى بعضهم، وليس صدفة أننا بتنا نشهد نشاط لجان الإغاثة وتوزيع مواد غذائية.

بتقديري فإن الأزمة ستعيد المجتمع العربي سنوات إلى الوراء وستزيد من تعمق الفجوة القائمة بينه وبين المجتمع اليهودي بشكل كبير، إذا لم يتم اتخاذ خطوات إسعاف سريعة للحفاظ على مصادر الدخل والأنشطة الاقتصادية الموجودة في المجتمع العربي.

"عرب 48": ماذا تقصد بخطوات إسعاف سريعة، وما هي آليات ترجمة ذلك على أرض الواقع؟

أطرش: الآليات ليست جديدة وتحدثنا عنها دائما، مثل: إقامة مناطق صناعية في القرى والمدن العربية، إقامة صناديق استثمار وصناديق قروض بشروط خاصة لدعم المصالح العربية، تأهيل الأيدي العاملة وإقامة مصالح لاستيعاب الأيدي العاملة.

هي خطوات جرى الحديث عنها طوال الوقت، واليوم آن الأوان لتسريع تنفيذها وإلا فإن المجتمع العربي سيدخل في أزمة عميقة يستغرق الخروج منها سنوات طويلة.

"عرب 48": رب ضارة نافعة، كما يقولون، هناك أنماط وعادات هجرناها منذ سنوات وأعادتنا الأزمة والإغلاق إليها من جديد، مثل، دكانة الحي الواقعة في مجال الـ100 متر المسموحة، والمحلات الواقعة داخل البلدة العربية، التي تركناها لصالح المجمعات التجارية الكبيرة، أعتقد أن ترسيخ تلك الأنماط ومواصلة العمل بها سيفيد اقتصادنا لاحقا؟

أطرش: هناك أنماط استهلاكية وعادات شرائية تغيرت وترسخت، بينها الشراء المُركز من التجمعات الكبيرة، والاستهلاك الزائد عن الحد، الأزمة وتداعياتها والصدمة التي سببتها هي فرصة لمراجعتها، أولا لأن الوضع ما بعد الأزمة يتطلب إعادة تنظيم ميزانية الأسرة وملاءمتها للمداخيل، وهذا سيتطلب منا الاقتصاد قدر المستطاع في الاستهلاك، وثانيا لأننا اكتشفنا أهمية أن تتوفر لك اللوازم الضرورية في بلدك وفي محيطك القريب، وهناك ضرورة أن نخدم من قام بخدمتنا خلال الأزمة ونعزز بذلك من مصالحنا المحلية ونمكنها من تجاوز الأزمة القادمة.

"عرب 48": تقول إن ما كان لن يكون، ويجب أن نستعد لأن نطوي أرجلنا لأن لحافنا قد قصر؟

أطرش: صحيح، المواجهة يجب أن تكون على مستويين، مستوى المجتمع والجماعة بأن نعمل على صيانة "البنية الاقتصادية" الموجودة على هشاشتها، ومستوى الفرد والأسرة بتغيير أنماط الاستهلاك والعادات الشرائية لنتمكن من العبور هذه المرحلة بأقل خسائر.

لأن الحديث سيكون عن إغلاق مصالح تجارية وتسريح عمال إلى سوق البطالة، ونحن نعرف من يتم الاستغناء عنهم أولا، العرب والنساء، حيث سيتضرر عمل النساء بالعموم والمرأة العربية بشكل خاص، التي كان لزيادة خروجها إلى سوق عمل تأثير كبير على ارتفاع مستوى الحياة في مجتمعنا.

"عرب 48": إذن، الأطراف والعرب والنساء هي القطاعات الأكثر تأثرا بالأزمة وأكثر من سيدفع الثمن، والعرب سيدفعون ثمن كونهم عرب وكونهم يسكنون في الأطراف وكون جزء من القوى العاملة بينهم من النساء، وكون البنية الاقتصادية المتمثلة بالأنشطة المحلية هشة أيضا؟

أطرش: مثلما تجلت هشاشة البنية الصحية في المجتمع العربي في الأزمة الصحية، ستبدو هشاشة البنية الاقتصادية في الأزمة الاقتصادية التي ستعقبها، ووقوعنا على هامش الاقتصاد الإسرائيلي.

ولذلك يجب علينا تهيئة أنفسنا لأيام صعبة قادمة، ليس فقط على صعيد شد الأحزمة والمزيد من التكافل الاجتماعي، بل على صعيد توفير مقومات الدعم والتعزيز للحفاظ على البنية الاقتصادية القائمة ودعم المصالح العربية ومساعدتها لتخطي المرحلة الصعبة.


*د. عاص أطرش: حاصل على شهادة الدكتوراة في الاقتصاد من الجامعة العبرية في القدس، عمل محاضرا للموضوع طيلة سنوات في جامعة النجاح الوطنية في نابلس ويدرس الموضوع حاليا في كلية كنيرت، وهو مدير مركز يافا للأبحاث واستطلاعات الرأي.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"