حوار | بحثًا عن "طريق سيدي" وروح البلاد

حوار | بحثًا عن "طريق سيدي" وروح البلاد
نهر الأردن الذي كان يسمّى "الشريعة" (أ ب)

المخرج نزار حسن:

> "طريق سيدي" أعاد الاعتبار لفلسطين الوطن الذي ضاع بين ملفات القضية
> الفيلم يظهر فلسطين بقامتها الكاملة وجمال جغرافيتها الطبيعي
> محاولة للعودة بالفلسطيني الذي "تقطعت به الطرق" إلى سيرته الأولى
> اركب الحمار وهو سيأخذك إلى بيروت ويعيدك إلى فلسطين
> عن إسرائيل، قال الجد الذي عاصر العثمانيين، "لا شيء يدوم"


في رحلة البحث عن الوطن الذي ضاع بين ملفات القضية وتاريخها، يعود نزار حسن إلى الجغرافية التي صنعتها أقدام أجدادنا وحوافر خيولهم ودوابهم طرقا ومسارب في قلب طبيعة بلادنا الجميلة الواقعة بين فكّي البحر والصحراء، ويتتبع محطات خط "سكة حديد الحجاز" التي توقف فيها جده التاجر في حيفا وجنين ونابلس والطيبة ويافا.

"طريق سيدي" يعرض بالصورة الحية فلسطين الوطن بثوبها الطبيعي وقامتها "الفارعة"، التي يحرص المخرج على عدم الانتقاص من كمالها، وهو يقطع طريق الغور إلى القدس وطريق الشاطئ نحو يافا جنوبا إلى مشارف غزة.

الفيلم لا يتوقف عند الجدران والأسلاك الشائكة والحواجز العسكرية التي "تقطع الوطن" وتلتف حول أجزائه، أو غابات الـ"كيرن كييمت" التي تغطي قرى هُجَّر سكانها ودمرت بيوتها، وإن أظهرتها الكاميرا التي تجول بين مقابر ومساجد وكنائس وآثار بيوت كانت عامرة، فهو يتبع خارطة فلسطين الطبيعية ليظهر الوطن ببحره وبره وجباله وسهوله وطرقه ومساربه، حيا كما كان، ويظهر المستعمر مارقا طارئا عليه.

"طريق سيدي" بما يحمله الاسم من رمزية، يمثل حالة الفلسطيني الذي "تقطعت به الطرق" السياسية، على مدى 72 عاما من عمر النكبة، ويحاول العودة إلى سيرته الأولى ومجاله الحيوي وفضائه الوطني.

"اركب الحمار وهو سيأخذك إلى بيروت ويعيدك إلى فلسطين"، قال الجد الذي عاش في ولاية بيروت العثمانية التي امتدت من اللاذقية حتى حدود القدس، وتحرك فيها بُحريّة، وعندما سأله الابن الذي ولد في عهد الانتداب البريطاني عن إسرائيل، أجاب غير مكترثٍ "لا شيء يدوم".

حول الفيلم والطريق، "طريق سيدي" وفلسطين كما شاهدها وصورتها كاميرته، كان هذا الحوار مع المخرج نزار حسن:

"عرب 48": شاهدت الفيلم الذي بثته "الجزيرة الوثائقية" على حلقات، وهو من إنتاجها، ورأيتك تقطع البلاد طولا وعرضا وأنت تحمل خيمتك على ظهرك، وحقيبة معززة بالخرائط والمراجع التاريخية باللغات الثلاث، تهتدي بواسطتها إلى معالم "درب جدك" وكأنك تقول، أو هي رسالة الفيلم الأولى: هذه هي فلسطين، لم تضع بل نحن الذين أضعنا الطريق؟

حسن: الفيلم يحمل أكثر من رسالة وهو ينطلق من حقيقة أساسية أن فلسطين، كما أراها أنا، هي ليست قضية ولا مسألة أو ذاكرة، فلسطين وطن، وهو وطن مقتطع من حالة أكبر هي بلاد الشام التي تشكل جزءا من الوطن العربي.

هذا هو وطن جدي وجدك وأجداد الفلسطينيين عموما، وعاش فيه جدي حرا يتنقل في رحابه دون عوائق وحواجز ونقاط تفتيش، فينتقل خلال تجارته من المشهد عبر سيرين وعولم والحدثة ولوبية، وصولا إلى الجاعونة شمالا ومنها إلى بنت جبيل وبيروت، ويعود إلى جنين ونابلس ويافا والقدس جنوبا.

الهدف ليس فقط إظهار جغرافية الوطن التي جري دفنها تحت طبقات التاريخ، بل إعادة الروح لفلسطين التي قتلتها دراسات المثقفين ومؤتمراتهم وتنظيراتهم. وعلى فكرة، فقد اكتشفت أن كلمة أصلاني معناها باللغة العربية حمار أو بغل، واغتالتها تكتيكات السياسيين وتسوياتهم، حيث كانت الطريق قصيرة من تحويلها إلى قضية سياسية، إلى مسألة بحثية موجودة في بطون الكتب ومدرجات المؤتمرات الأكاديمية.

"عرب 48": بغض النظر عن الرمزية التي ينطوي عليها الفيلم، كاسم ومضمون، فأنت عمليا تجاهلت التغييرات التي طرأت على الجغرافية، غابات الـ"كيرن كييمت" التي غطت أثار القرى المدمرة، الأسلاك الشائكة التي كنت في كثير من الأحيان تقفز عنها لتسلك طريق جدك، وأحيانا تلتف عليها، محطات القطار التي لم يبق لها أثر والتي شكلت في حينه رمزا لتطور فلسطين وتجارتها وارتباطها بالمحيط العربي والعالم؟

حسن: لا تنسَ أنني مخرج الفيلم وقد تعمدت إظهار ذلك كله، مقابل الثابت في الوطن من بحر وسهل وجبل وحجر وشجر ومياه، تعمدت إظهار التغييرات التي أحدثها المستعمر واكتشاف "طريق سيدي" رغما عنها، لأبرز أن الثابت هو الوطن ذاته، وعندما يتم تسييسه وتحويله إلى مسألة وموضوع بحث يصبح من السهل تجزئته وتقسيمه ومن ثم تغييبه نهائيا.

أنا لم آت لـ"أُعلم" كل حجر كان هنا وأسعى لاستعادته، فأنا لا أستطيع، ليس لأني لا أمتلك القدرة فقط، بل لأني أدرك أن كل شيء تغير وليس في فلسطين فقط، عمان تغيرت والقاهرة تغيرت وباريس تغيرت، ولكن المهم هو الوعي بوجود الوطن، أن يدرك الناس أو أن يبقوا مدركين أن لهم وطنا وأن الكيان القائم هو ليس وطن ولا حتى دولة بل هو مستعمرة.

أن تبقى هذه المستعمرة أو تذهب ليس هو المهم. المهم أنني لا أستطيع أن أتنازل عن وطني لأحد، ولا أن أفوّض الفلسطيني الذي يبيع ويتاجر بالوطن، فليذهب إلى الجحيم، يستطيع أن يكون مع المستعمرة التي يسمونها دولة ويخرج معها.

"عرب 48": ولكن المستعمرة تلك صادرت الوطن وغيرت معالمه وجغرافيته؟

حسن: هذا بالضبط ما جاء الفيلم ليقوله أنت ضحية وعيك، لأنك لم تمش في فلسطين ولا تعرف فلسطين، فأنت تمشي من نقطة إلى أخرى ومن موقع إلى آخر بالسيارة فترى معالم المستعمرة، وحتى القرى الفلسطينية الباقية تحولت إلى جزء من معالم المستعمرة، لأنها تحولت إلى مخيمات لاجئين، ولكن بمجرد أن تمشي راجلا بضعة كيلومترات شمالا أو جنوبا أنت "تكتشف" فلسطين وهذا ما يظهره الفيلم.

أنت تتحرك في خارطة المستعمرة وحتى عندما تريد أن تنتقل من بلدة عربية إلى أخرى تسلك طريق المستعمرة، ومن النادر أن تنتقل بين بلدتين فلسطينيتين في الداخل دون أن تمر بمستوطنة يهودية، ناهيك عن أسماء الشوارع والمفترقات وغيرها من معالم الطريق التي جرى عبرنتها بالكامل لإشعارك بأنك تعيش في فضاء صهيوني.

جدي مثلا كان يقول "بلاد الأمير"، "طيبة بك الأسعد" فيسأله والدي الذي ولد في فترة الانتداب وتبلور وعيه تحت حكم المستعمرة، تلك التي في لبنان؟ فلا يجيب، هو بالنسبة له لا يوجد مصطلح لبنان في الجغرافيا التي يعرفها. نحن نستعمل الخريطة الإنجيلية التوراتية و"كارثتنا" الكبرى لا تكمن في الاستعمار بل بالمثقفين بالمطلق، وذاك الماركسي والثورات المستمرة من أين جاء بنظرياته، كلها قادمة من هناك.

الفيلم جاء ليقول: تعالوا نتمهل ونفكر بما يحدث، هو محاولة لإعادة التفكير بالطريقة والطريق، وأنا لم آت لأقول أنت لا تفهم وأنا أفهم، بل أقول أنا آت لأفهم، ورمزية الطريق هي أن نبدأ بالبحث عن طرق أخرى، ويجب أن نبدأ بالبحث لكي نعرف إلى أين نحن ذاهبون.

"عرب 48": ذكرت روبنسون والإنجيليين كمن شقوا الطريق أمام الحركة الصهيونية، لاستعمار البلاد وتغيير معالمها؟

حسن: إدوارد روبنسون وهو قس وباحث لاهوت أميركي ألماني، جاء إلى فلسطين في منتصف القرن التاسع عشر وادعى أن الكثير من أسماء المواقع والقرى والمدن هي أسماء إنجيلية توراتية جرى تحريفها، ولاحقا جاء الإنجيليون الألمان الذين سموا بالهيكليين وقالوا إن فلسطين أرض الله ونحن الهيكليين شعب الله وآمنوا بالعهد القديم – التوراة - وادعوا أنهم الوحيدون المسيحيون وأنه يجب أن يأتي شعب الله إلى أرض الله، وهنا يجب أن يبنوا الكنيسة حتى يأتي إليها المسيح.

هؤلاء سكنوا في تل الشمام في مرج ابن عامر وماتوا كلهم من الملاريا، بعدها جاؤوا في 1868 مرة أخرى وبنوا حي الألمانية في حيفا ومستعمرة "صارونة" وبنوا "الفلدهامية" في بيت لحم – أم العمد وبعدها الأحمدية، حيث اعتقدوا أن المسيح المنتظر سيأتي إلى هناك.

هؤلاء كانوا يقولون إن العرب لم يرتقوا إلى درجة البشر ولذلك لا يستطيعون أن يحكموا البلد، وقد جاؤوا إلى فلسطين قبل بدء الهجرة الصهيونية التي قدمت بها الحركة الصهيونية إلى فلسطين عام 1883.

ما أردت قوله إن هؤلاء هم الذين صمموا خارطة البلاد الإنجيلية التوراتية، وهي الخريطة التي اعتمدتها الحركة الصهيونية واعتمدناها نحن لاحقا ونعتمدها اليوم، ففي الخريطة العثمانية على سبيل المثال لا يوجد شيء اسمه جبال الجليل، بل هي تسمى جبال فلسطين ولا شيء اسمه نهر الأردن بل هو الشريعة، لقد حرفوا أسماء معالم البلاد وغيروا أسماءها إلى أسماء إنجيلية توراتية وأدخلوها في وعينا وما فعل مثقفونا أنهم اكتفوا بتغيير القالب إلى قالب كنعاني فقط.

"عرب 48": العلاقة بين الإنجيليين والصهيونية علاقة قديمة تتجدّد بقوة في عهد ترامب وطاقم الإنجيليين المحيط به، والذي صمم "صفقة القرن" ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، والأطماع الغربية في فلسطين والمنطقة العربية أيضا قديمة جديدة، بدأت في عهد الرومان وامتدت إلى الصليبيين وتجددت مع انهيار الإمبراطورية العثمانية واحتلال فلسطين ووعد بلفور عام 1917 وتلازم الاستعمار والاستيطان الصهيوني فيها والذي انتهى إلى قيام الدولة اليهودية؟

حسن: المسألة هي مسألة الوعي بالأشياء وإعادة تسميتها بمسمياتها الأولى وليس بالمسميات التي ابتدعها المستعمر وأدخلها في وعينا، والعودة إلى طريقنا، "طريق سيدي" وسيدك الذين حفظوا فلسطين عن ظهر قلب كمواقع ومعالم وحفظوها في قلوبهم كوطن.

لقد استعملت قي الاهتداء إلى "طريق سيدي" التي سلكها في تجارته، نفس الخارطة التي استعملها الصهاينة لاحتلال فلسطين، ولم يكن هدفي دخول كل قرية طمست أم لم تطمس، واكتشفت أن هناك وطن لم يطمس، ولو سار كل واحد في طريق "سيده" سيجد وطنه.