حوار | هي "فوضى" و"البلد ليست بخير"

حوار | هي "فوضى" و"البلد ليست بخير"
أثناء تصوير "فوضى" (أ ب)

راضي شحادة:
> لماذا يساهم فنانونا في تسويق كوماندوز المستعربين "فوضى" ومهاجمة "بي دي إس"؟
> بطل المسلسل وأحد كاتبي السيناريو جندي سابق في وحدة المستعربين
> المسلسل حظي بتكريم الرئيس الإسرائيلي واللوبي اليهودي "أيباك"
> لم يجرؤ الفنانون العرب المشاركون في المسلسل على الدفاع عن موقفهم


يصف الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله الذي يتابع الأدب والإنتاج الصهيوني، تجربة مشاهدة مسلسل "فوضى" الإسرائيلي، بـ"الاستثنائية"، لأن المسلسل كما يصفه هو، فوضى عارمة في قدرته على تسخيف التاريخ، والمسار الحقيقي للأحداث، وفهمه لمنطلقات الصراع؛ في فهمه للماضي، وفهمه للحاضر، واستغلاله للدراما الرخيصة وهو يتعامل مع حكاية كبرى، كالحكاية الفلسطينية.

ويقول نصر الله، في مقاله بعنوان "مسلسل ‘فوضى‘ الإسرائيلي... أسطرة الصهيوني وتسخيف الفلسطيني"، "لا تاريخ هنا في المسلسل، ولا جذور للقضية، هنا مجموعتان تخوضان صراعًا، لا يختلف عن أي صراع في فيلم من أفلام عصابات المافيا: قتل، تهديد، إغواء، ثأر شخصي، عنف، حركة، جنس، مؤامرات، إسقاط؛ ثم صلابة، وبطولة، وهما مقصورتان على أفراد وحدة المستعربين، أما الآخرون فهم إرهابيون بكل ما تعنيه الكلمة، وغير إنسانيين إلى درجة أن القائد الفلسطيني المتخفّي، لا يتردد في إعطاء الأمر بتفجير الأسير الصهيوني، مع أن ابنته الصغيرة التي اختطفتها المجموعة الصهيونية لتهديده، يلتفّ على وسطها الصغير حزام ناسف ثبّته دورُن. ولنصل إلى أن زوجته، ومقابل علاج الصغيرة في مستشفى هداسا الصهيوني، تتخلى عن زوجها وفلسطين كلها، وتهاجر إلى ألمانيا!".

أثناء تصوير "فوضى" (أ ب)
أثناء تصوير "فوضى" (أ ب)

ويعتبر نصر الله "من الأشياء المحزنة حقا، هو وقوع عدد من الممثلات والممثلين الفلسطينيين في فخ القبول بلعب أدوار في هذا المسلسل المكشوف، بحيث لا يمكن لسذاجة أي منهم، إن كانت موجودة، أن تكون عذرا للمشاركة في هذا المسلسل المعادي لفلسطين، ولكل ما هو فلسطيني".

وكانت شبكة الفنون الأدائية الفلسطينية قد عبّرت عن استهجانها واستنكارها الشديدين، لما وصفتها بالمشاركة المشينة لبعض الفنانين/ات والممثلين/ات الفلسطينيين في الإنتاج الصهيوني المتمثل بمسلسل "فوضى"، الذي يعرض الجزء الثالث منه الآن على شبكة "نتفليكس" والذي يصور جرائم الاحتلال على أنها بطولات، واستغربت استخفاف هؤلاء بالدعوات والنداءات التي دعتهم للانسحاب، وتتويج ذلك بأغنية باللغة العربية تتهجم على حركة المقاطعة "بي دي إس".

الفنان راضي شحادة كتب مقالا بعنوان "احذروا الفوضى واللعب مع كوماندوز المستعربين" يقول فيه إن هذا أخطر مسلسل يعمل على أسلوب المخابرات الذكية التي تلعب على الوتر الإنساني، وتوهمك أنّها تواجه عدوًّا قويًّا لكي تبّرر أنّها قادرة عليه وأقوى منه وأنّه يستحقّ القضاء عليه بكل الوسائل، وتنتهي اللعبة معه بالانتصار عليه، كما هو الحال في الأفلام "الهولووديّة" عن فيتنام، وأفلام "رامبو" الأميركي القوي الذي لا يُقهر، والذي يَدّعي أنّه يسعى لتحرير العالم من الإرهاب واللاإنسانية.

ورصد شحادة مشاركة 94 اسما عربيا لفنانين من فلسطينيي الـ48 والقدس المحتلة والجولان المحتل في المسلسل، من بينهم فنانون معروفون مثل هشام سليمان ويوسف أبو وردة وسليم ضو، الأمر الذي يعكس على ما يبدو "فوضى" داخلية ومأزقا حقيقيا يعتري الساحة الفنية والثقافية في الداخل.

حول مأزق فناني الداخل والفوضى الذي يعتور الساحة الفنية والثقافية كان هذا الحوار مع الفنان والمسرحي راضي شحادة:

"عرب 48": من الواضح أن الفنانين وجميع المشتغلين بالثقافة والإبداع عموما في الداخل الفلسطيني، يعيشون صراعا حقيقيا بين التزامهم الوطني وعملهم المهني الذي يعتاشون منه بحكم اختلاف مهنتهم عن مهن أخرى يستطيع الفلسطيني الاندماج عبرها بسوق العمل الإسرائيلي دون أي إحراج، هذه الأزمة تتعمق مع تسارع انسحاب العامل الفلسطيني (المؤسسة الفلسطينية) لتتركنا كالأيتام على موائد اللئام، كما يقولون؟

راضي شحادة

شحادة: في البداية دعنا نوضح أن الحديث يدور عن مسلسل كتبه ويقوم ببطولته قائد فعلي سابق لوحدة مستعربين يدعى ليئور راز (هو في الأصل يهودي عربي والده جزائري وأمه عراقية) إلى جانب صحافي إسرائيلي يُعنى بالشؤون العسكرية يدعى آفي يسخاروف.

المسلسل الذي يشارك فيه ممثلون فلسطينيون وعرب، بثّ على مدار ثلاثة مواسم على قناة "يِس" الإسرائيلية، وعبر شركة "نتفليكس" الأميركية وحظي بمباركة وتثمين الأوساط السياسية الصهيونية ابتداء من رئيس دولة إسرائيل وحتى اللوبي اليهودي الأميركي المعروف بـ"أيباك".

ويمكن تعريف المسلسل أنّه وبامتياز، مسلسل مخابراتي أمني بوليسي عسكري "أكشنيّ" مطارداتيّ "رامْبَويّ"، واستعلائي احتلالي من الدرجة الأولى، يعتمد أبطاله اليهود على عنصر الـمُباغتَة بواسطة التّخفِّي على شكل شخصيات عربية أُطلق عليهم اسم "مُسْتَعْرِبُونْ".

وهو من أخطر ما وصلت إليه اللعبة "الـمِيدْيَويَّة" التي يحاول الإسرائيليون إيصالها لملايين الـمُتَلقِّين في جميع أنحاء العالم عبر المخابرات العسكرية التي تعتمد على أسلوب فنّ التشويق والإبداع والإثارة والمطاردات والجنس والقتل، إلى جانب تصويره الصراع الدائر بين الفلسطينيين والإسرائيليين وكأنه بين طرفين إنسانيين متساويين، دون الإشارة للطرف المحتل والآخر الواقع عليه الاحتلال للوصول بالمشاهد إلى التعاطف مع الطرف المحتل.

ولكي يبدو المسلسل "حقيقيا" لا يكفي أن يكون أبطاله الصهاينة يهودا خدم بعضهم فعليا في وحدة المستعربين، بل يجب أن يكون أبطاله الفلسطينيون عربًا فعلا يستطيعون تقمص دور القادة والمقاومين الفلسطينيين، الأمر الذي استدعى الاستعانة بهذا الكم الكبير من الممثلين الفلسطينيين.

وإلى سؤالك، فإن ما تقوله صحيح بأن الفنان يعيش معادلة صعبة بين الارتباط بمصدر رزقه وبين الالتزام الوطني والأخلاقي، وعلينا التذكير بأن القضية الوطنية غير محلولة بعد ولا يمكن إدارة الظهر لها، ولكن يجب أن نعترف أيضا أنه وخلال العقود السبعة التي عشناها في "كنف" هذه الدولة نشأت بيننا فئة اقتنعت بـ"إسرائيليتها"، خاصة وأن الظروف الخارجية المحيطة كانت تدفعها إلى أحضانها.

الكل يقول إنه فلسطيني ولكن في الكل الفلسطيني هناك النذل والشجاع والوطني والعميل واللامبالي، بمعنى أن الهوية الفلسطينية لا تعطيك شهادة وطنية. من جهة ثانية، هناك بعض المثقفين صار يؤمن بأن الهوية هي مجال متغير، بمعنى أن الالتصاق بالهوية التي كانت خاصتنا منذ سبعة أو ثمانية عقود، هو ضرب من الجمود وتجاهل لمتغيرات الواقع وغيرها من الأفكار التي تبرر لهوية فلسطينية إسرائيلية هجينة في أحسن الأحوال أو عربية إسرائيلية في أسوأها.

أنا أعرف أصحاب شهادات عليا "دكاترة وبروفيسورية" يتحدثون بمفاهيم جدلية وفلسفية عن التغييرات التاريخية والجيوسياسية وتأثيرها على الهوية، وهم مقتنعون بنوع من الهوية العربية الإسرائيلية يقتصر الفلسطيني فيها على البعد التاريخي.

"عرب 48": دعنا نتوقف عند هذه النقطة لأنه في الماضي كان الانقسام بين وطني فلسطيني وعميل، أو متعاون مرتبط بأحزاب السلطة بدافع الجهل والخوف والمصلحة، أنت تتحدث اليوم عن فئة متعلمة و"متنورة" وغير واقعة تحت سياط "الشاباك" تعرف نفسها عن اقتناع (لا بد أنه مرتبط بمصلحة الاندماج بالدولة ومؤسساتها) بأنها إسرائيلية وتفلسف ذلك بما أسميته الهوية المتغيرة؟

شحادة: أنا أتحدث عن المثقفين الذين يؤدلجون الأسرلة، عمّن صاروا يرون اللون الأزرق للهوية سلمًا للتدرج في الوظائف والاندماج في السوق الاقتصادي الإسرائيلي والحياة السياسية والاجتماعية الإسرائيلية.

وإذا كان هذا الاندماج ليس ذا تأثير في كثير من المجالات والمهن العملية، فإنه يصطدم بالفن والثقافة بالالتزام الوطني والأخلاقي للفنان والمثقف، ويستدعيه إلى التوقف عند الخطوط الحمراء، وكان في السابق العديد من المشاركات المقبولة وحتى المحمودة لفنانين فلسطينيين في أعمال إسرائيلية منها مشاركة الفنان محمد بكري في فيلم "من وراء القضبان" الذي عالج قضية الأسرى الفلسطينيين ومشاركة في فيلم "خربة" الذي تناول قضية تهجير الفلسطينيين عام 1948.

ورغم أنه جرت في الماضي مشاركات أثارت بعض الانتقادات، إلا أن المشاركات الفلسطينية الأخيرة وتحديدا في ثلاثة أعمال هي " نعاريم - الفتية"(إتش بي أو)، الذي يتحدث عن خطف المستوطنين الثلاثة وقتل الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير و"هحطوفيم – المختطفون" (نتفلكس)، الذي يتحدث عن تحرير جنود مختطفين في جنوب لبنان و"فوضى" هي الأسوأ على الإطلاق.

"عرب 48": لكن" فوضى" هو الأكثر "إثارة" ومشاركة في كل المستويات، وكذلك الأغنية المستفزة التي هاجمت حركة المقاطعة "بي دي إس"؟

شحادة: السؤال هو لماذا تهافت فنَّانونا الفلسطينيون على مسلسل "فوضى" بهذه الكثرة؟ هل عن جهل وطني أم طمعًا في الشهرة والمال وبحثًا عن الرزق؟ أم لأنّهم اقتنعوا فعلا بأنّ المسلسل إنساني وعادل ويعطي كل طرف من الطرفين حقّه بالتساوي إنسانيًا وسياسيًا ووطنيًا.

يقول الممثل خليفة ناطور، الذي شارك في المسلسل في مقابلة معه: "ربما لن أجد عملًا في جنين أو في رام الله، لأنني أمثِّل في مسلسل ‘فوضى‘ لأن هنالك من يرى في فوضى دعاية لإسرائيل، وأن الطرف الفلسطيني غير معروض كما يجب".

بالمقابل الممثلة سلوى نقارة، التي لم تشارك في المسلسل، علما بأنها شاركت في مسلسل "المخطوفين"، قالت خلال تصريح لها في التقرير المطوَّل عن مسلسل "فوضى" للتلفزيون البريطاني: "إذا أنا أعمل في مسلسل عن الاحتلال ولا تُثار فيه قضية أنه أنت لا حق لك بالوجود في هذا المكان أصلا، بعدها تعال لنتحاور، وإلّا فأنا أخدم فكرًا تابعًا لعدوّي... ما مرّ على الشعب الفلسطيني منذ سنة 1948 جريمة لا تُغتفر... إذا أنت poddle يعني كلب صغير ويستعملونك ويلعبون بك لعبة التعايش والسلام والمحبة والوئام… أنا لبرالية ولا أشمت بمن اختار لنفسه أن يلعب هذه اللعبة، فهو حر".

ويرد الممثل هشام سليمان على موقفها قائلا: "سلوى رفضت المشاركة في المسلسل فهي حرة، ولكن لا أنا ولا هي نستطيع أنْ نقول ما هو الصحيح وما هو الخطأ... القضية الفلسطينية مركَّبة جدا وليست أسود/أبيض... هنالك متطرفون وبعض الناس من الضفة الغربية انتقدوا المسلسل... يقولون إنّ الإسرائيليين يجمّل الصورة الإسرائيلية".

لكن الأمر الأكثر غرابة أن يقوم ممثِّل أميركي هو ديڤـيد كلينون برفض المشاركة في مسلسل "فوضى" بعد أن اعتبر أنه يلمّع صورة إسرائيل، ويصور الفلسطينيين بشكل مُهين. كلينون رفض المشاركة في وقت كان فيه بأمس الحاجة للمال، حيث كان عاطلًا عن العمل لفترة سنة ونصف.

والحقيقة أنني كنت أنتظر من أحد فنانينا القديرين والوطنيين أن يَظهر أمام الإعلام لكي يتحدث عن الافتخار بموقفه ودوره المنطقي في المسلسل، ويدافع عن الفكرة، إذا كان مقتنعا بها، وما الذي أغراه وطنيًّا ومبدئيًا في المشاركة سوى الحجة الإنسانية والمادية والشهروية.

"عرب 48": ربما هو الجو العام في المحيط العربي والفلسطيني، أجواء الانهزام والتطبيع من السودان إلى "أم هارون" وحتى التنسيق الأمني، وما تخلقه من إحباط وردّة لدى البعض، إلى جانب تخلي المؤسسة الفلسطينية بشكل فعلي عن هذا القطاع من شعبنا، وبروز تيار عام نكاد نقول إنه مهيمن بين جماهير الداخل يتساوق مع الأسرلة تحت شعار المشاركة في كل شيء، ولذلك لم نسمع انتقادات من سياسيين لمن أوقدوا شعلة "استقلال إسرائيل" كما كنا نسمع في الماضي ولا سمعنا منهم انتقادات للمشاركين في "فوضى"..

شحادة: من الواضح أن هناك تأثيرًا إقليميًا وفلسطينيًا ومحليًا، والأخطر هو أن نُترك لمصيرنا فلسطينيا بغياب قيادة قادرة على تدبر أمرنا محليا، ولكن الجبهة الثقافية يفترض أن تكون الجدار الأخير الذي يجب صيانته والحفاظ عليه للحفاظ على أنفسنا من الضياع.

ولفنانينا أقول ما قاله سميح القاسم عندما عرضوا عليه إغراءات وامتيازات معيشية مقابل التخلي والتنكر لهويته الفلسطينية والعربية، قال: أتريدون أن أرضى وأكون شاعرا لـ 100 ألف درزي عوضا عن أن أكون شاعرا لـ100 مليون عربي (اليوم 350 مليون عربي).


*راضي شحادة: كاتب ومسرحيّ وروائي وباحث فلسطيني من الجليل. مؤسس مسرح البلد سنة 1973 وأحد مؤسسي مسرح الحكواتي في القدس المحتلة سنة 1984. مؤسس مسرح السيرة سنة 1989.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ